رواية رسمية وأخرى علمية.. مصير غامض لمستقبل الاستثمارات الأجنبية بمصر

المركزي: الاستثمارات الأجنبية تراجعت خلال العام الماضي بنسبة 23.5% (الجزيرة)
المركزي: الاستثمارات الأجنبية تراجعت خلال العام الماضي بنسبة 23.5% (الجزيرة)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

بينما تكشف منظمات اقتصادية عالمية، واقعا سلبيا للأداء الاقتصادي وأحوال الاستثمار الأجنبي في مصر من خلال تقاريرها الدورية، تستمر الحكومة المصرية في التبشير بمستقبل واعد لأدائها الاقتصادي، والتأكيد على أن مؤشرات هذا القطاع تشهد تحسنا ملموسا خلال الشهور الأخيرة.

ومؤخرا، توقعت المجموعة المالية "هيرمس" خروج ما بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار من الاستثمار الأجنبي في أدوات الدين الحكومية خلال العام المقبل، واستمرار اتساع عجز الحساب الجاري خلال العامين المقبلين.

وأشار تقرير حديث للمجموعة إلى أن عجز الحساب الجاري اتسع رغم الإيرادات القياسية للسياحة وفائض الميزان البترولي، وذلك بعد عامين من تخفيض العجز، وهو إشعار بقرب وصول مكاسب تعويم الجنيه مقابل الدولار إلى النهاية.

وقالت هيرمس "النتائج المحبطة جاءت مدفوعة بتطبيع تحويلات المصريين بالخارج، وانخفاض التدفقات من خلالها بنحو 1.5 مليار دولار، وتراجع الصادرات غير البترولية 1%، مع الأخذ في الاعتبار الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه، وزيادة مدفوعات الاستثمار بنسبة 31%".

رؤية رسمية
في المقابل، قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال اجتماع استعرضت فيه وزارة التخطيط مؤشرات الأداء الاقتصادي إن ما رصدته حكومته من مؤشرات وأرقام تعكس مدى تحسن أداء الاقتصاد، وإن "هذه الأرقام الإيجابية في مختلف القطاعات تعد من أفضل المعدلات في تاريخ مصر".

وخلال الاستعراض، أوضحت وزارة التخطيط أن الربع الأول من العام المالي 2019/2020 شهد استقرارا في معدل النمو الاقتصادي الذي وصل إلى 5.6%، وأن مٌعدل البطالة يعتبر أفضل من نظيره في دول المُقارنة (لم تحددها) إضافة إلى انخفاض عجز الميزان التجاري غير البترولي بنسبة 22%، مشيرة إلى ارتفاع طفيف في عجز الميزان التجاري.

ولفتت الوزارة إلى ارتفاع تدفقات النقد الأجنبي من المصادر الرئيسية لتبلغ نحو 78 مليار دولار عام 2018/2019 مقارنة بنحو 61 مليارا عام 2008/2007، أي بنسبة نمو 28%.

إلغاء الدعم وارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب تزيد من أعباء المواطنين (الجزيرة)

سعر الفائدة
يشير مدرس الاقتصاد بأكاديمية أوكلاند الأميركية مصطفى شاهين إلى أن الحكومة المصرية خفضت سعر الفائدة على الإيداعات داخل الحكومة، الأمر الذي دفع "هيرمس" لتوقع خروج هذه المليارات من الاستثمار الأجنبي.

ولفت -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن هذه الأموال التي من المنتظر أن يسحبها أصحابها، ربما يعاودون استثمارها مرة أخرى بالسعر الجديد بعد خفض الفائدة الذي سيكون حوالي 14%، وربما يجدون مجالات أخرى للاستثمار تعطي عائدا أعلى في دول أخرى.

وشدد شاهين على أنه لا يمكن لاقتصاد دولة أن يقوم فقط على الأموال الساخنة، معتبرا أن الحكومة المصرية وقعت في هذا الخطأ الابتدائي، وهي بذلك تسعى لتوفير أي مصادر للعملة الأجنبية لإنقاذ نفسها من وضع حرج وضعت فيه.

وأوضح أن الكثير من البيانات والأرقام التي تظهرها الحكومة ليست حقيقية، وأن الانخفاض المحدود في أسعار بعض السلع -الذي تستحضره الحكومة في سياق تدليلها على تحسن الأداء الاقتصادي- راجع في حقيقة الأمر إلى الانكماش في الاقتصاد، وليس نتيجة تحسن مؤشراته من حيث الانتاج.

من جهته يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن تقرير هيرمس استند إلى تحليل علمي قائم على رصد خصائص الأموال الساخنة، وهي في رأيه أموال تتحرك عبر العالم بحثا عن الربح، وأكثر ما يجذبها أسعار الفائدة المرتفعة.

ورجح -في حديثه للجزيرة نت- أن تكون المجموعة المالية قد اعتمدت في تقريرها بشكل أساسي على تقرير المركزي الذي أشار إلى تراجع واضح في الاستثمار المباشر وغير المباشر، ذاهبا إلى أن جزءا كبيرا من الأموال المتوقع خروجها من مصر سيعاود الدخول إليها مجددا.

بلومبرغ أشارت إلى أن مصر في صدارة مؤشر "البؤس الاقتصادي" (الجزيرة)

رهان النظام
اعتبر عبد المطلب أن مستقبل الاقتصاد متوقف على قدرته على تشجيع الاستثمار سواء المحلى أو الأجنبي، وأن النظام المصري يراهن على الإيرادات المتوقعة من بدء التشغيل الفعلي للعاصمة الإدارية الجديدة.

وتوقع أنه في حال تدفقت الأموال الأجنبية للاستثمار في العاصمة البكر، فإن ذلك ستكون له آثار إيجابية كبيرة على مناخ الاستثمار في البلاد.

بدوره، قال الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي عمرو خليفة "غالبية الاستثمارات التي تدخل مصر منذ 2013 غير مباشرة عبر شراء أدوات الدين، والتي تفقد قيمتها مع قيام المركزي بخفض أسعار الفائدة، فضلا عن توقعات بمزيد من الخفض مستقبلا".

وفي حديثه للجزيرة نت، أشار خليفة إلى أن الاستثمارات المباشرة التي تمثل الداعم الحقيقي لأي اقتصاد غير متوفرة بمصر، وأنه ليس جديدا أن سياسة النظام القائم طاردة للاستثمارات.

وأرجع خليفة ما ذكره إلى بيانات رسمية للمركزي التي أشارت إلى أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر تراجع خلال العام المالي الماضي بنسبة 23.5% ليبلغ نحو ستة مليارات دولار مقابل نحو 7.7 مليارات خلال عام 2017-2018.

وعزا هروب الاستثمارات الأجنبية إلى عدة أسباب أبرزها البيئة التشريعية غير المستقرة في البلاد، فضلا عن تراجع القوة الشرائية للمواطنين واستمرار إعلان حالة الطوارئ.

ويختم الصحفي الاقتصادي بقوله إن الدول تحتاج إلى تحقيق التوازن بميزانيتها عندما تنفق أموالاً أكثر مما تحصد، وهو ما يعرف بالحساب الجاري، مشيرا إلى أن ما ذكره تقرير هيرمس عن ارتفاع عجز الحساب الجاري يؤكد تراجع قيمة المدخلات من صادرات مقابل الواردات والخدمات، وهو مؤشر سلبي على وضع الاقتصادي.

المصدر : الجزيرة