بين رفض الحراك ودعم الخبراء.. قانون المحروقات يصنع الجدل بالجزائر

في الجزائر صادق مجلس الوزراء على مشروع قانون جديد لاستقطاب الشركات النفطية بعد تراجع الإنتاج (الجزيرة)
في الجزائر صادق مجلس الوزراء على مشروع قانون جديد لاستقطاب الشركات النفطية بعد تراجع الإنتاج (الجزيرة)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

صادق مجلس الوزراء الجزائري الأحد الماضي على مشروع قانون جديد للمحروقات في ظل تراجع إنتاج البلاد النفطي منذ 2007.

وأقر المشروع تعديلات تحفيزية لاستقطاب الشركاء الدوليين، تتعلق بالإعفاء الضريبي والجمركي وتمديد آجال رخص الاستكشاف مع مزايا أخرى كثيرة، مقابل التمسك بقاعدة 49/51، وكذلك تثبيت حق الشفعة للدولة الجزائرية في حال تخلّي الأطراف الأجنبية عن أصولها.

وكشف وزير الطاقة محمد عرقاب قبيل المصادقة الوزارية على المشروع أنه "تم الحديث مع الشركات الكبرى المصنفة في المراتب الخمسة الأولى في العالم بشأن الخلل الموجود في القانون المعمول به"، وهو ما أثار حفيظة الرأي العام بشأن ضغوط ربما مارستها الجهات الأجنبية على الحكومة.

غير أن الوزير أجاب بأن "القانون يمثل ثمرة خبرات وطنية مئة بالمئة وليس هناك أي تخوف على الاقتصاد الوطني، وقد راعى حماية السيادة الوطنية".

ودخل قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح على الخطّ واصفًا قانون المحروقات بأنه إضافة حقيقية من شأنها إنعاش الاقتصاد الوطني وإعطاء نفس جديد للاستثمار.

ولم يفلح ذلك في احتواء الشارع، حيث انتقلت القضية سريعًا إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ليطغى رفض القانون على شعارات الجمعة 34 من الحراك، وجعلت الشخصيات المترشحة للرئاسيات من القانون مادة انتخابية دسمة، كما شهد مقر البرلمان هذه الأيام وقفات احتجاجية للمتظاهرين.

صلاحيات رئيس منتخب
قال المرشح الرئاسي علي بن فليس "لا أتصور إطلاقا فتح ملف المحروقات من دون حوار شامل واستشارات واسعة مع كل الفعاليات المكونة للشعب الجزائري".

ودعا المنافس الآخر عز الدين ميهوبي إلى التريث في تطبيق القانون باعتبار المحروقات المصدر الأساسي للاقتصاد الوطني، ومن الواجب ترك الأمر لرئيس الجمهورية المنتخب.

وطالب المرشح الإسلامي عبد القادر بن قرينة بسحب فوريّ للقانون، مشددا على أن "أي مساس بالمنظومة القانونية يعدّ تلاعبا ومصادرة لحق رئيس منتخب قريبًا، وتصرفًا نيابة عن الشعب من دون تفويض منه".

بن قرينة: يجب سحب القانون فورا لأنه تصرف دون تفويض شعبي (الجزيرة)

حكومة لا شرعية
على النسق نفسه توافقت تغريدات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كتب المؤرخ حسين بوبيدي "الحكومة لا شرعية لها لتثبت أو تناقش أو تصادق على قانون يرتبط بمستقبل الجزائر وخبز أولادها".

وعلّق المحلل السياسي محمد جمعة "لست خبيرا حتى أقول إن قانون المحروقات سيئ أو جيد، لكن بوصفي مواطنا أقول إن هذه الحكومة المنبوذة ليست أهلا لسنّ مثل هذه القوانين".

وغرّد الكاتب نجيب بلحيمر بالقول "الذين يستكثرون على الجزائريين حق اتخاذ موقف من مشروع قانون المحروقات بحجة أنه تقني ومن اختصاص الخبراء، لا يقولون إن هناك خبراء برّروا كل خيارات بوتفليقة على مدار عقدين".

