اقترب "الاكتفاء الذاتي" فلماذا ترفع مصر أسعار الغاز؟

ملايين الأسر في مصر تعتمد على شبكة الغاز الطبيعي لتشغيل المواقد وسخانات المياه (رويترز)
ملايين الأسر في مصر تعتمد على شبكة الغاز الطبيعي لتشغيل المواقد وسخانات المياه (رويترز)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

رغم الحديث الرسمي المتكرر عن اقتراب مصر من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، بل وتحقيق فائض يسمح بالتصدير للخارج، أعلنت الحكومة المصرية زيادة أسعار الغاز الطبيعي المستخدم في المنازل والنشاط التجاري بنسبة تتراوح بين 30% و75%.

ووفقا للقرار الذي سيطبق ابتداء من أول أغسطس/آب المقبل، سيكون سعر المتر المكعب 1.75 جنيه (0.10 دولار) لكميات الاستهلاك التي تصل إلى 30 مترا مكعبا، بعد أن كان جنيها واحدا.

وسيكون السعر 2.5 جنيه لكميات الاستهلاك التي تصل إلى 60 مترا مكعبا، بدلا من 1.75 جنيه، وسيبلغ السعر ثلاثة جنيهات للاستهلاك الذي يزيد على 60 مترا مكعبا، بدلا من 2.25 جنيه.

وتأتي هذه الزيادة بعد زيادات مشابهة لأسعار الوقود والكهرباء والمياه والنقل العام في الأسابيع الأخيرة، في إطار برنامج قرض صندوق النقد الدولي لمصر. وقالت الحكومة إنها تهدف "لترشيد دعم المنتجات البترولية والغاز الطبيعي".

يأتي هذا بينما تتابع التصريحات والبيانات الرسمية عن تضاعف إنتاج مصر من الغاز الطبيعي، إذ قال وزير البترول طارق الملا إن من المنتظر إضافة مليار قدم مكعبة إلى إنتاج حقل ظهر، وهو ما سيساهم حسب تقديره في تحقيق الاكتفاء الذاتي نهاية العام الجاري.

لكن الكاتب الاقتصادي ممدوح الولي يشير إلى أن هذه التصريحات الرسمية تجاهلت عند الحديث عن اقتراب تحقيق الاكتفاء الذاتي أن نصف الإنتاج المحلي مملوك للشركات الأجنبية المنتجة للغاز بمصر، وبالتالي فإن الاكتفاء الذاتي الحقيقي يتطلب بلوغ الإنتاج المحلي ضعف الإنتاج المتوقع نهاية العام.

وأوضح الولي في حديث للجزيرة نت أن معدل الإنتاج المتوقع نهاية العام الجاري 6.5 مليارات قدم مكعبة يوميا، وهو مساو للاستهلاك اليومي، ومن ثم فإنه لا بد من إنتاج 13 مليار قدم مكعبة يوميا حتى يكون نصفه الذي يمثل نصيب الجانب المصري مساويا للاستهلاك اليومي، وهو أمر يحتاج لسنوات حسب قوله.

الحكومة المصرية سمحت للقطاع الخاص باستيراد الغاز من إسرائيل (الجزيرة-أرشيف)

الاستيراد من إسرائيل
واعتبر الولي أن استيراد القطاع الخاص للغاز من إسرائيل أكبر دليل على الفجوة بين نصيب مصر من الإنتاج وبين الاستهلاك المحلي منه، مشيرا إلى أن وزير البترول حين تحدث عن تقليل استيراد الغاز مستقبلا، تجاهل تكلفة شراء حصة الشريك الأجنبي من الداخل، أي أنه وفر فقط قيمة النقل من الخارج.

وقال الولي إنه لا توجد بيانات تفصيلية توضح تكلفة الإنتاج المحلي من الغاز وتكلفة الكميات المستوردة للوصول إلى التكلفة الحقيقية للغاز الطبيعي المبيع محليا ومقارنتها بالأسعار التي تعلنها الحكومة وتزعم أن تكلفتها أكثر من أسعار بيع المشتقات النفطية.

وتعد هذه الزيادة لأسعار الغاز الطبيعي الرابعة خلال الأعوام الأخيرة، حيث كانت الأولى في مايو/أيار 2014، والثانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، ثم الثالثة في يونيو/حزيران 2017.

ويرى مصطفى شاهين الخبير الاقتصادي ومدرس الاقتصاد بأكاديمية أوكلاند الأميركية أن "غياب الشفافية" من قبل الحكومة المصرية هو أحد الأسباب الرئيسية للتضارب بين إعلان ارتفاعات قياسية في الإنتاج المحلي للغاز الطبيعي، وإقرار الحكومة زيادات جديدة على أسعاره للمواطنين.

وأشار في هذا السياق إلى اتفاقيات استيراد القطاع الخاص للغاز الطبيعي من إسرائيل، الأمر الذي يصب حسب تقديره في التعارض ذاته مع التصريح باقتراب الوصول للاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي نهاية العام.

الحكومة زادت أسعار الوقود بمختلف أنواعه في الآونة الأخيرة (رويترز)

ما أهداف الحكومة؟
ويرى شاهين أن الحكومة بذلك تضارب على الأسعار وتتربح من المواطنين، ضمن سياسة عامة تعتمدها بمسارها الاقتصادي، الذي تلعب فيه -حسب قوله- دور المحتكر الذي يستغل الإمكانات والموارد الاقتصادية المتاحة له دون غيره، نافيا أن تكون الحكومة تعمل من خلال ذلك على المساواة بين شرائح المجتمع المصري.

وكان وزير البترول قد صرح بأن زيادة أسعار الغاز الطبيعي ستسهم في معالجة التشوهات السعرية الخاصة باستخدام المواطنين لأسطوانات الغاز وشبكة الغاز الطبيعي الموصل للمنازل، في حين صرح المتحدث باسم مجلس الوزراء أشرف سلطان بأن الحكومة ما زالت تدعم أسعار الغاز الطبيعي الموصل للمنازل وأسطوانات الغاز بشكل كبير حتى بعد الزيادة.

وتعتمد المنازل والمنشآت التجارية في مصر إما على أسطوانات الغاز (البروبان)، أو على شبكة الغاز الطبيعي التي بدأ مدها منذ مطلع الثمانينيات وتصل حاليا إلى حوالي ثمانية ملايين وحدة سكنية.

ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن زيادة أسعار الغاز لا علاقة له بوفرة المعروض أو زيادة الاكتشافات، وإنما يتعلق بالتزام مصر مع صندوق النقد الدولي بتحرير أسعار الطاقة وإلغاء دعم الوقود، والذي يأتي ضمن إستراتيجية إلغاء الدعم نهائيا.

لكنه يرى كذلك في حديثه للجزيرة نت أن من الممكن أن توفر الحكومة أسطوانة غاز شهريا على بطاقات الحصص التموينية، مثلها مثل باقي السلع التي يحصل عليها مستحق التموين، وهو ما يمكن اعتباره مظلة حماية للطبقات الفقيرة، وهذا لا يتعارض مع طلبات الصندوق، حسب قوله.

المصدر : الجزيرة