من مصر إلى لبنان.. ما علاقة الاحتجاجات بالاستدانة المفرطة؟

ديون لبنان تشكل 140% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (رويترز)
ديون لبنان تشكل 140% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد (رويترز)

قال تقرير في موقع بلومبيرغ إن الاعتماد الكبير لحكومات منطقة الشرق الأوسط على الاقتراض تسبب في تأجيج الشعور بالألم والغضب بين مواطنيها.

وبحسب مقال للكاتب عمرو عدلي في موقع بلومبيرغ، فإن المظاهرات التي تجوب شوارع لبنان تأتي في أعقاب الاحتجاجات ضد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية السائدة في العديد من دول الشرق الأوسط الأخرى، ولا سيما في العراق ومصر.

ويضيف الكاتب أنه على الرغم من أن الاحتجاجات تدور في سياقات سياسية واقتصادية وطنية مختلفة فإن المتظاهرين يتشاركون العديد من المظالم، مثل الفساد المتفشي وتدهور الخدمات العامة والمعاناة الناتجة عن برامج التقشف الحكومي، وارتفاع الضرائب غير المباشرة.

وأفاد الكاتب بأنه ينبغي على المستثمرين الأجانب الذين يتساءلون عن كيفية التعامل مع الاحتجاجات أن يطلعوا عن كثب على أعباء الدين العام التي تثقل كاهل هذه البلدان، فمنذ سنوات عدة إلى الآن مثّل الدين العام عامل جذب رئيسيا بالنسبة للمستثمرين في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 

ركود وفقر
بحسب الكاتب، شهد صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إما ركودا أو تراجعا، وأصبحت الحكومات في المنطقة -خاصة تلك التي لطالما عانت من إيرادات ضريبية منخفضة وعجز مستمر في ميزان المدفوعات- تعتمد بشكل كبير على الدين الخارجي والمحلي من أجل تحقيق الاستدامة المالية.

وتظهر مصر ولبنان كمثالين بارزين، ففي مصر وعلى الرغم من أن الاقتراض الأجنبي المكثف أدى إلى انتعاش اقتصادي فإن تدابير التقشف القاسية التي اتبعتها الحكومة في إطار اتفاق للحصول على مجموعة قروض من قبل صندوق النقد الدولي تسببت في ارتفاع مستويات الفقر وتراجع عام للقدرة الشرائية للمصريين من الطبقتين الوسطى والفقيرة، يقول الكاتب.

وأضاف الكاتب أن لبنان يعرف بتاريخه الحافل بالاعتماد على الديون نظرا لقدرة الدولة المحدودة على فرض الضرائب على القطاعات الإنتاجية، مما أجبر الاقتصاد على اللجوء إلى الديون والتحويلات المتأتية من الخارج.

ونتيجة لذلك -يؤكد الكاتب- يشكل الحصول على قروض أجنبية أمرا أساسيا بالنسبة لكلا الاقتصادين اللبناني والمصري.

وأوضح أن الحصول على قروض يعتمد على قدرة الدولة على تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي من خلال تخفيض النفقات وزيادة إيرادات الضرائب، أو في أغلب الأحيان فرض ضريبة القيمة المضافة وضرائب المبيعات.

وأشار الكاتب إلى أنه أضحى من الصعب الحفاظ على هذا الوضع لأسباب سياسية، وفي محاولة لمواجهة الاحتجاجات الشعبية قدمت حكومتا الدولتين بالفعل تنازلات، بما في ذلك التراجع عن خططهما لفرض المزيد من التقشف أو زيادة الضرائب أو كليهما معا.

فالنسبة لمصر، جمدت الحكومة تنفيذ المزيد من التخفيضات في دعم الوقود وخفضت أسعار الوقود، علاوة على إعادة الحكومة إدراج 1.8 مليون مواطن ضمن برنامج دعم الغذاء بعد إزالة أسمائهم قبل بضعة أشهر، وفق الكاتب.

أما في لبنان فقد ألغيت ما تعرف بـ"ضريبة الإنترنت" التي أشعلت فتيل الاحتجاجات الأخيرة، وأعلنت الحكومة عن تجميد الخطط التي تهدف إلى رفع ضرائب الاستهلاك.

ضرائب على الثروة
وأشار الكاتب إلى أن الدرس الذي يجدر بالحكومات الاستفادة منه يتمثل في أنه أصبح من الصعب معالجة المشاكل المالية باستخدام الوسائل التقليدية التي تقوم على كبح الإنفاق العام والزيادة في الضرائب غير المباشرة.

وبحسب الكاتب، فإن الاحتجاجات الحالية تثبت أن البلدان في منطقة الشرق الأوسط لا يمكنها الاستمرار في الاعتماد على الدين من أجل تحقيق النمو، بل إنها بحاجة إلى معالجة المشاكل المالية الهيكلية من خلال رفع نسب الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي.

وعلاوة على ذلك، ينبغي على هذه الدول زيادة الإيرادات -يقول الكاتب- من خلال فرض الضرائب المباشرة، خاصة الضرائب على الثروة نظرا لأنها أسهل في التسجيل والتحصيل ولا تؤثر سلبا على الاستثمار أو النمو أو التوظيف، فضلا عن كونها تحد من المضاربة وتحفز استخدام الأصول للاستثمار في الأنشطة الإنتاجية القادرة على خلق فرص عمل وتحقيق نمو حقيقي.

وذكر الكاتب أنه من شأن تخفيض الاعتماد على الدين العام أن يحرر رأس المال ويسمح له بالاستثمار في القطاع الخاص الإنتاجي، وهو ما يعتبر شكلا أفضل من أشكال إقراض البنوك للحكومات التي تسعى إلى تمويل النفقات.

ويستحسن استخدام هذه الموارد في القطاعات القابلة للتداول على غرار التصنيع والزراعة والخدمات التي تتطلب يدا عاملة ذات مهارة عالية، إذ إنها لن تؤدي إلى خلق فرص العمل فحسب، بل تحسين أوضاع ميزان المدفوعات في هذه الاقتصادات، وفق تقرير بلومبيرغ.

وأوضح الكاتب أنه على المدى الطويل سيقلل ذلك الاعتماد المفرط للحكومات على الدين الخارجي للحفاظ على تماسك اقتصاداتها.

وقال إنه من المرجح ألا تلقى هذه الأفكار استحسانا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيما أن الشوارع تستشيط غضبا، وفي المقابل ينبغي أن يأخذ صناع القرار هذه الحلول بعين الاعتبار.

يشار إلى أن لبنان يعد أحد أكثر دول العالم مديونية، حيث تصل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 140% وبقيمة تشير بعض المعطيات إلى أنها تفوق 79 مليار دولار، أما مصر فإن مديونيتها الخارجية تفوق 93 مليار دولار.

المصدر : بلومبيرغ,رويترز