لوموند: الجيش المصري أخلّ بتوازن الاقتصاد

مواطنون أمام سيارة لبيع منتجات الجيش المصري (مواقع التواصل)
مواطنون أمام سيارة لبيع منتجات الجيش المصري (مواقع التواصل)

قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن الجيش المصري أحكم على العديد من القطاعات الاقتصادية منذ تولّي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي السلطة، مما تسبب في اختلال توازن الاقتصاد برمته، ودفع رجال الأعمال إلى الخروج عن صمتهم.

وأكدت الصحيفة -في تقرير للكاتبة هيلين سالون- أن السيسي والجيش لم يبديا تسامحا تجاه أي انتقادات لحقيقة ممارستهما السلطة دون تقاسمها، ومع ذلك تنتشر الادعاءات داخل أوساط الأعمال التجارية المصرية والأجنبية ضد الجيش، بصفته طرفا فاعلا يفرض منافسة غير عادلة، ويتغاضى عن المخاطر التي تواجهها بعض المشاريع.

ولا زالت العديد من القطاعات تخضع لسيطرة الجيش الآخذة في التزايد، بما في ذلك المياه المعدنية والأجهزة المنزلية ومحطات البنزين واللوحات الإعلانية ومصانع الإسمنت والأدوية والمنتجعات والمدارس الدولية.

وأشارت الكاتبة إلى أنه رغم تدخل المؤسسة العسكرية في الاقتصاد، فلا يعد حديثا، إلا أن السيسي يواصل الاندفاع والمضي قدما في هذه المسألة، حيث اكتسب الجيش في عهده ثقلا أكبر مقارنة بعهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث حرص السيسي على تقديم الجيش على أنه المؤسسة الأجدر بالثقة؛ نظرا لأنها الأكثر فاعلية والأقل تكلفة وفسادا.

ومنح الرئيس المصري ثقته للمؤسسة العسكرية، وكلفها بالمشاريع الضخمة التي أطلقها بهدف تحقيق استقرار مصر وإرساء شرعيتها، مثل تجديد الطرق، ومضاعفة أرباح قناة السويس، وإنشاء عاصمة إدارية جديدة ومدن جديدة، وغيرها.

احتضار مشروع
وقال التقرير إن القرّاء المصريين تفاجؤوا في الخامس من سبتمبر/أيلول 2018 بالهجوم الذي شنته جريدة "الوفد" المصرية ضد الجيش، عندما وجّه رجل الأعمال المصري محمد علي سرحان - عبرها- الحديث للسيسي قائلا "مشروع مستقبل مصر يحتضر"، داعيا إياه لإيجاد حل للانتكاسات التي تعرض لها الأربعون مستثمرا الذين شاركوا في هذا المشروع، علما أنه مدعوم من قبل رئيس الدولة نفسه ويخضع لإشراف القوات الجوية المصرية.

وأفادت الكاتبة بأنه وفقًا لاتفاقية وُقعت في مطلع عام 2018 حُوّلت مئة ألف هكتار من الصحراء شمال القاهرة إلى أراض زراعية في غضون ستة أشهر فقط، وقطع السيسي وعدا بمد المستثمرين بالعقود في اللحظة الأخيرة، أي خلال حفل التدشين الذي سيشرف عليه شخصيا، والذي كان من المقرر أن يُنظّم أواخر يونيو/حزيران 2018.

وأضافت الكاتبة أن هذا القرار لم يُثر قلق المستثمرين نظرا لأن هذه الممارسة كانت شائعة في البلاد، كما أن القوات الجوية تعهّدت بأن هذه الأراضي ستكون على ذمة المستثمرين لمدة 49 عاما قابلة للتجديد، وبناء على ذلك لم يتردد هؤلاء في دفع أموال طائلة ناهزت 150 مليون جنيه مصري (ما يعادل 8.3 ملايين يورو)، مخصصة لشبكة الطاقة الكهربائية، ومبلغ تسعة ملايين جنيه لكل ألف فدان.

في بداية الأمر، سار التعاون بين المستثمرين ولجنة المراقبة التابعة للقوات الجوية على ما يرام، وقبل أسابيع قليلة من الافتتاح اختفى فريق اللجنة واكتشف المستثمرون في وقت لاحق أنه جرى تخفيض رتبة قائد سلاح الجو يونس المصري إلى وزير الطيران المدني، وأن أعضاء اللجنة الآخرين تعرضوا للاعتقال.

