قناة مالية لمواجهة العقوبات.. هل تنفذ أوروبا وعدها لإنقاذ إيران؟

القناة التي تعتزم أوروبا إنشاءها تعرف باسم "سويف أوروبي" (رويترز)
القناة التي تعتزم أوروبا إنشاءها تعرف باسم "سويف أوروبي" (رويترز)

الجزيرة نت-طهران

الأدب الفارسي حافل بأمثال شعرية وشعبية عن خلف الوعد وقيمة الفعل، منها أن "مأتي وعد وحديث لا يعادل نصف فعلة صغيرة" أو "وعده سَرِ خَرمَن" أي وعد يقصد صاحبه عدم تنفيذه، ثم عندما يريد الإيرانيون ضرب مثل عن عاجز يطلب منه شيء ما يقولون عنه "لا يسخن على يده الماء".

ويكثر ساسة ومحللون إيرانيون هذه الأيام استخدام تلك الأمثال عند تناولهم بامتعاض السياسة الأوروبية تجاه الاتفاق النووي بعد الانسحاب الأميركي منه.

آخر الدواء
بعد دخول المرحلة الأولى من العقوبات الأميركية حيز التنفيذ في أغسطس/آب الماضي واقتراب سريان مرحلتها الثانية "الأصعب" صعدت طهران لهجتها تجاه الأوروبيين لعدم ترجمة أقوالهم الداعمة للاتفاق النووي إلى أفعال ملموسة تبقي الاتفاق على قيد الحياة بعد أن دخل غرفة العناية المركزة بفعل الانسحاب الأميركي، وفقا مسؤولين إيرانيين وأوروبيين.

وإثر ذلك أطلقت وزيرة السياسة الخارجية الأوروبية فيديريكا موغريني وعدا محددا في سبتمبر/أيلول الفائت بعد سلسلة وعود عشوائية حسب مصادر إيرانية تمثل في إنشاء قناة مالية (Special Purpose Vehicle) تتيح للشركات الأوروبية وشركاء آخرين من أنحاء العالم مواصلة التجارة مع إيران.

لم يفصح حتى اليوم عن طبيعة عمل القناة وتفاصيلها، إلا أن المعلومات المسربة تؤكد أن هذا النظام المزمع إنشاؤه يشبه نظام بورصة أو مقايضة تتم من خلاله المعاملات المالية مع إيران، وعلى رأسها شراء النفط، بحيث لا تحصل إيران مباشرة على عوائد صادراتها نقدا، بل تودع تلك الأموال في هذا النظام المالي، وتدفع لجهات وشركات لقاء بضائع تشتريها طهران منها.

ووصفت مصادر إيرانية هذا الوعد الأوروبي بأنه مثابة آخر الدواء من شأنه أن يخرج "المريض النووي" من العناية المركزة حيا، وكان يفترض أن يطبق هذا النظام المالي قبل الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي موعد سريان المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية "القاسية" إلا أن تلك العقوبات عادت ولم ينتج هذا الدواء بعد.

وتقول مصادر متعددة إن هذا النظام المالي الأوروبي حتى وإن رأى النور لا تترتب عليه نتائج كبيرة بالنسبة لإيران، وهو ذو تأثير محدود حتى لا يغطي عوائد صادرات طهران من النفط التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني، حسبما أعلنت وكالة رويترز قبل أيام عدة.

فيديريكا موغريني وعدت إيران بإنشاء قناة مالية تتيح للشركات الأوروبية وشركاء آخرين من أنحاء العالم مواصلة التجارة مع إيران (رويترز)

تحديات جمة
وأجبرت عراقيل وتحديات جسام تعترض إنشاء قناة "SPV" الأوروبية -أهمها ضغوط شتى أمنية وسياسية تمارسها واشنطن على الأوروبيين في هذا الصدد- النمسا ولوكسمبورغ على التراجع عن استضافة مقر هذه القناة بعد أن رشحتهما أوروبا لذلك.

