اتفاقيات غامضة لإنعاش الجنيه.. خطة الحكومة السودانية لاحتواء الاحتجاجات

اتفاقيات غامضة لإنعاش الجنيه.. خطة الحكومة السودانية لاحتواء الاحتجاجات

رئيس مجلس الوزراء معتز موسى أعلن عن اتفاقيات -غير معلومة التفاصيل- ستنعش الجنيه (الجزيرة)
رئيس مجلس الوزراء معتز موسى أعلن عن اتفاقيات -غير معلومة التفاصيل- ستنعش الجنيه (الجزيرة)

أحمد فضل-الخرطوم

لا أحد يعلم تفاصيل الاتفاقيات التي أعلن رئيس مجلس الوزراء وزير المالية السوداني معتز موسى -في لقائه بالصحفيين هذا الأسبوع- أنها ستنعش الجنيه، لكن مهما علا التفاؤل فإن التحدي يبقى في إعادة الاحتجاجات من دائرة السياسة إلى الاقتصاد.

ولا يزال تصريح موسى بشأن اتفاقيات تؤدي لانخفاض سعر الدولار بصورة كبيرة لغزا مبهما، وكذلك نصحه التجار بأن يتخلصوا من الدولار قبل الاثنين الماضي، رغم تغريدة للمغرد السعودي "مجتهد" تحدثت عن دعم سعودي إماراتي للسودان.

كما تتبدى الثقة الحكومية أيضا في تأكيد وزير النقل والتنمية العمرانية حاتم السر -في حشد الساحة الخضراء بالخرطوم تأييدا للرئيس عمر البشير- أن الحكومة قد تجاوزت أزماتها الاقتصادية، وألا صفوف بعد اليوم إلا صفوف الصلاة.

لكن يظل الواقع -على الأقل حتى الآن- غير ذلك، فالجنيه ما زال مترنحا والاتفاقيات لم يعلن عنها بعد، وأزمات السودان منذ العام الماضي في تفاقم، من تراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع التضخم بمعدلات قياسية، وعودة طوابير الوقود والخبز ولأول مرة طوابير الحصول على النقود.

الاحتجاجات في مدن السودان وصلت إلى درجة مطالبة البشير بالرحيل (مواقع التواصل)

محطة الأحلام
"أحلام لا يسندها واقع"، هذا هو ما وصف به رئيس شعبة الري في اللجنة الزراعية بالبرلمان محمود عبد الجبار -في حديث للجزيرة نت- البشارات التي أطلقها معتز موسى، فما هي إلا "مسكنات تزيل الألم مؤقتا ليعود أكثر ضراوة".

ويؤكد عبد الجبار -وهو رئيس حزب اتحاد قوى الأمة ومرشح سابق للرئاسة- أن المعالجة تكمن في تغيير النمط والنظام السائدين في الدولة، وأن الشكل الحالي للدولة لا يسمح بخطوات جادة لحلحلة الأزمة الاقتصادية وخفض سعر الدولار.

ويضيف أن رفع قيمة الجنيه يتطلب زيادة الإنتاج وتقليل تكلفته، وهو ما لا يتأتى بـ"اتفاقات مجهولة" ولكن بـ"سياسات معلومة" حتى يكون المنتج قادرا على المنافسة مع توفر الجودة، قائلا "حاليا كل ما هناك مجموعة سياسية مسيطرة على الصادرات والإنتاج ومدخلات الإنتاج".

وليس غريبا على السودانيين أن يكون الدولار والعملات الصعبة سلعة تباع وتشترى، لكن الصدمة تملكتهم وهم يرون أن الجنيه -على سقمه- تحول أيضا إلى سلعة في السوق السوداء، بعد أن منعت البنوك الناس مدخراتهم وخلت آلات الصرف من النقد.

مبادرات
وكجزء من الانفتاح الذي يبديه رئيس الوزراء لرفد وزارته المثخنة بالجراح بالأفكار، يعمد إلى لقاء أول كل خميس من كل شهر بمجموعة مكونة من رجال أعمال ومختصين، أطلقت على نفسها "المبادرة السودانية لدعم الحلول الاقتصادية"، والتقت به حتى الآن ثلاث مرات.