ونقلت الكاتبة عن مصدر مطلع على القضية قوله إن "ضباط الفريق الجديد أفادوا بأن أسلافهم كانوا فاسدين، وألقوا اللوم على المستثمرين لأنهم بدؤوا مشروعا بهذا الحجم دون توقيع عقد".

من جهته، قال محمد علي سرحان "لقد أصبنا بالصدمة حين علمنا أن عقودنا ستمكننا من تسهيلات لمدة خمس سنوات فقط، نحتاج إلى 15 سنة على الأقل"، ورغم مرور عام تعذّر التوصل إلى حل توافقي، كما يذكر التقرير.

سيطرة تامة
وذكرت الكاتبة أنه من جهة أخرى، فإن الجيش يستفيد من الأرباح المتأتية من وجود ضباطه المتقاعدين على رأس الشركات العمومية، ومن سيطرته على الأراضي العامة، التي تمثل 94% من مساحة البلاد.

علاوة على ذلك، تتمتع وزارة الدفاع بحق الرقابة على تخصيص هذه الأراضي للاستخدام المدني، وتسيطر على أكبر المناطق الإستراتيجية، بما في ذلك المناطق الحدودية والساحل وسيناء وقناة السويس، حيث تتركز أغلب الاستثمارات.

ونوّهت الكاتبة إلى أن الشركات الخاصة العملاقة تشتكي من وقوعها ضحية للرئيس السيسي من خلال تبديد أموال طائلة في استثمارات فاشلة، وتعد الشركات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات التابعة للقطاع غير الرسمي الأكثر عرضة للخطر"، مشيرة إلى أن هذه الشركات تحتج على الاضطرار إلى تخفيض هوامش الربح من أجل إطلاق مشاريع منخفضة التكلفة.

وحيال هذا الشأن، قال الباحث الرئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت يزيد صايغ "يرغب الجيش في الحفاظ على هوامش الربح، ويمكن أن يجبر الشركات على قبول الخسائر، وفي حال رفضت، فإنها تدرك أنها لن تحصل على عقود بعد الآن".

احتكارات
وتطرقت الكاتبة إلى أن المؤسسة العسكرية دخلت قطاعات جديدة عقب العجز المتعلق بأزمة الدولار وانخفاض قيمة الجنيه المصري في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، ومن خلال الإشارة إلى الوضع الملح وخطر حدوث اضطرابات اجتماعية، تدخل الجيش لاستيراد المنتجات الضرورية منخفضة التكلفة.

إثر ذلك، انتقلت المؤسسة العسكرية من الاستيراد إلى الإنتاج في قطاعات متنوعة، وصرح مستورد (رفض الإفصاح عن اسمه) بأن "الجيش يقوم بكل الأنشطة من مزارع تربية الأسماك والفواكه والخضراوات واللحوم والزراعة وحتى الطباعة، وقد يتعين علينا سؤال الجيش عمّا لم يفعله بعد حتى نتمكن نحن من فعله؟"

ووفقًا لبحث أجرته وكالة رويترز بتاريخ مايو/أيار 2018، فمن المتوقع أن تصل إيرادات نحو عشرين شركة -ترأسها وزارة الإنتاج الحربي، وهي إحدى المؤسسات الثلاث التي تشرف على الشركات العسكرية مع وزارة الدفاع والهيئة العربية للتصنيع- إلى 15 مليار جنيه مصري في عام 2018-2019، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في 2013-2014.

ويأسف رجال الأعمال المصريون والأجانب للمنافسة غير العادلة التي تسببها المزايا الهائلة التي يتمتع بها الجيش، فهو لا يدفع ضرائب على الدخل والمبيعات والواردات من المواد الأولية والمنتجات والمعدات والخدمات، وما زال الجيش يستفيد من دعم الطاقة رغم التخلص التدريجي منه منذ عام 2016.

وأعفى مرسوم رئاسي يعود إلى عام 2015 ما يقرب من ستمئة عقار تابع للجيش من الضرائب المفروضة على الممتلكات، ووفقًا لمنظمات غير حكومية دولية، فإن المجندين يُستخدمون في بعض الأحيان كيد عاملة زهيدة في "الأشغال الشاقة".

المصدر : لوموند