الشمس.. أمل الفلسطينيين لإنارة لياليهم

مجموعة من الخلايا تغذي مستشفى النجاح الجامعي بنابلس (الجزيرة)
مجموعة من الخلايا تغذي مستشفى النجاح الجامعي بنابلس (الجزيرة)

عاطف دغلس-طوباس

مستظلا بخيمة من الخيش يجلس الخمسيني نبيل دراغمة فوق سرير حديدي خلال ساعات الظهيرة هاربا من حر الشمس الملتهبة، فهو لا يملك جهاز تبريد أو مروحة، وشح الكهرباء أفقده وسكان الأغوار الشمالية قرب مدينة طوباس بالضفة الغربية ضرورات كثيرة.

حظي الرجل مؤخرا -كحال بعض المواطنين هناك- بخلايا شمسية قدمتها جهات داعمة لتكون مصدره الوحيد لتوليد الطاقة، وهي تنتج نصف كيلوواط يوميا تكفيه بضع ساعات يستثمرها في تشغيل برَّاد الطعام (الثلاجة) والتلفاز والإضاءة، لكن بالتناوب.

يقول دراغمة -الذي أخطره الاحتلال بالتهجير من أرضه- إنه يعيش "تقتيرا" بالكهرباء بينما تنعم بها مستوطنات الاحتلال ومعسكراته وبكافة الخدمات ليل نهار.

قد يُبدد معاناة دراغمة من شح الكهرباء أمل جديد تعكف محافظته طوباس وصندوق الاستثمار الفلسطيني على تنفيذه، يقضي بتوفير محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية بقدرة تبلغ تسعة ميغاواطات، إضافة لمدينتي أريحا بقدر 7.5 ميغاواطات وجنين بقدرة خمسة ميغاواطات، بموجب قرض حصل عليه الصندوق من البنك العربي بقيمة عشرين مليون دولار.

مشروع متكامل
وقال الصندوق في بيان له حصلت عليه الجزيرة نت إن القرض يُعدّ "الأكبر فلسطينيا" لتمويل الطاقة الشمسية، ليكون خطوة أخرى في برنامج "نور فلسطين" الذي ينفذه الصندوق أيضا لتوليد مئتي ميغاواط من الكهرباء بالطاقة الشمسية.

ويتيح القانون الفلسطيني بشأن الطاقة المتجددة المقر عام 2015 الاستثمار بهذه المشاريع عبر مستويات ثلاثة، وفق مدير عام مركز الأبحاث بسلطة الطاقة الفلسطينية المهندس أيمن إسماعيل؛ المستوى الأول: المنزلي، بقدرة تصل حتى خمسة كيلواطات وبكلفة قدرها خمسة آلاف دولار أميركي، والثاني برنامج صافي القياس خاص بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة لمختلف القطاعات بقدرة تصل إلى ميغاواط واحد (ألف كيلواط) وتبلغ تكلفة كل كيلواط واحد منه حوالي ألف دولار أميركي.

إضافة إلى المستوى الثالث المتعلق بالمشاريع التجارية للطاقة الشمسية، بغرض بيعها لشركة النقل الوطنية أو شركات التوزيع بسعر أقل من سعر الشراء من المصادر الإسرائيلية، و بقدرات تتراوح بين ميغاواط واحد وعشرة ميغاواطات، بتكلفة تصل إلى نحو مليون دولار للميغاواط الواحد.

حصل دراغمة على خلايا شمسية لإنتاج الكهرباء لكنها بالكاد تكفيه بضع ساعات (الجزيرة)

ويقول إسماعيل إن المستويين الثاني والثالث قد يفوقان قدرة المواطن ماليا، لهذا جاء مشروع صندوق الاستثمار، ويضيف أن المستثمر في القسم الثاني (صافي القياس) سيسدد ثمن حصته من خلال الوفورات في فاتورة الكهرباء التي كان يدفعها لشركات التوزيع.

وإضافة إلى كونه أرضية خصبة للاستثمار، تهدف الإستراتيجية العامة للطاقة المتجددة إلى التخفيف من اعتماد الفلسطينيين على الكهرباء الإسرائيلية التي تصل إلى 89%، بينما يحصل الفلسطينيون على 4% عبر الربط الإقليمي مع الأردن ومصر، في حين تنتج محطة توليد غزة 7%.

