هل ستنجح الحكومة "المقلصة" بالمغرب في تحقيق التنمية؟

الهيكلة الجديدة للحكومة ستسهم في توضيح أكبر للمهمات وتحديد الاختصاصات (الصحافة المغربية)
الهيكلة الجديدة للحكومة ستسهم في توضيح أكبر للمهمات وتحديد الاختصاصات (الصحافة المغربية)

مريم التايدي-الرباط

"الحكومة مطالبة بوضع مخططات مضبوطة، تضمن التحضير الجيد، والتنفيذ الدقيق، والتتبع المستمر، لمختلف القرارات والمشاريع، سواء على المستوى الوطني، أو الجهوي أو المحلي"، هذا ما ورد في خطاب الملك المغربي محمد السادس (الجمعة 11 أكتوبر/تشرين الأول الجاري) الموجه للحكومة المعدلة والبرلمان.
 
وتميزت خطابات الملك محمد السادس الأخيرة بتكرار الدعوة للعمل الجاد من أجل الحد من الفوارق الاجتماعية، والعمل على الاستجابة لحاجات الجهات والفئات الاجتماعية المختلفة، عبر تغيير النموذج التنموي، وانخراط المؤسسات بما فيها الحكومة والبرلمان والقطاع الخاص في إعداد وتنفيذ مشاريع ذات مردودية في الواقع.
 
فهل تنجح الحكومة المصغرة المعلن عنها أخيرا بالمغرب في حلحلة المشهد الاجتماعي والسير بالنموذج التنموي نحو المسار الصحيح؟
 
هيكلة حكومية جديدة
رغم تفاوت ردود الفعل بخصوص التعديل الوزاري الأخير بالمغرب، فإن تقليص عدد أعضاء الحكومة من 39 وزيرا إلى 23، حظي بالإشادة، فهل تحقق الحكومة المصغرة ما عجزت عنه الحكومات السابقة وتجيب عن حاجات الشعب وتوصيات الملك؟
 
يقول المحلل الاقتصادي المهدي فقير في تصريح للجزيرة نت، إن الهيكلة الجديدة للحكومة تسهم في توضيح أكبر للمهام وتحديد الاختصاصات، وهو ما سيسهم -بحسبه- في التوازن بين السلطات والحد من انعدام النجاعة وغياب الالتقائية "تعدد المتدخلين ودون تنسيق أو تكامل".
 
ونعت فقير إعادة الهيكلية الحكومية بـ "المسألة الصحية"، وخلص لكون إعادة الهيكلة قادرة على حلحلة المشهد السياسي التنموي بالمغرب.
 
من جهته، اعتبر الخبير بالمعهد المغربي لتحليل السياسات رشيد آوراز، أن تقليص المناصب "جيد ومطلوب"، واصفا إياه بأنه "تقشف مالي وإداري"، مقللا من تأثيره الجوهري على التنمية الاقتصادية، حيث قال إن سؤال التنمية سؤال هيكلي وبعيد المدى.
 
أما الخبير الاقتصادي عبد النبي أبو العرب فيرى أن هذه الحكومة تعبر عن تطور مفصلي ومهم في التطور المؤسساتي والهيكلي بالمغرب، واعتبر أن حكومة مقلصة بكفاءات عالية ستكون ذات قدرة على الاستجابة للتحديات والنجاح في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
خطابات الملك محمد السادس تميزت بتكرار الدعوة للعمل على الحد من الفوارق الاجتماعية (الصحافة المغربية)

تحديات كبرى
بحسب المحللين الاقتصاديين والسياسيين، لم يحقق المغرب القفزة النوعية المنتظرة، وبقي مستوى النمو ضعيفا، ووتيرة خلق فرص العمل دون المستوى، ولا تستجيب للمتطلبات، كما بقيت تنافسية المغرب 2019 ثابتة تقريبا، (بحسب تقرير التنافسية العالمية 2019 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إذ جاء المغرب في الرتبة 75 عالميا من أصل 141 دولة).