وفي رسالة حملت طابع الإهانة والتهديد معا أكد مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون أن أوروبا أضعف من أن تتمكن من إنشاء قناة مالية للعمل مع إيران، قائلا إن الأوروبيين أكثر مما يفعلون يتحدثون، وهو قول يردده المسؤولون الإيرانيون كثيرا.

ومع ذلك نقلت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية أواخر نوفمبر/تشرين الثاني عن مصادر دبلوماسية أوروبية رفيعة المستوى أن فرنسا وألمانيا تناقشان أفكارا لم تتحول إلى قرار بعد لاستضافة البلدين مكتب نظام "SPV" بالتناوب، وإن استضافت ألمانيا هذا المكتب فسيتولى إدارته مسؤول ألماني والعكس صحيح.

وفي هذا السياق، قالت مصادر إيرانية للجزيرة نت إن الولايات المتحدة تضغط على الأوروبيين لإلغاء هذه الخطة أو على الأقل تأجيل تنفيذها حتى العام الإيراني المقبل الذي سيبدأ من مارس/آذار 2019، حيث تنتظر أن تفعل العقوبات مفعولها "القوي" مع بدء هذا العام.

وتؤكد تلك المصادر أن الأميركيين يحاولون إقناع الأوروبيين بذلك على أمل أن تحدث العقوبات اضطرابات كبيرة في إيران تجبر السلطات على الجلوس مرة أخرى على طاولة التفاوض، بما يحقق المصالح الأميركية والأوروبية معا.

التحدي الآخر -حسب موقع الدبلوماسية الإيرانية- أن الترويكا الأوروبية الشريكة في الاتفاق النووي تعيش أوضاعا داخلية غير مريحة تؤثر سلبا على جهودها الرامية إلى إنشاء "SPV".

وتقول صحيفة "دنياي اقتصاد" الإيرانية إنه ليس واضحا مصير هذه الآلية الأوروبية في ظل الاضطرابات الداخلية في فرنسا وانخفاض شعبية إيمانويل ماكرون، وانشغال بريطاني بقضية بريكست وتحدياتها الداخلية والأوروبية، وكذلك الحال بالنسبة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي فقد حزبها الأغلبية المطلقة بعد سبعين عاما.

وفي إيران أيضا، لم تنجح حكومة الرئيس روحاني بعد في كسب موافقة السلطات المعنية على لوائحها الأربعة للانضمام إلى مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، خاصة اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال (CFT).

وتقول مصادر إيرانية وأوروبية إن الانخراط الإيراني في هذه المجموعة واتفاقياتها يسهل إنشاء القناة المالية الأوروبية.

جون بولتون: أوروبا أضعف من أن تتمكن من إنشاء قناة مالية للعمل مع إيران (الجزيرة)

خيبة أمل
وأمام هذه المماطلة الأوروبية -كما يصفها مسؤولون إيرانيون- ترى طهران اليوم أنها أصبحت تتحمل تبعات العقوبات الأميركية التي وصفها وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه أول أمس الاثنين بـ"أصعب حصار اقتصادي على إيران"، في حين أن مكاسبها من الاتفاق النووي اقتربت من الصفر، حسب قول كبير المفاوضين الإيرانيين عباس عراقجي.

وإثر ذلك طفت على السطح مجددا التهديدات الإيرانية بالخروج من الاتفاق النووي ما لم تقدم أوروبا دعما كافيا للإبقاء على الاتفاق النووي، فالمطلوب قبل فوات الأوان أن تحصل طهران على إنجاز ملموس، وفقا لقول رئيس هيئة الطاقة النووية الإيرانية خلال كلمته في ندوة "التعاون النووي بين إيران وأوروبا" في بروكسل في 26 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

هذا التهديد لا يعني أن طهران اقتربت من اتخاذ قرار لتنفيذه، حيث ربط رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني الاثنين الماضي توقيته بـ"الظروف المناسبة"، مؤكدا في الوقت نفسه أن من حق بلده الانسحاب من الاتفاق النووي في ظل عدم التزام شركائه الأوروبيين بتنفيذ تعهداتهم حتى الآن، في حين أن طهران نفذت جميع تعهداتها.

المصدر : الجزيرة