هل تسيطر السعودية على سوق الحديد بمصر؟

زيادة أسعار الحديد بمصر رفعت أسعار العقارات (للجزيرة نت)
زيادة أسعار الحديد بمصر رفعت أسعار العقارات (للجزيرة نت)

                                                           عبد الرحمن محمد-القاهرة

لم تمض أيام قليلة على تقديم برلماني طلب إحاطة عاجل إلى رئيس البرلمان بغرض استدعاء وزير التجارة والصناعة طارق قابيل لاستيضاح أسباب إغراق الأسواق المصرية بمنتجات حديد شركات سعودية بشكل يؤثر على الصناعة الوطنية حتى بشر الأخير بتعزيز علاقات بلاده التجارية والاقتصادية مع السعودية إثر لقاء جمعه بنظيره السعودي.

وقبيل مغادرته العاصمة السعودية الرياض بعد ترؤسه وفد مصر في اجتماعات اللجنة الوزارية المصرية السعودية المشتركة قال قابيل أثناء جلسة مباحثات مع نظيره السعودي ماجد القصبي إن ما تم التوصل إليه يمثل خريطة طريق جديدة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، ويعزز الارتقاء بمستوى العلاقات التجارية نحو آفاق أوسع.

جاء ذلك بعد أقل من أسبوع من طلب إحاطة عاجل قدمه النائب عبد الحميد كمال إلى رئيس البرلمان المصري يطالب فيه باستدعاء وزير الصناعة والتجارة لسؤاله عن أسباب إغراق الأسواق المصرية بمنتجات حديد مستوردة من شركات السعودية وإعطائها مميزات تفضيلية، مما يعرض الصناعة الوطنية للخطر.

وحسب بيان البرلماني، فإن الحكومة المصرية اتخذت قرارا بتخفيض سعر الغاز لشركات سعودية، مثل الراجحي، والاتفاق، والزامل، وسابك إلى دولار واحد عن المليون وحدة حرارية لإنتاج الحديد، في وقت تدفع المصانع المصرية سبعة دولارات لنفس قيمة الوحدات الحرارية لإنتاج الحديد، مما يعرض الصناعة الوطنية لخسائر.

وحسب مصادر اقتصادية، فقد لجأت الحكومة المصرية إلى استيراد الحديد من شركات سعودية لسد احتياجات المشروعات التي تنفذها الحكومة، وهو ما يحقق أهداف الجانب السعودي المنطلقة من "رؤية المملكة 2030" والرامية إلى زيادة نسبة الصادرات السعودية غير النفطية من 16 إلى 50%.

أشرف بدر الدين: إغراق السوق يعكس رضوخ النظام المصري للمصالح السعودية (الجزيرة)

مزايا أخرى
وإضافة إلى ما تضمنه بيان النائب المصري من امتياز للشركات السعودية بتخفيض سعر الغاز لها فإن المصانع السعودية التابعة لتلك الشركات تتمتع كذلك بوجودها على موانئ البحر الأحمر مباشرة، مما يقلل تكاليف النقل والشحن.

في مقابل ذلك، كان قابيل قد أصدر في ديسمبر/كانون الأول الماضي قرارا بفرض رسوم نهائية لمكافحة الإغراق على واردات الحديد المصدرة من منشأ صيني وتركي وأوكراني لمدة خمس سنوات بدعوى حماية الاقتصاد القومي ومنع الضرر عن المصنعين المحليين.

وكيل لجنة الخطة والموازنة بالبرلمان سابق أشرف بدر الدين يرى أن ذلك يأتي في إطار رضوخ النظام المصري لمصالح الجانب السعودي، خاصة بعد القرار الأميركي بفرض رسوم حماية على وارداتها من منتجات الحديد بنسبة 25% في وقت كانت صادرات السعودية من الحديد إلى أميركا قد بلغت 150 ألف طن عام 2017.

ويشير الخبير الاقتصادي في حديثه للجزيرة نت إلى أن توقف العديد من المشروعات بالسعودية وإلغاء خطط حكومية نتيجة تقليص الإنفاق بعد انخفاض أسعار البترول أديا لوجود طاقات إنتاجية عاطلة في صناعة الحديد، حيث تصل الطاقة الإنتاجية إلى 12.5 مليون طن، في حين انخفض الطلب نتيجة ما سبق إلى 6.5 ملايين طن فقط.

لكنه يرى أن ذلك ربما يعيد التوازن لأسعار الحديد في السوق المصري والتي ارتفعت بعد فرض الحكومة رسوم حماية على واردات الحديد التركي والصيني والأوكراني، لافتا إلى أنه في حال ظلت أسعار الحديد السعودي أقل من أسعار تكلفة المنتج المصري فلا شك أنه ستكون لذلك آثار سلبية على الصناعة الوطنية.

وارتفعت أسعار بيع الحديد في مصر من 12.3 ألف جنيه (سبعمئة دولار) للطن في فبراير/شباط الماضي إلى أكثر من 13.5 ألف جنيه (770 دولارا) في الآونة الأخيرة، مما أدى إلى ارتفاع أسعار العقارات والوحدات السكنية.

شركات سعودية أغرقت السوق المصري بمنتجات الحديد بعد تقديم امتيازات حصرية لها (الجزيرة)

استثمار الجيش
ولم يستبعد بدر الدين أن يكون ذلك ناتجا عن تدخل الجيش في النشاط الاقتصادي بمصر، وذلك بأن يكون هو المستورد لهذا الحديد في ظل عدم خضوع وارداته للضرائب الجمركية، ثم ينضم ذلك إلى صفقات استيراده السابقة التي تركت أثرا سلبيا على الاقتصاد المصري كصفقات لبن الأطفال والفراخ البرازيلي.

من جهته، يرى الصحفي المتخصص في ملف الاقتصاد والصناعة محمد مصطفى أن سماح الحكومة المصرية بنفاذ الحديد السعودي إلى الأسواق المصرية دون رسوم إغراق كالمفروضة على غيرها من الدول يأتي في إطار السياسة الحالية المبنية على تقارب بين الجانبين ومصالح متبادلة بينهما.

بيد أن مصطفى يعتبر في حديثه للجزيرة نت أن هذا الأمر يتعارض مع مبرر الحفاظ على الصناعة المحلية الذي لأجله فرضت الحكومة رسوم الإغراق على عدد من الدول، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الحديد خلال الآونة الأخيرة نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج في السوق المصري، وهو الأمر الذي يحتاج إلى بدائل للمستهلكين.

عبد المطلب: الإجراء لا غبار عليه إذا كان في إطار استيفاء اتفاقيات التجارة العربية الحرة (الجزيرة)

ويلفت مصطفى إلى أن مصر ليست فيها شركات تصنيع للحديد تكفي للاستهلاك المحلي، مما يجعلها مضطرة للاستيراد في كل الأحوال إلا أن سياستها المتبعة قائمة على الازدواجية وعدم المساواة بين الدول الموردة.

بالمقابل، يعتقد الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن هذا الإجراء الذي يظهر فيه تفضيل لشركات سعودية على حساب شركات أخرى ربما يأتي في إطار استيفاء اتفاقيات التجارة العربية الحرة التي تعد مصر والسعودية إحدى دولها الكبرى.

ويؤكد في حديثه للجزيرة نت أن الأمر بهذه الصورة "لا غبار عليه"، لكن في حال كانت التسهيلات التجارية لصالح دولة دون أخرى على حساب المواطن المصري فإن ذلك يعكس أحد أشكال تشوهات السوق المرفوضة، مستبعدا أن يكون الأمر بهذه الصورة.

المصدر : الجزيرة