سد العجز
وسينهي المشروع الاحتكار الإسرائيلي -ولو جزئيا- للكهرباء، فهي تحدد كمية الأحمال الكهربائية للفلسطينيين.

ففي حين تحتاج طوباس مثلا إلى 45 ميغاواطا، فإنها لا تحصل إلا على ثلاثين ميغاواطا، وهذا تسبب في انقطاع الكهرباء ساعات طويلة أو أيام عنها وعن مدن فلسطينية، وسدت بعض العجز عندها بالاعتماد على مولدات خاصة تعمل بالوقود.

ويرى إسماعيل أن استمرار الاعتماد على إسرائيل في إنتاج الطاقة "أمر غير صحي"، وقد بات ضروريا البحث عن مصادر طاقة بديلة محلية وصديقة للبيئة، لذلك كان التوجه لاستغلال أسطح المباني الحكومية والمدارس لسد احتياجاتها من الكهرباء وتصدير الفائض إلى شبكات التوزيع.

واستدرك قائلا إن الحكومة دعمت من موازنتها الخاصة 82 مدرسة من بين 2700 مدرسة مستهدفة بالضفة وغزة، وذلك يتكامل مع مشروع "نور فلسطين" الذي ينفذه صندوق الاستثمار أيضا ويستهدف خمسمائة مدرسة، "كما يُخطط لبناء محطة جنين لتوليد الكهرباء عبر الغاز الطبيعي الفلسطيني (غاز غزة) لإنتاج 450 ميغاواطا من الكهرباء".

وتوقع إسماعيل أن تساهم مشاريع الطاقة المتجددة التي تقوم بها الحكومة والقطاع الخاص بالإضافة إلى المشروع الجديد الذي أطلقه صندوق الاستثمار الفلسطيني ويستهدف المدن الثلاث (طوباس وجنين واريحا)؛ بما لا يقل عن 130 ميغاواطا حتى العام 2020، إضافة لما ستنتجه محطة توليد جنين، وستوفر كلها مجتمعة نحو 40% من احتياج الفلسطينيين للكهرباء المقدر بـ1400 ميغاواط، علما بأن فاتورة الكهرباء المستوردة من إسرائيل تبلغ ستمئة مليون دولار سنويا.

يعتمد الفلسطينيون على إسرائيل لاستيراد الكهرباء بنسبة تصل إلى 89% من حجم استهلاكهم (الجزيرة)

استثمار وربح
ورغم أهمية الاستثمار بالطاقة الشمسية باعتبارها "مربحة"، لكن لا يُعتمد عليها كليا كمصدر أساسي للطاقة وإنما كمكمل للطاقات التقليدية.

فمعدل إنتاجها اليومي يُقدر بست ساعات فقط، بينما تبرز أهميتها سياسيا من جانب تثبيت السكان في المناطق النائية والمناطق "سي" التي يسيطر عليها الاحتلال عسكريا.

ويقول خبير الاقتصاد الفلسطيني بكر اشتية إن طرق باب الطاقة البديلة -ولا سيما الطاقة الشمسية- خطوة تحسب لصندوق الاستثمار، كونها تصنف من القطاعات الأكثر جدوى ماليا.

وأوضح اشتية في حديثه للجزيرة نت أنه في ظل ارتفاع الأسعار وانخفاض حصة الفلسطينيين من الكهرباء الموردة من إسرائيل وزيادة تكاليف توليد الكهرباء بالوقود المستورد منها أيضا بأثمان عالية، يعد الاستثمار بالطاقة البديلة الخيار الأفضل للفلسطينيين.

وتوقع الخبير عائدا ربحيا كبيرا جدا من الاستثمار بالطاقة الشمسية لسببين: أولهما أنه سبيل للانعتاق عن الاحتلال في مجال الطاقة، كما أنه سيحظى بدعم المؤسسات الخارجية المانحة، فضلا عن أنه لا يمكن إعاقته من قبل إسرائيل.

المصدر : الجزيرة