عـاجـل: ترامب: أخبار جيدة يبدو أنها تحدث بالنسبة لتركيا وسوريا والشرق الأوسط

القروض تغرق الفلسطينيين وتحرف بوصلة نضالهم

عاطف دغلس-نابلس

كغيره من الفلسطينيين، ظن إحسان أعمر (39 عاما) أنه باقتراضه أموالا من البنك بضمان راتبه كموظف حكومي سينجو من وحل السكن بالإيجار، وتكفيه هذه الأموال شر المواصلات العامة وإرهاقها، لكن ظنه لم يكن في محله.

وما دفع إحسان -الذي ينحدر من إحدى قرى مدينة نابلس شمال الضفة الغربية- إلى ذلك هو تسهيلات بنكية شجعته وموظفين آخرين على الإقدام على هذه الخطوة، إبان عهد رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض.

وحسب معطيات سلطة النقد الفلسطينية، فإن مستوى القروض الاستهلاكية للمواطنين الأفراد قفز بشكل كبير لتصل إلى 1.4 مليار عام 2017.

بحسابات إحسان، فإن ست سنوات تكفي لسداد قرضه الذي حصل عليه عام 2009 والبالغ 27 ألف دولار أميركي، لكنه لم يسدد إلا اليسير منه، بل "تورَّط" -حسب قوله للجزيرة نت- في مضاعفة قرضه، وأخذ مزيدا من المال لقضاء ديون أخرى تراكمت عليه.

استنزاف الراتب
يقول إحسان إن الحاجة وضيق الحال دفعاه للاقتراض، مستغلا تسهيلات بنكية بحجم المبلغ الذي يريد وبطريقة السداد لسنوات طويلة، ليكتشف أنه وقع في "شرك القروض" التي يسددها بفوائد عالية، كما يقول.

وازداد وضع الرجل سوءا عندما أقدمت زوجته الموظفة بالقطاع الصحي الحكومي على الاقتراض، فاستنزفت البنوك راتبيهما (2200 دولار أميركي)، ولم يبق سوى ستمئة دولار يتدبران بها حياتهما خلال الشهر.

ويعتقد إحسان أنه "ضحية" للقرض، حيث كان بإمكانه وزوجته –حسب قوله- توفير مبلغ جيد من راتبيهما لقضاء احتياجاتهما دون للجوء للبنك.

 حصة القروض الاستهلاكية من إجمالي التسهيلات البنكية تراجعت نسبتها بحسب مراقبين (الجزيرة)

ورغم حالة الغرق في الديون، فإن القروض الاستهلاكية وإن زادت قيمتها المالية فإنها تراجعت حصتها إلى إجمالي القروض الممنوحة من البنوك بشكل عام، والتي تجاوزت ثمانية مليارات دولار.

ويعزو محمد خبيصة الصحفي المختص في الشأن الاقتصادي هذا الوضع لقيام سلطة النقد بتنبيه البنوك، والطلب منها التوجه للقروض الإنتاجية والمشاريع العقارية والتعليم والصحة، إضافة إلى تحديدها سقف نسبة القروض الاستهلاكية بـ20% من إجمالي القروض.

ورغم ذلك، فإن القروض الاستهلاكية –وفق خبيصة- ليست سلبية، خاصة لمن لديهم رواتب عالية، ولديهم "ملاءة مالية" تغطي، وهي إيجابية للمجتمعات المنتجة، لكن "نحن غير منتجين".

هاجس الفوائد
وما زاد الطين بلة، وضاعف ديون المقترضين هو ارتفاع الفوائد، وتفاوت نسبتها من بنك إلى آخر، بنحو 6.5% في المتوسط، ولجوء كثيرين لمؤسسات الإقراض التي منحتهم أموالا لكن فوائدها أعلى.

ويؤكد خبيصة أن البنوك والمؤسسات الإقراضية لا تلام، وقال إن "وقود" العمل المصرفي الفلسطيني هو الودائع، وإن فوائد القروض تشكل 67% من إجمالي إيرادات البنوك، مشيرا إلى أن تشجيع الإقراض هو سياسة هذه المؤسسات.

ويكاد ماهر الطبَّاع الخبير الاقتصادي الفلسطيني يجزم بأن أغلب قروض الفلسطينيين "استهلاكية"، ويقول إنها "تراجعت خاصة في غزة"، نتيجة قيود سلطة النقد، حيث قلّ الكفلاء وزادت نسبة الخصم على رواتب الموظفين، في حين اقتصرت حاجاتهم على الضرورات فقط، خاصة مع غياب الاستقرار الاقتصادي والوظيفي.

فلسطينيات يتسوقن من أحد الأسواق بنابلس (الجزيرة)

تقويض الاقتصاد
وبغض النظر عما إذا كان الإقراض سياسة حكومية أم، فإن مخاطرها انعكست على السياسة والاقتصاد معا.

ويقول الطباع إن القروض الاستهلاكية "سلبية"، فهي قيدت المواطنين وأصبحوا رهينة لقمة عيشهم، وجعلت اقتصادهم هشا.

ويؤكد ذلك أيضا يوسف عبد الحق أستاذ الاقتصاد بجامعة النجاح بنابلس، حيث يقول إن سياسة السلطة الاقتصادية والمالية تبعت منذ اتفاق أوسلو ما يسمى الاقتصاد الرأسمالي الحر وقوته، على حساب الطبقات الفقيرة والعمال من المزارعين والتجار الصغار.

ويضيف أن هذه السياسة التي خطها رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض، ويسير إثرها خليفته رامي الحمد لله اليوم، أطلقت العنان للمنشآت الرأسمالية، وجعلت الموظفين مستهلكين لمنتجاتها، لا سيما إذا تعلق الاستهلاك "بالرفاهية الفردية".

وانعكس ذلك -حسب عبد الحق- على المجتمع الفلسطيني وتضحياته، وحوله إلى مجتمع "استهلاكي باذخ" دون مهامه الوطنية في الحرية والاستقلال.

وحسب عبد الحق، صار الفلسطينيون "يستهزئون" بالقيم الوطنية بما فيها المقاطعة لإسرائيل، "وبتنا أضعف حلقة في جميع مواقع المقاطعة بالعالم"، بسبب تهالك واهتراء "الانتماء الوطني".

وقال عبد الحق إن هذا ليس ذنب الموظف، وإنما بفعل السياسات الاقتصادية التي جعلت المواطن والموظف رهينة لقمة عيشه، وبالتالي عدم اكتراثه بنضاله الوطني.

وفي حيرة من أمره يقف إحسان أعمر الآن وهو يُروِّج لبيع مركبته وشقته التي لم ينه أقساطها بعدُ، ولم يسدد قرضه المالي المتراكم وديونا والتزامات مالية أخرى؛ حولت حياته إلى جحيم، حسب قوله.

المصدر : الجزيرة