وهناك ما يشبه الإجماع بالمغرب لوجود حالة مستعجلة للقيام بالإصلاحات، خصوصا مع تواتر الاحتجاجات، ووجود أطراف عديدة تعيش الهشاشة "تعاني أوضاعا اقتصادية صعبة"، وتوالي مجموعة من الوقائع الدالة عن احتقان اجتماعي، وجو الإحباط والانتظار.

يؤكد أبو العرب أن هناك رغبة قوية من أعلى هرم في الدولة للمرور للسرعة القصوى لطي التعاطي مع العقبات الهيكلية والإشكالات البنيوية التي تقف حجر عثرة أمام المؤسسات في التنمية، ويضيف أن هناك قناعة ووعيا كبيرين لدى الدولة بضرورة القيام بالإصلاحات الاجتماعية والسياسية الضرورية.

ولعل أهم تحد أمام الحكومة "الجديدة القديمة" بالمغرب هو تنزيل (أي تفعيل) النموذج التنموي الجديد والسير بالبلد نحو مسار تنموي محترم، يليق بتطلعات أبنائه، وينتظر أن يعلن قريبا عن تشكيلة اللجنة المختصة التي ستعكف على صياغة نموذج تنموي جديد يتجاوز أخطاء الماضي ويدشن لمرحلة جديدة.

في هذا السياق، يقول المهدي فقير إن الحكومة ستضبط برنامجها الحكومي ومهامها وفقا للنموذج التنموي المعتمد، ويرى أن الحكومة مطالبة اليوم بالاعتكاف على الأمور المتعلقة بالإقلاع الاقتصادي وإعادة الثقة.

في الاتجاه نفسه، يذهب رشيد أوراز إلى أن تحفيز الاستثمار الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية، يحتاج إلى بناء الثقة وتعميق الإصلاحات الديمقراطية وتمتين المؤسسات السياسية والاقتصادية للبلاد وتعميق التحرير الاقتصادي ومحاصرة الاقتصاد الريعي ومحاربة الفساد.

الملك محمد السادس يستقبل رئيس الحكومة بشأن التعديل الوزاري (الصحافة المغربية)

أولويات المرحلة
قال الملك في خطاب افتتاح الدورة التشريعية (11 أكتوبر/تشرين الأول الجاري) إن المرحلة الجديدة تبدأ من الآن، وتتطلب انخراط الجميع، بمزيد من الثقة والتعاون، والوحدة والتعبئة واليقظة، بعيدا عن الصراعات الفارغة، وتضييع الوقت والطاقات.

وأضاف "يأتي في صدارة أولوياتنا تنزيل (تفعيل) الإصلاحات ومتابعة القرارات وتنفيذ المشاريع، وهي من اختصاص الجهازين التنفيذي والتشريعي بالدرجة الأولى، لكنها أيضا مسؤولية القطاع الخاص ولا سيما فيما يتعلق بالتمويل، فضلا عن الدور المهم لهيئات المجتمع المدني الجادة".

وكان رئيس الحكومة سعد الدين العثماني قد صرح بأن أولويات حكومته خلال المرحلة المقبلة تتركز على دعم التعليم وقطاع الصحة والاهتمام بالفئات الفقيرة والمهمشة في المجتمع.

يقول أبو العرب إن الحكومة وحدها لن تقوم بشيء ولا بد من نخبة إدارية ذات كفاءات عالية تتحمل المسؤولية بنفَس جديد وتكون حريصة على التنفيذ، والرهان اليوم هو الحد من الفوارق، ويؤكد أن الأولوية هي "العمل ولا شيء إلا العمل".

ويرى رشيد أوراز أن أمام هذه الحكومة سنة ونصف السنة عمليا للإنجاز، لكنها استمرار للحكومة السابقة، وهو ما يجعل هامشها في العمل ضيقا جدا زمنيا.

فهل ينجح كل من الحكومة والبرلمان والقطاع الخاص في وضع المغرب على طريق التنمية المنشودة، عبر القضاء على البطالة، والارتقاء بالصحة والتعليم؟

المصدر : الجزيرة