تقلبات الليرة التركية.. هل هي لعبة انتخابية؟

الليرة التركية فقدت أكثر من 20% من قيمتها منذ بداية العام (غيتي)
الليرة التركية فقدت أكثر من 20% من قيمتها منذ بداية العام (غيتي)

واصلت الليرة التركية مكاسبها اليوم بعد انتعاشها بشكل قوي مساء أمس الأربعاء في أعقاب رفع البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي في خطوة لدعم العملة المتهاوية.

وفي حين يعتقد المسؤولون الأتراك بأن التلاعب في أسعار الليرة مجرد لعبة للتأثير على مسار الانتخابات، فإن ثمة من يرى أن هناك أسبابا اقتصادية تدعم تقلبات العملة التركية.

ورفعت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي سعر الفائدة الأعلى إلى 16.5% من 13.5% وأبقت الأسعار الأخرى دون تغيير بعد اجتماع استثنائي أمس الأربعاء.

ودفعت هذه الخطوة العملة التركية إلى الصعود أمس، قبل أن تواصل رحلة الانتعاش في تعاملات اليوم، حيث صعدت الليرة إلى 4.5650 للدولار مبكرا مقارنة مع 4.59 عند الإغلاق الأربعاء، الذي شهد تسجيل مستوى قياسي منخفض بلغ 4.9290 قبل تحرك البنك المركزي.

كما انخفض سعر صرف اليورو مقابل الليرة التركية بنسبة 2%، وتراجع إلى 5.39 ليرات تركية.

وانخفضت العملة أكثر من 20% من قيمتها منذ بداية السنة، قبل أن تحقق بعض المكاسب.

واتجه المستثمرون إلى بيع الليرة في الفترة الأخيرة لمخاوف تتعلق بقدرة البنك المركزي على احتواء التضخم، لا سيما بعد أن قال الرئيس رجب طيب أردوغان إنه يتوقع أن يفرض مزيدا من السيطرة على السياسات النقدية بعد انتخابات 24 يونيو/حزيران المقبل، في وقت يريد فيه أن يُخفض تكلفة الاقتراض لزيادة قروض البناء.

وتعتقد وكالة فيتش بأن "تزايد التآكل في استقلالية السياسة النقدية سيفرض مزيدا من الضغوط على التصنيف الائتماني السيادي لتركيا".

مواجهة التضخم
لكن أردوغان قال أمس إن تركيا ستتخذ إجراءات مختلفة للتغلب على التضخم وعجز ميزان المعاملات الجارية بعد الانتخابات التي ستجري الشهر القادم، مناشدا الأتراك ألا يفضلوا العملات الأجنبية على الليرة التركية.

وعلى غرار أردوغان، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إن التقلبات في سعر صرف العملات مؤقتة ومرحلية، ونفى وجود أي انحراف ولو طفيف في السياسة المالية، مؤكدا هو الآخر كفاح الحكومة ضد التضخم، كما يقول.

واعتبر أن تحقيق مصلحة من التقلبات المؤقتة لسعر الدولار ليست من الوطنية والوقوف سويا ضد من يحيكون المؤامرات عليها، كما نقلت عنه وكالة الأناضول.

أردوغان قال إن تركيا ستتخذ إجراءات مختلفة للتغلب على التضخم وعجز ميزان المعاملات (الأوروبية)

ولمزيد من بعث الثقة بشأن أداء الاقتصاد التركي، لفت يلدرم إلى أن بلاده استقبلت نحو ثمانية ملايين زائر إلى تركيا في الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، وتوقع وصول الرقم إلى أربعين مليونا بنهاية العام.

لكن عددا من المحللين يعتقدون بأن ارتفاع العجز التجاري للبلاد إلى 37.5%، والخلاف القائم بين أردوغان والبنك المركزي بشأن أسعار الفائدة يؤثران على سعر صرف العملة المحلية، وتدفق رؤوس الأموال خارج البلاد، رغم أن أداء الاقتصاد التركي كان الأفضل في العالم العام الماضي.