العضو المؤسس في المبادرة سهام الشريف تقول للجزيرة نت إن رئيس مجلس الوزراء منذ أن تقلد مهامه أعلن رفض الهبات والودائع، ورفع "الاعتماد على الذات" شعارا، وهو ما دفع المجموعة لاقتراح حلول عملية للأزمات الاقتصادية.

وتقول سهام إن موسى يبدى حماسة كبيرة وإصرارا على التقيد باللقاء الشهري مع المبادرة التي تضم حاليا نحو مئتي عضو، وهي على ثقة بأنه قد يتبنى بالفعل الكثير من الأفكار والحلول التي طرحتها، مستشهدة بتغريداته على تويتر وما أدلى به عند لقائه الصحفيين هذا الأسبوع.

سهام الشريف: رئيس الوزراء منذ تقلده مهامه رفع شعار "الاعتماد على الذات" (الجزيرة)

وتدلل سهام على جدية رئيس مجلس الوزراء في التعاطي مع القضايا المطروحة باللقاء الذي نظمته المبادرة معه بحضور غرفة المصدّرين لنقاش مشكلات التصدير، مثل الجبايات والبيروقراطية والعقبات في موانئ التصدير، مشيرة إلى أن اللقاء وضع حلولا وآليات تنفيذ.

كما تشير إلى أن اللقاء الأخير حول موازنة 2019 تطرق إلى مقترحات بشأن معاش الناس، كان أبرزها إعادة إحياء التعاونيات عبر خطة تشمل العاصمة الخرطوم وبقية الولايات، لكنها تعترف بأن مشكلة الحكومة تكمن الآن في آليات التنفيذ وإنهاء التقاطع في السياسات بين مؤسسات الدولة.

تشخيص الأزمة
بيد أن التحدي الكبير الذي تواجهه الحكومة الآن ليس في الأزمات الاقتصادية التي قد تجد سبلا لحلها، ولكن في أن احتجاجات الشارع قد تجاوزت هذه الأزمات إلى المطالبة بسقوط النظام، بحسب المتحدث باسم حزب البعث محمد ضياء الدين.

ويؤكد ضياء الدين للجزيرة نت أنه لم تعد هناك إمكانية لانتظار أي معالجة بعد ثلاثين سنة من فشل "النظام" في إيجاد حلول للكثير من الأزمات، فهو "لم يعد لديه ما يقدمه ولم يعد الشعب لديه ما ينتظر من أجله، فليذهب النظام غير مأسوف عليه حتى يجد الشعب حلا للأزمات المركبة والعديدة التي فرضت عليه. ليس هناك نقاش، فقط عليهم الرحيل".

ويقول ضياء الدين الذي اعتقل لمشاركته في الاحتجاجات وأطلق سراحه لدواع صحية، إن الحراك في الشارع تطوّر وكل الاحتجاجات الآن تطرح شعارا واحدا هو إسقاط النظام، مؤكدا أن الأزمة سياسية قبل أن تكون اقتصادية، وأن أي معالجة يجب أن تمضي في اتجاه إسقاط النظام وإيجاد بديل يحقق حلولا لأزمات البلاد.

محمد ضياء: النظام لم يعد لديه ما يقدمه والشعب لم يعد لديه ما ينتظر من أجله (الجزيرة)

كرة الثلج
عرف السودان الثورات ضد حكم العسكر منذ حقبة الستينيات من القرن الماضي، فأنجز ثورة 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964، ثم انتفاضة 6 أبريل/نيسان 1985.

وإن كانت ثورة أكتوبر تعبّر عن ترف السودانيين وهم يملؤون الشوارع فقط من أجل الحرية والديمقراطية، فإن انتفاضة أبريل تشابهت في أزماتها الاقتصادية مع احتجاجات الخبز التي انطلقت يوم 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي من عطبرة وبورتسودان.

ولذلك يخيّر عبد الجبار الحكومة بين السعي لمعالجة أزمات الوقود والخبز والنقود في ظرف أسبوع واحد فقط، وبين أن تكون مستعدة لمواجهة عجزها أمام احتجاجات ارتفعت سقوفها وبات احتواؤها صعبا مع دخول الأحزاب على الخط، فثورات الربيع العربي كانت تطالب بالحد الأدنى من كريم العيش، "لكنها تدحرجت ككرة ثلج وتجاوزت المطالب الاقتصادية والمعيشية إلى إسقاط النظام".

المصدر : الجزيرة