تونس.. الاستيراد العشوائي يعمق الأزمة الاقتصادية ويفاقم العجز التجاري

سوق سيدي بومنديل في قلب العاصمة تونس واحد من أضخم الأسواق التي تعرض فيها بضائع مستوردة من الصين (الجزيرة)
سوق سيدي بومنديل في قلب العاصمة تونس واحد من أضخم الأسواق التي تعرض فيها بضائع مستوردة من الصين (الجزيرة)

مجدي السعيدي-تونس 

تدب الحركة شيئا فشيئا في سوق سيدي بومنديل أحد أكبر وأشهر الأسواق الشعبية في قلب العاصمة تونس والذي يؤمه يوميا عشرات الآلاف من الزبائن من الطبقة الشعبية بحثا عن ضالتهم من المواد الاستهلاكية والملابس والعطورات ومواد التنظيف المستوردة من الخارج والتي تغري أسعارها رواد السوق من ذوي الدخل المحدود.

يصعب على الكثيرين المرور من شارع "سيدي بومنديل" الذي يشكل الجزء الأكبر من مساحة واحد من أضخم الأسواق التي تعرض منتوجات مستوردة في الأغلب من الصين وتركيا والجزائر وأوروبا والتي يتهافت المتجولون على اقتنائها، في حين يعتبرها خبراء الاقتصاد مثالا للتوريد العشوائي وآفة تهدد الاقتصاد.

وفي وقت أعلن فيه المعهد التونسي للإحصاء عن بلوغ عجز الميزان التجاري في البلاد أرقاما قياسية سلبية استفحلت ظاهرة الاستيراد العشوائي للبضائع وسائر المواد الاستهلاكية، وغزت الأسواق بشكل غير مسبوق في الأعوام الأخيرة.

 مواد تنظيف وعطورات ومستحضرات تجميل مستوردة (الجزيرة)

آفة اقتصادية خطرة
وأطلقت منظمات عديدة صيحة فزع في الأوساط الاقتصادية مطالبة السلطات بوضع حد لإغراق الأسواق بمواد مجهولة المصدر وغير مجدية، في حين طالب عدد من التجار بتكثيف المراقبة على الحدود لمكافحة ظاهرة التهريب في ظل تقديرات باستحواذ الاقتصاد الموازي على 55% من التبادل التجاري في تونس.

باسم الجليلي -وهو أحد التجار في قطاع النسيج- يحمل مسؤولية الاستيراد العشوائي وإغراق الأسواق ببضائع مجهولة المصدر إلى البرلمان الذي عجز عن سن قوانين صارمة لتقنين المبادلات ومحاسبة كبار المهربين والعصابات التي تدمر الاقتصاد المحلي على حد وصفه.

ويقول الجليلي إن "الظاهرة أضحت كابوسا يهدد صغار التجار والصناعيين، أعداد المهربين وشبكات الاستيراد العشوائي تزايدت بعد ثورة 2011، نعيش أوضاعا اقتصادية صعبة بسبب إغراق الأسواق بالسلع المستوردة، ونخشى حالة الإفلاس التام".

عمارة -وهو واحد من التجار والصناعيين في النسيج- يقول للجزيرة نت "لم نعد قادرين على مجاراة نسق ظاهرة الاستيراد العشوائي، سواء المقنن الذي يتم بتواطؤ من أطراف نافذة أو غير المقنن أي التهريب، البضائع الصينية اجتاحت الأسواق وتسببت في تراجع الإنتاجية في قطاع الصناعة، مما أسفر عن إحالة الآلاف إلى البطالة، بجانب الأضرار الصحية الناجمة عن تلك المواد".

وعمق الاستيراد العشوائي عجز الميزان التجاري الذي بلغ بحسب أرقام رسمية للمعهد التونسي للإحصاء 16 مليار دينار (نحو 5.8 مليارات دولار) بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، بعد أن سجل نسق الواردات في البلاد ارتفاعا بنسبة 20% خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الجاري.

ووفق المصدر ذاته، سجلت المبادلات التجارية التونسية عجزا كبيرا مع بعض البلدان، والذي بلغ مع الصين نحو 5 مليارات دينار (1.8 مليار دولار)، ومع تركيا نحو ملياري دينار (700 مليون دولار).

وتستورد تونس العديد من المواد التي تأتي في مقدمتها المواد الاستهلاكية بنسبة 34% ومواد الطاقة بنسبة 23%، في حين تمثل مواد التجهيز 10%.

وفي 2018 وضعت تونس قائمة تضم 204 منتوجات غير ضرورية في قائمة المواد الموردة، لكن رغم ذلك تواصل نسق الاستيراد العشوائي بشكل جنوني.

تونس تستورد الأقمشة والنسيج من تركيا والصين وإسبانيا (الجزيرة)

تفاقم نسبة البطالة
يفسر الخبير في الاقتصاد والمالية محمد صالح الجنادي تفشي ظاهرة الاستيراد العشوائي بغياب سياسة اقتصادية واضحة، وفشل الدولة في تحقيق المعادلة بين تعديل السوق من خلال الاستيراد وبين الحفاظ على النسيج الصناعي المحلي.

ويقول الجنادي للجزيرة نت إن "الاستيراد العشوائي آفة تنخر الاقتصاد، وهو ينقسم إلى صنفين: توريد عشوائي مقنن أي تحت غطاء شرعي لكنه لا يلتزم بقوانين السوق، وتوريد غير مقنن وهو التجارة الموازية التي استفحلت نتيجة التحولات السياسية والأمنية والاجتماعية في تونس بعد 2011، والتي كانت لها تداعيات خطيرة على الميزان التجاري للبلاد".

ويرى أن مكافحة الظاهرة تمر أساسا عبر اعتماد الاستيراد نصف المصنع، لأن الاقتصاد يعاني من توريد مواد يمكن إنتاجها محليا، ويستنزف توريدها احتياطي تونس من العملة الصعبة ويعمق تهاوي الدينار.

ورغم أن المستفيدين من هذه الظاهرة هم عدد من التجار فإن مضار الاستيراد العشوائي تبدو وخيمة على المؤسسات المحلية التي فشلت في كسب رهان المنافسة، خصوصا أن المواد الموردة تباع بأسعار تفاضلية تغري المواطن في ظل تدهور مقدرته الشرائية، بحسب الجنادي.

ويعتبر المتحدث أن قطاع التشغيل تضرر بدوره، لأن المصاعب الاقتصادية لمصانع المواد الغذائية والأحذية والملابس الجاهزة جراء الاستيراد انتهت بإحالة العمال فيها إلى البطالة.

وبحسب تقارير لمنظمات مهنية، فإن 80% من المصانع التونسية مهددة بالإغلاق وتسريح الآلاف من العمال نتيجة تراجع إنتاجها، في حين أكدت مصادر رسمية أن ثلاثمئة مصنع للأحذية والملابس أغلقت أبوابها لتفاقم خسائرها، مما أسفر عن بقاء نحو 40 ألف عامل عاطلين عن العمل.

المصدر : الجزيرة