هبوط طبيعي
ويعتقد الكاتب ياسر التركي في مقال له بموقع "ترك برس" بأنه في الوقت الذي يؤكد فيه أردوغان ضرورة خفض أسعار الفائدة لدعم الاستثمار وخفض تكلفة الإقراض، فإن البنك المركزي يرى أن مواجهة التضخم المتصاعد وانخفاض أسعار الفائدة تكمن في رفع أسعار الفائدة لدى البنوك.

ويرى أن هبوط الليرة أمر طبيعي بالنظر إلى حساسية سوق العملات إلى الأوضاع السياسية الداخلية، إلى جانب لجوء عدد من مؤسسات تصنيف الائتماني إلى خفض تصنيف تركيا التي تشهد عل العكس قفزة نوعية، وهو ما يثير شكوكا حول مصداقية هذه الوكالات.

ويخلص الكاتب إلى أن تقلبات أسعار صرف الليرة مؤقت، ولا يعكس حالة الاقتصاد التركي.

ولأن كانت ثمة أسباب اقتصادية لهبوط الليرة كما يعتقد المحللون، فإن الحكومة التركية تعتقد بأن هناك لعبة تجري باستخدام الليرة في محاولة للتأثير على الناخبين الأتراك.

أما الخبير المالي والمصرفي قاسم محمد قاسم فيقول للجزيرة نت إن الذي يجري هو محاولة للتأثير اقتصاديا بما يؤدي إلى نتائج انتخابية تفاجئ الحزب الحاكم في تركيا وتدعم مصالح المعارضة هناك.

ويضيف أن المعارضة فوجئت بإعلان أردوغان عن تاريخ إجراء انتخابات مبكرة، مما جعلها غير مستعدة لخوض هذه الاستحقاقات، رغم أنها هي من كانت قد طالبت بذلك.

البنك المركزي التركي رفع سعر الفائدة مما دفع الليرة إلى الصعود من جديد (رويترز)

ويعتقد قاسم أن تجربة أردوغان في تطوير الاقتصاد التركي مشهود لها، حيث نقل تركيا من بلد تحاصره حالات الإفلاس وتدهور النظام المصرفي، إلى اقتصاد قوي.

لكنه لفت إلى أن ما وصفها بقصة نجاح الاقتصاد التركي تبقى محاصرة بضغوط اقتصادية وتكاليف باهظة للحروب التي تخوضها البلاد.

تلاعب
ويقول بكير بوزداغ نائب رئيس الوزراء التركي "من يعتقد بأنّ التلاعب بسعر صرف الليرة سيغير من نتائج الانتخابات المقبلة مخطئ. الشعب كشف اللعبة ومن يقف وراءها، ولن يسمح لأحد بالنيل من تركيا".

ويضيف "نعرف قواعد الاقتصاد، ونؤكد أن اقتصادنا قوي"، محذرا من أن الجهات التي تقف وراء رفع الدولار أمام الليرة التركية ستقوم بالكثير من المؤامرات، حسب وصفه.

ويشير بوزداغ إلى أنه رغم الصعوبات والعراقيل ظل الاقتصاد التركي صامدا، مؤكداً أنه سيواصل نموه خلال الفترة المقبلة.

وبدا المسؤول الحكومي أكثر وضوحا عندما لفت إلى أن هدف البؤر الدولية وأذرعها في البلاد هو وقف مسيرة تركيا القوية لفرض إرادتهم عليها، وهذا لا يتحقق إلا عن طريق وقف أردوغان، وعرقلة فوزه وتحقيق خسارته في الانتخابات المقبلة، بحسب تعبيره.

وخلال العام الماضي، نما الاقتصاد التركي بنسبة 7.4%، ليتجاوز توقعات المؤسسات المالية العالمية، التي توقع بعضها نموا بأكثر 2.7% فقط.

كما تحسن تصنيف تركيا ضمن أكثر الاقتصادات تنافسية في العالم، وفق تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2018، حيث انتقلت إلى المرتبة 46 متسلقة درجة واحدة قياسا إلى عام 2017.

المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع إلكترونية