لا مجال للتنازل
أكد الخبير الدولي في الطاقة بوزيان مهْماه أن مشروع القانون يستهدف قطاع الطاقة الجزائري بالدرجة الأولى قبل أن يختص بتوضيح أطر التعاقدات مع الأجانب.

وقال إنّ شركة سوناطراك الوطنية تتكفل حاليا بمفردها بإنتاج 85% من الغاز الجزائري، و15% المتبقية تنتجها بالشراكة مع الأجانب، كما تتكفل لوحدها بإنتاج 75% من إنتاج النفط الجزائري، و25% المتبقية تنتجها بالشراكة، ويمكنها أن تنتج ما نسبته 90% في إطار هذه الشركات مع الأجانب، لذلك من المنطقي أن يأتي القانون ليستهدف تثمين نشاط القدرات الوطنية قبل تعزيز الشراكة مع الأجانب.

وأضاف للجزيرة نت أن شركة سوناطراك تجد نفسها غير قادرة بمفردها على تحقيق الجدوى الاقتصادية للمكامن الصغيرة والمتوسطة (وصلت إلى 150 مكمنا) بسبب الجباية البترولية التي تخضع لها، والتي تبلغ 85%، بما لا يسمح لها باستغلالها.

ومن هذا المنظور الجزائري المحض جاء مشروع القانون الجديد -يقول بوزيان- بإجراءات إيجابية عدة، منها على الخصوص خفض المحصلة الضريبية للمحروقات لتكون في مستوى المتوسط العالمي المعمول به (60%-65%)، مع إعفاء الشريك الأجنبي من جميع التعاملات الإدارية، إضافة إلى تنويع أشكال التعاقد معه في المنبع.

وأمام هذا الوضوح التقني في التعاقدات، يشدّد بوزيان على أنه لا مجال للحديث عن تنازلات لصالح الأجانب، خاصة مع المزاوجة بين مبدءين أساسيين يتعلقان بقاعدة 49/51، مع تعميم مبدأ الامتياز على جميع أنماط التعاقدات.

تير: إعطاء صلاحيات السلطة العامة لسوناطراك أمر يسير عكس التيار (الجزيرة)

فجوات لصالح الأجانب
على خلاف زميله، اعتبر الخبير رضا تير أنّ مشروع القانون تضمن إجراءات تحدّ من الدور التنظيمي للدولة في ميدان المحروقات، موضحا أنه تضمن فجوات كبرى بالإمكان تفسيرها لصالح المتدخل الأجنبي بسهولة.

وذكّر بهذا الصدد للجزيرة نت بتنازل سوناطراك عن حصتها في مشروع معيّن دون الرجوع إلى الدولة، كما أن الإتاوات أصبحت لنظام التصريح بدل تحديد قيمتها من قبل وكالة التثمين، إضافة إلى عدم تحديد حالات لجوء سوناطراك للتراضي البسيط ولأسلوب المناقصة المبني على المنافسة وإجراءات مراقبة سلامة هذه الشراكات من قبل وكالة التثمين، بحكم أن تدخلها في المستقبل شكلي لا أكثر.

وأشار إلى أن مشروع القانون لم يحدد معالم عقود الامتياز التي تعتبر خطيرة إن لم تكن مضبوطة على المستوى القانوني.

وقال إنّ اتجاه المشروع نحو إعطاء صلاحيات السلطة العامة لسوناطراك أمر يسير عكس التيار، إذ يفترض أن تكون السوق تنافسية، مما سيجعل سوناطراك في وضعية احتكارية لا تسمح بتقليص التكلفة وتحسين الإنتاج والنوعية وتقليص آجال الاستثمار.

وختم بأنّ هناك عوامل أخرى تشكل عوائق للاستثمار الأجنبي في قطاع النفط والغاز ولا علاقة لها بقانون المحروقات، وترتبط أساسا بالبيروقراطية الإدارية وعدم فعالية ومرونة سوق العمل، مع صعوبة الإجراءات الضريبية والجمركية، وكذا تعقيد سيرورة تحويل رساميل الأرباح.

المصدر : الجزيرة