تفاقمت بعهد السيسي.. تعرف على أعداد المهاجرين المصريين ومناطق استقرارهم

الوضع السياسي من أهم الأسباب التي تدفع العمالة المصرية للهجرة (الأوروبية)
الوضع السياسي من أهم الأسباب التي تدفع العمالة المصرية للهجرة (الأوروبية)

عبد الحافظ الصاوي

في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة المصرية ارتفاع قيمة الناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات نموه، وتعلن أنها أنفقت تريليونات الجنيهات على الاستثمار في المشروعات الجديدة، تخرج علينا الأرقام الرسمية لتؤكد زيادة أعداد المهاجرين من مصر إلى الخارج، بنسبة تصل إلى 70% عما كانت عليه الأوضاع قبل الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013.

الأرقام الرسمية تكشف كذب ادعاءات تقول إن لمشروعات عبد الفتاح السيسي الكبرى مردودا إيجابيا على المجتمع.

فما قيمة التحسن في المؤشرات الاقتصادية الكلية، الذي تتحدث عنه الحكومة عبر وسائل الإعلام، أو بعض تقاريرها الرسمية، إذا كان ذلك مصحوبا بزيادة أعداد المصريين ممن اضطروا للهجرة من أجل تحسين مستوى معيشتهم، أو أن دخولهم بمصر لا تكفيهم، أو أنهم لا يجدون فرص عمل في مصر.

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يكشف عبر كتابه الذي صدر حديثا بعنوان "الهجرة في مصر 2018" أن عدد المهاجرين المصريين بالخارج بلغ 10.2 ملايين مواطن بنهاية عام 2017، بعد أن كانوا بنهاية 2013 حوالي ستة ملايين مواطن.

فعدد المهاجرين في تزايد بعد وقوع الانقلاب العسكري عام 2013، وبلغت الزيادة خلال الفترة من 2013–2017 نحو 4.2 ملايين مواطن، أي بنسبة 70.4%، وهو أمر يطرح العديد من الأسئلة، خاصة وأن السيسي وعد المصريين بتحسن في الوضع المعيشي والاقتصادي خلال سنتين.

لكن العكس هو ما آلت إليه أحوال المصريين، ولا أدل على ذلك من الأرقام التي تنشرها مؤسسات الحكومة، فمن هاجروا تحت وطأة أن دخولهم لا تكفيهم في مصر بلغت نسبتهم 25% من إجمالي المهاجرين.

كما أن من هاجروا بغية تحسين مستوى معيشتهم بلغت نسبتهم 34% من إجمالي المهاجرين، ومن هاجروا بسبب نقص فرص العمل المتاحة بمصر يمثلون نسبة 12% من إجمالي المهاجرين، بمعنى أن هؤلاء لم يجدوا صدق ما أعلنه السيسي، فذهبوا ليحققوا احتياجاتهم عبر الهجرة للخارج.  

وتستوعب الدول العربية نحو 67.4% من المهاجرين المصريين بالخارج، في حين تستوعب الأميركتين 17.9% منهم، وتضم الدول الأوروبية 10.2% من المهاجرين المصريين.

وبطبيعة الحال لا يحتاج الوضع للحديث عن أوضاع العمالة المصرية بدول الخليج، وبخاصة السنوات الثلاث الماضية، حيث زادت الرسوم على إقامات العمالة الأجنبية، وكذلك ارتفعت تكاليف المعيشة، فضلا عن مشكلات تأخر الرواتب وخفضها، بسبب الأوضاع الاقتصادية، أو تسريح جزء من العمالة الوافدة بحجة توطين بعض الوظائف. 

 التحويلات المالية للعاملين بالخارج بلغت 26 مليار دولار (رويترز)

هجرة الشباب
يواجه الشباب تحديات كبيرة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فمن الصعب أن يحصل الشاب على فرصة عمل بعد انتهائه من التعليم، فضلا عن أن يفكر في تأسيس أسرة جديدة، وما يتطلبه ذلك من نفقات لشراء وحدة سكنية وتحمل أعباء تكاليف الزواج.

لذلك تتجه نسبة كبيرة من الشباب للعمل بالخارج سعيا لتحقيق حلم الاستقرار الأسري. إحصاءات المركزي للتعبئة العامة تبين أن نسبة الشباب في الفئة العمرية من 25-29 عاما تصل إلى نسبة 23% تقريبا من إجمالي المهاجرين، في حين الفئة العمرية من 30-34 عاما تمثل نسبة 17.7% من إجمالي المهاجرين.

ويجد الشباب نفسه مدفوعا للهجرة، بحكم ما يواجهه في سوق العمل بمصر. فسوق العمل غير المنظم هو المستوعب الأكبر للداخلين الجدد، وهذا السوق له سمات لا تشجع الشباب على البقاء في مصر، مثل انخفاض الأجور، وعدم وجود عقود عمل، وبالتالي لا توجد حماية اجتماعية، أو فرص للترقي والتدريب، وتحسن أوضاع العمل التي تمكن مع مضي الوقت أن يحقق الشاب طموحه في بلده. 

