قبيل الانتخابات التونسية.. حملة لمواجهة غلاء الأسعار ما دوافعها؟

مساندو حملة المقاطعة يرون أن صلاحية الكثير من المنتجات قصيرة، ومقاطعتها ستجعل التجار أمام خياريْ مراجعة الأسعار أو إتلافها (الجزيرة)
مساندو حملة المقاطعة يرون أن صلاحية الكثير من المنتجات قصيرة، ومقاطعتها ستجعل التجار أمام خياريْ مراجعة الأسعار أو إتلافها (الجزيرة)

محمد علي لطيفي-تونس

تحت شعار "قاطع الغلاء تعيش بالقدا" (جيدا)، أطلق تونسيون حملة لمقاطعة ما يسمونه "الغلاء الفاحش" نتيجة لفشل الحكومة في مقاومة الاحتكار، وذلك قبل يومين من الانتخابات التشريعية التي تجرى يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، في وقت التزمت فيه الجهات الحكومية التونسية الصمت.

وتنقسم ردود الأفعال بين مؤيد لحملة المقاطعة ومعارض لها، ففي الوقت الذي بررها البعض بأنها مشروعة مشيرين إلى أن سياسة التقشف تستهدف الطبقات ضعيفة الدخل في حين ينعم كبار رجال الأعمال بعدم دفع الضرائب، يرى آخرون أنها حملات مجانية لغايات سياسية.

وتهدف هذه الحملة التي أطلقتها مجموعة من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي الذين بلغ عددهم في وقت وجيز حوالي 400 ألف، إلى إثارة انتباه السلطات وترسيخ ثقافة استهلاكية جديدة، بحسب وصف أكرم الباروني نائب رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك، الذي اعتبر في تصريحه للجزيرة نت أن ثقافة المقاطعة ستعالج الغلاء غير المبرر مما قد يساهم في تخفيض الأسعار.

وأوضح الباروني أن حملات المقاطعة الشعبية سلاح مدني اخترعته المجتمعات لمقاومة الغلاء وجشع التجار أو الصناع أو مقدمي الخدمات، دون أن ينزلوا إلى الشارع للتأثير وإجبار صاحب السلعة التي تمت مقاطعتها على الرضوخ إلى مطالب المقاطعين وتعديل أسعارها.

ويرى مساندو حملة المقاطعة أن صلاحية الكثير من المنتجات قصيرة، مؤكدين أن عدم شرائها سيجعل التجار أمام خياري مراجعة الأسعار أو إتلافها، معتبرين أن التجار لن يجدوا طريقة أفضل للحفاظ على منتجاتهم غير تخفيض الأسعار.

توفيق يرى ضرورة أن تقوم الجهات الحكومية بدورها في تعديل أسواق المواد الاستهلاكية عن طريق تفعيل أجهزة الرقابة (الجزيرة)



وللتأكيد على نجاح حملة المقاطعة تقاسم مستخدمو الإنترنت في تونس صورا تبرز حاويات فضلات عمومية مملوءة بكميات كبيرة من المواد الغذائية التي تم إتلافها، وصورا أخرى تحوي الأسعار الجديدة المنخفضة التي بدأت تستجيب لضغط المقاطعين، مطالبين بضرورة مواصلة هذه الحملة حتى النهاية.

وكانت الحكومة قد نفذت مجموعة إجراءات تقشفية وضريبية لإنقاذ ماليتها العمومية ضمن قانون موازنة 2019، وقد دفعت هذه القرارات الجديدة الأسعار نحو المزيد من الارتفاع.

تعديل أسعار
ويشكو التونسيون من غلاء المواد الاستهلاكية التي تشهد ارتفاعا مستمرا في أسعارها رغم الجهود التي تقوم بها مكونات المجتمع المدني، التي بقيت مجرد محاولات معزولة غير كافية للتحكم في الأسعار وسط ضعف رقابة الدولة.

ورصدت الجزيرة نت بعض ردود الأفعال بشأن هذه القضية، إذ يقول عبد المجيد الوافي (متقاعد) للجزيرة نت إنه يؤيد حملة المقاطعة ومواجهة مافيا الفساد والاحتكار، التي استغلت ضعف أجهزة الدولة لتعبث بأسعار المواد الغذائية، الأمر الذي أثر على جيوب المواطنين.

من جهته شدد توفيق جابلي في حديث للجزيرة نت على ضرورة أن تقوم الجهات الحكومية بدورها في تعديل أسواق المواد الاستهلاكية عن طريق تفعيل أجهزة الرقابة التابعة لها، كما أكد في الوقت نفسه أن الجهود التي يقوم بها الأفراد أو مكونات المجتمع المدني على أهميتها تبقى غير كافية للتحكم في الأسعار.

سوق باب سعدون للخضر والغلال الحكومي في ظل حملة المقاطعة (الجزيرة)


ويدعم جلال الهلالي (عاطل عن العمل) الحملة التي اعتبرها رسالة قوية من أجل ترشيد المواطن التونسي وزرع ثقافة مقاومة الغلاء.

في المقابل اعتبر رياض المكي (تاجر) أنها حملة مجانية مبطنة لأغراض سياسية قبيل موعد الانتخابات، موضحا أن الغلاء كان نتيجة ارتفاع غير مسبوق في الأسعار منذ الثورة.

ووفق المعهد الوطني للإحصاء، تراجع معدل التضخم السنوي في تونس خلال أبريل/نيسان 2019 إلى 6.9%، وهو ما يعكس هدوءا في وتيرة الضغوط التضخمية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة.

ووصل معدل التضخم السنوي في تونس إلى 7.5% في يوليو/تموز الماضي بعد أن بلغ 7.8% في يونيو/حزيران 2018، مسجلا أعلى مستوى له منذ 1990.

صمت مريب
ورغم حملة المقاطعة، لم تخرج الأحزاب السياسية في تونس، سواء المشاركة في الحكومة أو التي في المعارضة، عن صمتها تجاه هذا الجدل المستمر حيث قررت عدم التعليق على هذه الحملة، رغم أنها ترفع مطالب مكافحة الفساد والغلاء لافتات سياسية في حملاتها وبرامجها الانتخابية بغاية الوصول للحكم.

عبد المجيد الوافي يؤكد على ضرورة مساندة مواجهة مافيا الفساد والاحتكار (الجزيرة)

من جانبها، لم تصدر الأطراف الحكومية أي بيان رسمي حول المسألة، وتعمدت الجهات المسؤولة تجاهل هذا المطلب المتجدّد، في وقت أكد فيه الملحق الإعلامي في وزارة التجارة نسيم نصري للجزيرة نت أنه وفقا لقانون المنافسة والأسعار فإن نسبة 90% من الأسعار حرة وخاضعة لقاعدة العرض والطلب، مشيرا إلى أن ووزارة التجارة تتدخل فقط من أجل تحسين العرض، وهو ما حصل مثلا في اقتناء عشرة آلاف طن من البطاطا منذ شهرين من تركيا.

وشهد مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي ارتفاعا بنسبة 0.6% خلال شهر أغسطس/آب الماضي مقارنة بشهر يوليو/تموز السابق. ويعزى هذا التطور بالأساس إلى الارتفاع المسجل في أسعار التبغ بنسبة 16.1% وارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 1.3%.

المصدر : الجزيرة