أزمة وقود خانقة تحاصر اليمنيين مجددا.. من يقف وراءها؟

الوقود متوفر في محطات محدودة بصنعاء وتفتتح لساعتين أو ثلاث في الأسبوع (الجزيرة)
الوقود متوفر في محطات محدودة بصنعاء وتفتتح لساعتين أو ثلاث في الأسبوع (الجزيرة)

محمد عبد الملك-الجزيرة نت

لأكثر من 17 ساعة، ظل المواطن اليمني أحمد عبد الله واقفا بسيارته ضمن طابور طويل في إحدى محطات الوقود وسط العاصمة صنعاء التي تتفاقم فيها أزمة انعدام المشتقات النفطية -ومعها بعض المدن اليمنية الأخرى- على نحو متصاعد منذ أكثر من أربعة أسابيع.

ليس أحمد وحده الذي تضرر من هذه الأزمة وانقطع عن عمله (سائق شاحنة تجارية)، ولكن الأمر أصبح يهدد جميع القطاعات بشلل كلي، لا سيما القطاع الصناعي والزراعي وكذلك مخازن الأدوية والمستشفيات والمحلات التجارية والمعامل والمخابز التي توقفت أغلبها وأصبح الكثير من العاملين فيها عاطلين عن العمل.

تفاقم المعاناة
ووفق إحصائيات يمنية صادرة عن الغرفة التجارية التابعة للحوثيين في صنعاء، فإن أكثر من 350 مصنعا توقفت عن العمل بسبب الأزمة، كما فقد أكثر من 980 ألف عامل مصادر أرزاقهم.

ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد وفقا لمسؤول بالغرفة التجارية تحدث للجزيرة نت، ولكنها تجاوزته إلى ما هو أبعد وانعكست على حياة المواطنين، خاصة مرضى الفشل الكلوي الذين يحتاجون إلى عمليات الغسيل بشكل متواصل، وهو الأمر ذاته الذي دفع وزارة الصحة في صنعاء للقول بأن هناك أكثر من 500 مستشفى ووحدة صحية مهددة بالتوقف بسبب أزمة المشتقات.

وبدأ بعض أصحاب مولدات الطاقة في صنعاء برفع أسعار الكهرباء للمستهلكين لذات الأسباب، ووفق حديث مسؤول في جمعية حماية المستهلك اليمنية للجزيرة نت فقد وصل سعر الكيلوواط الواحد إلى 400 ريال يمني، وهو مبلغ تعجيزي بالنسبة لأصحاب المعامل والمخابز التي لا تزال فاتحة أبوابها أمام المستهلكين، أو حتى بالنسبة لمخازن الأدوية والأغذية التي تحتاج عمليات حفظها إلى التبريد المستمر.

المزارعون أيضا هم الشريحة الأكثر تضررا نتيجة انعدام المشتقات النفطية، حيث أصبح الكثير منهم يجدون صعوبة بالغة في نقل بضائعهم أو حتى ري محاصيلهم الزراعية بعد توقف المضخات، وقد نتج عن هذه الأزمة ارتفاع كبير في أسعار الخضروات والفواكه.

وتتهم شركة النفط اليمنية التابعة للحوثيين التحالف السعودي الإماراتي باحتجاز سفن المشتقات النفطية ومنعها من دخول ميناء الحديدة. كما أفادت في بيان نشرته وكالة "سبأ" التابعة للحوثيين بأن هذه الممارسات نوع جديد من الحصار على المواطنين.

وأطلقت سلطات الحوثيين مناشدة عاجلة للأمم المتحدة بالنظر إلى مثل هذه القضايا بعين الحياد وعدم جر الاقتصاد اليمني وحياة الناس إلى أي تداعيات سياسية، مطالبة في الوقت ذاته بالإسراع في فتح الموانئ والمطارات ورفع الحصار عن سفن المشتقات النفطية والسماح بدخولها.

في المقابل أعلنت الحكومة اليمنية الشرعية أنها وافقت على السماح بدخول عشر سفن محملة بالمشتقات النفطية قالت إن جماعة الحوثي تسببت في عرقلة دخولها ميناء الحديدة، وفق ما أوردته وكالة "سبأ.نت".

سائق دراجة نارية بعد حصوله على قارورة من البنزين (الجزيرة)

أسباب وتداعيات
ويرجع الباحث الاقتصادي اليمني حسام السعيدي السبب الرئيسي لأزمة المشتقات النفطية إلى تعنت جماعة الحوثي على حساب مصالح المواطنين، إذ ترفض الجماعة التخلي عن أهم مواردها المتمثل في تجارة المشتقات النفطية التي يسيطر عليها قادة حوثيون، وتحاول الاستيراد للحصول على شحنات نفط إيرانية.

ويضيف السعيدي في حديثه للجزيرة نت أن من الأسباب أيضا فشل القرارات التي اتخذتها الحكومة الشرعية فيما يتعلق باحتكار استيراد النفط، ووجود ازدواج بين الجهات المختصة الحكومية واللجنة الاقتصادية، وكذلك عدم قدرة الحكومة على التدخل الفعلي على الأرض في الكثير من المناطق المحررة، فضلا عن الأوضاع الأمنية الأخيرة في جنوبي البلاد.

ولكن الباحث الاقتصادي عبد الواحد العوبلي يرجع الأسباب الفعلية في حدوث هذه الأزمة أيضا إلى مشكلة تصاريح رسو سفن النفط في الحديدة وأي ميناء من موانئ اليمن، الذي لا يتم إلا بموافقة موقعة ومختومة من مكتب الرئاسة، حيث ترسل التصاريخ بعد ذلك إلى قيادة التحالف للسماح للسفن بالرسو في الموانئ.

ويزعم العوبلي أن أغلب من يسيطر على مكتب الرئاسة منذ بداية الحرب في اليمن يتسلمون عمولاتهم من مبيعات وإيرادات النفط أولا بأول، وبينهم تنسيق وتواصل مستمر مع الحوثيين. 

 ظهور السوق السوداء تزامن مع تفاقم أزمة الوقود في البلاد (الجزيرة)

ويفيد العوبلي بأن ما يجب على الحكومة فعله بدلا من زيادة معاناة المواطنين بحجة تحصيل رسوم لا تتجاوز بضع عشرات من الملايين في أحسن الأحوال، هو أن تكثف جهودها نحو استعادة سيادتها من التحالف السعودي الإماراتي، وإعادة تشغيل حقول النفط المتوقفة، واستئناف تصدير النفط والغاز والمسال، ووقف النهب والتهريب المستمر للنفط الخام.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الآثار الكارثية لهذه الأزمة ستنعكس على الأوضاع الإنسانية التي تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في التاريخ وقد تساهم في ارتفاع معدل التضخم الاقتصادي وزيادة الكلفة المعيشية، إلى جانب تعطيل الكثير من المشاريع اليومية والأعمال الحرة، وكذلك خلق شلل شبه كامل في معظم الأنشطة الاقتصادية المتبقية.

وكما هي العادة، وبالتزامن مع أزمة المشتقات، فانتشرت الأسواق السوداء في صنعاء حيث انتهز بعض النافذين والتجار الفرصة للمتاجرة وبيع ما لديهم من مشتقات نفطية مخزنة، وقد وصل سعر الـ20 لترا من البنزين إلى أكثر من 30 دولارا.

المصدر : الجزيرة