تحرير الأسعار.. أي مصير للقدرة الشرائية للجزائريين؟

وزير المالية أعلن أن الحكومة ستضع حدا لدعم أسعار البنزين اعتبارا من 2019 (الجزيرة نت)
وزير المالية أعلن أن الحكومة ستضع حدا لدعم أسعار البنزين اعتبارا من 2019 (الجزيرة نت)

ياسين بودهان-الجزائر 

رغم قساوة الشتاء ولسعات البرد القادمة من جبال "مقرس" المتدثرة بالثلوج أعالي محافظة سطيف الجزائرية فإن الحاج خميستي يقاوم الكبر ويغالب غضب الطبيعة وجبروتها، ويأبى مجبرا أن يفارق قطيع الأغنام الذي بات مؤنسه الوحيد.

خميستي صاحب السبعين عقدا روى لـ "الجزيرة نت" قصته، وكيف ساءت أحواله وقد كان يمنّي النفس بتقاعد مريح ينسيه متاعب الحياة وصروف الدهر وما لاقاه في زهرة شبابه من حرمان وعناء.

وبابتسامة تخفي وراءها حزنا وألما عميقين تحدث عن فصول من يومياته وكيف بات يكدّ ويشقى في سبيل توفير لقمة العيش لأبنائه الثلاثة، حينما كشف أن معاشه لا يتجاوز السبعين دولارا شهريا "وهو بالكاد يكفي لأسبوع واحد أو أقل في ظل موجة غلاء فاحش تشهدها البلاد خلال السنوات الأخيرة".

فمع تراكم الديون وقلة ذات اليد، وجد خميستي نفسه رغم شيبته وتقدمه في السن مجبرا على البحث عن عمل، فكان رعي الأغنام فرصته الوحيدة لكن بمرتب جد زهيد لا يتجاوز ثلاثين دولارا في الشهر.

وحين سؤاله عما إذا كان الراتب والمعاش يكفيانه لقضاء حاجياته، تنهد وأخذ نفسا عميقا وقال بحزن "نحن نحيا ببركة وقدرة الله فقط" لكنه عبّر عن مخاوفه وقلقه البالغ مما يحمله له المستقبل ومن تعقد أوضاعه الاجتماعية أكثر، خاصة حينما تناهى إلى مسامعه أن الحكومة عازمة على التخلي عن سياستها الاجتماعية وإيقاف دعمها لمختلف السلع الاستهلاكية والوقود.

مخاوف الحاج خميستي وغيره من الجزائريين ممن ينتسبون للأسر الفقيرة ومحدودي الدخل بشأن المستقبل غذتها تصريحات وزير المالية عبد الرحمان راوية السبت الماضي -على هامش اجتماع وزراء المالية العرب مع صندوق النقد الدولي في دبي- حينما أعلن أن حكومة بلاده "ستضع حدا لدعم أسعار البنزين اعتبارا من عام 2019 ومواد أخرى بداية من 2020". 

الحاج خميستي يعاني في سبيل لقمة العيش (الجزيرة نت)

خط أحمر
ومن العجيب أن يأتي تصريح الوزير بعد أيام قليلة فقط من جلبة أثارها أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس حينما قال مفاخرا في ندوة صحفية إن بلاده "أفضل من السويد" لأنها "تخصص مبالغ طائلة للتحويلات الاجتماعية لا تخصصها السويد لمواطنيها".

وأكثر من ذلك، أكد ولد عباس بلغة الواثق أن "سياسة الدعم الاجتماعي" التي تنتهجها بلاده "خط أحمر ولا يمكن بأي حال التراجع عنها تحت أي ظرف".

وتبلغ قيمة الدعم الحكومي والتحويلات الاجتماعية المخصصة بموازنة 2018 نحو 17 مليار دولار، ستة مليارات منها موجهة للمواد الطاقة مثل الكهرباء والغاز والوقود.

المبلغ السابق يستفيد منه الجزائريون في شكل دعم موجه للسلع مثل الحليب والخبز والزيت والسكر والسكن، كما تستفيد منه فئات عديدة مثل المرضى والمتقاعدين والشرائح ذات الدخل الضعيف وذوي الاحتياجات الخاصة، وحتى المؤسسات الاقتصادية تستفيد من خلال الدعم الذي يوجه لمواد الطاقة.

وضع المؤسسات الاقتصادية على مسافة واحدة في استفادتها من الدعم مع محدودي الدخل والفئات الضعيفة -وفق لوصيف الموظف بالقطاع الحكومي- "قرار غير عادل".

لوصيف كشف كيف أثرت عليه الزيادات التي طالت أسعار الوقود خلال الثلاث سنوات الأخيرة، فيوميا يجتاز بسيارته أكثر من 140 كلم ذهابا وإيابا من أجل الوصول إلى مقر عمله وهي أتعاب يؤكد للجزيرة نت أنها أثقلت كاهله وأخلت بميزانيته العائلية ولا تأتي نهاية الشهر إلا والديون تحاصره من كل جهة لأن الأتعاب تضاعفت والراتب بقي ثابتا.

مآخذ لوصيف وغيره من الجزائريين عبّر عنها كاتب الدولة للاستشراف والإحصائيات السابق بشير مصيطفى بقوله إن "الحكومة مجبرة لا مخيرة على مراجعة سياسة الدعم المتبعة منذ سبعينيات القرن الماضي لأن طبيعة المجتمع الجزائري وتركيبته تغيرت بينما سياسة الدعم ظلت ثابتة".

فقديما: يوضح مصيطفى "كانت مداخيل الأسر الجزائرية متقاربة بسبب النظام الاشتراكي المتبع، حيث كان نظام التوزيع عموميا ولا يوجد ما يسمى القطاع الخاص بينما الآن برزت فئة كبيرة من الأثرياء، كما أن عدد الجزائريين حينها لم يتجاوز 15 مليونا، ويصل الآن إلى أربعين مليونا يتوزعون على عشرة ملايين عائلة".

الفئات الضعيفة والهشة متخوفة من قرار تحرير أسعار الوقود والسلع (الجزيرة نت)

منحة المعيشة
ولإقرار نوع من العدالة الاجتماعية، يجب برأي مصيطفى "الأخذ في الاعتبار المعطيات الكلية المرتبطة بالطلب الداخلي والمتعلقة بمداخيل العائلات وأجور العمال المتفاوتة".

وتوقع المواطن أن يشمل قرار إيقاف الدعم جميع المنتجات وليس بعضها فقط.

والأهم الآن -برأي مصيطفى- هو الإجراءات المرافقة للقرار، لأن الآثار في تقديره ستكون "صادمة بالنسبة للعائلات وخاصة الهشة والضعيفة والمتوسطة الدخل التي لا تستطيع أن تقاوم ارتفاع الأسعار".

ولمواجهة الآثار المتوقعة، اقترح "منحة المعيشة" (الدعم) من خلال اقتطاع ما بين سبعة وثمانية مليارات دولار من القيمة التي كانت تخصص للتحويلات الاجتماعية، وضخها في مداخيل العائلات المتوسطة والضعيفة.

وفي ظل سوق موازية تستحوذ على قرابة خمسين مليار دولار خارج الشبكات البنكية طبقا لتصريحات محافظ البنك المركزي بالبرلمان مؤخرا، يصعب على الحكومة -وفق عضو لجنة المالية سابقا بالبرلمان يوسف خبابة- تحديد مداخيل العائلات وعدد أفرادها لأنها "عملية تحتاج إلى دراسات عميقة وهندسة مالية بالغة التعقيد" كما قال للجزيرة نت.

المصدر : الجزيرة