وتظهر بيانات مسح سوق العمل في يونيو/حزيران 2019 أن القطاع غير المنظم بسوق العمل في مصر يضم نسبة 46.1% من إجمالي المشتغلين، في حين يضم القطاع الخاص المنظم نسبة 30.5%، وتضم الحكومة والقطاع العام نسبة 13.4%.

ومن هنا لا يشعر الشباب بنوع من الاستقرار الوظيفي، أو الحصول على المزايا المادية اللازمة للاستقرار الأسري والمجتمعي، لذلك لا يكون أمامه إلا الهجرة.

سوق العمل المحلي لا يشجع الشباب على البقاء في مصر (رويترز)

أسباب الهجرة
لا تعد ظاهرة هجرة المصريين للخارج أمرا حديثا، فمنذ منتصف السبعينيات وموجات الهجرة تتوالى وتزيد وتيرتها، إلا أن معدل الزيادة في أعداد المهاجرين بعد انقلاب 2013 لافت للنظر، ويدفع للوقوف على أسبابه.

ويعد الجانب السياسي وتداعياته من أهم الأسباب التي تدفع العمالة المصرية للهجرة، وبخاصة الشباب، لشعورهم بأن البلد لم يتمتع بعد بالاستقرار السياسي والأمني، الذي يمكن معه أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية، وتتضاعف الاستثمارات القادرة على إيجاد فرص عمل تكفي من حيث العدد، وتعمل على الارتقاء باليد العاملة، أو توفر مناخا مناسبا لعلاقة عمل متوازنة، سواء من خلال الأجر العادل، أو بيئة العمل اللائق.

ولا تلوح في الأفق إرادة لإصلاح سياسي يستوعب حالة الاحتقان الحالية في مصر، والتي تبدت بعض مظاهرها في حراك 20 و26 سبتمبر/أيلول 2019، ولم تتوقف بعد أعمال العنف في سيناء، سواء باستهداف كمائن الشرطة، أو استهداف القوات الحكومية للمدنيين بالقتال هناك، وهو مناخ لا يبعث على الأمل لاستقرار اقتصادي واجتماعي.

إجراءات تقشفية
كما لا يخفى على أحد أن الإجراءات التي نفذتها مصر بعد الانقلاب -خاصة بعد توقيع اتفاقها مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2016- أدت إلى حالة من الركود الاقتصادي، وارتفاع أعباء المعيشة بشكل كبير. ونتج عن ذلك زيادة معدلات الفقر لتصل إلى 33% تقريبا، وهو وضع يدفع العمالة المصرية للبحث عن ظروف أفضل، على الأقل لتوفير مستلزمات الحياة الضرورية.

وكانت البشرى التي تسوقها الحكومة للمجتمع المصري أنها عازمة على إبرام اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي في أكتوبر/تشرين الأول الحالي، في وقت كان المجتمع ينتظر أن ينعتق الاقتصاد المصري من شروط صندوق النقد، ليرى ثمرة صبره على إجراءات اقتصادية صعبة امتدت لنحو ثلاث سنوات، وهو ما يعني أن هناك إجراءات تقشفية جديدة ستنفذها الحكومة تزيد من صعوبة الأوضاع الاقتصادية وتؤدي لمزيد من الهجرة للخارج.

وكان للمسار الذي اتخذته حكومة السيسي في توجيه الاستثمارات العامة، والتي أتى معظمها بالديون (الداخلية والخارجية) إلى مشروعات لا تؤدي إلى فرص عمل تتسم بالاستمرار أو القيمة المضافة ذات التأثير الإيجابي على حياة الأفراد أو الاقتصاد القومي، فتم الإنفاق ببذخ على مشروعات الطرق والكباري والعاصمة الإدارية الجديدة، والمشروعات العقارية، في حين أهملت تماما المشروعات الإنتاجية، وبخاصة في قطاعات الزراعة والصناعة.

من الصعب أن يحصل الشاب في مصر على عمل عقب انتهاء دراسته (رويترز)

غياب برامج حماية
خلاصة القول إن مصر تفتقد إستراتيجية للتعامل مع العمالة المهاجرة، فكثير ما يتعرض المهاجرون المصريون لأزمات لدواع سياسية واقتصادية خارجية، حيث يتحمل العاملون كافة الآثار السلبية سواء لطبيعة عقود العمل، وبيئته غير المناسبة، أو العودة الاضطرارية أو القسرية، دون وجود برامج حماية اجتماعية لهذه العمالة، أو تعويضها لتدبير فرص عمل بديلة في الداخل، أو إعادة تأهيل.

ويأتي هذا الإهمال في الوقت الذي تمثل فيه التحويلات المالية للمهاجرين المصرين أكبر مورد للنقد الأجنبي، حيث بلغت 26 مليار دولار عام 2017/2018، فضلا عن تحريكها لجزء لا يستهان به للنشاط الاقتصادي بمصر.

المصدر : الجزيرة