السودان.. أزمة وقود طاحنة تطيح بمسؤولين

طوابير الانتظار في محطات الوقود بالسودان (الجزيرة)
طوابير الانتظار في محطات الوقود بالسودان (الجزيرة)

 علوية مختار-الخرطوم

الانتظار لساعات طويلة أمام محطات الوقود أصبح ديدن عماد (34 عاما) الذي تعطلت مصالحه وفشل في تأمين مصاريف الدواء لطفلته المريضة، وبات يائسا من إيجاد الحكومة السودانية حلولا جذرية تنهي مظاهر الطوابير التي تجددت مرة أخرى خلال أقل من ثلاثة أسابيع بالعاصمة الخرطوم.

ويقول عماد للجزيرة نت "أعتمد أنا وأسرتي على المصاريف اليومية من قيادتي لسيارة أجرة، وبسبب أزمة البنزين أضطر لحراسة محطة البنزين لساعات طويلة يضيع معها يومي ولا أقوى على تأمين مصاريف عائلتي حتى أني لم أتمكن من جلب الدواء لطفلتي المريضة لوجودي ساعات طويلة في صفوف (طوابير) البنزين دون عمل".

حال عماد لم تكن أفضل من حال كثيرين قضوا نصف يومهم، بل سهر بعضهم، أمام محطات الوقود في انتظار وصول ناقلات الوقود، في حين اكتوى آخرون بندرة المواصلات، ووصل بعضهم منازلهم سيرا على الأقدام وهم يحملون معهم الإرهاق والتعب.

تقول فاطمة (25 عاما) للجزيرة نت "وقفت كثيرا في انتظار المواصلات دون جدوى، فاضطررت للسير مشيا إلى منزلي.. رغم إني مصابة بفقر دم ولكن لم يكن لدي خيار".

إقالة مسؤولين
وأطاحت أزمة الوقود التي تفاقمت في السودان خلال اليومين الماضيين بالنائب الأول لمحافظ البنك المركزي ووكيل وزارة النفط والمدير العام للإمدادات بالوزارة.

وجاءت الإقالات من خلال تغريدة في تويتر لرئيس الوزراء السوداني معتز موسى يوم الأربعاء، شكر عبرها المبعدين وتمنى التوفيق لخلفهم، وأعلن في الوقت نفسه بدء ضخ البنزين من مدينة بورسودان ( 840 كيلومترا من الخرطوم)، مما يشير إلى قرب انتهاء الأزمة.

وأكد أن حكومته استوردت ما يكفي حاجة البلاد من الوقود، وأشار إلى مجهودات تحقيق الوفرة في محطات الوقود.

وذكر أن احتياجات البلاد من البنزين تقدر بأربعة آلاف طن في اليوم، وأن ما تنتجه مصفاة الخرطوم 3200 طن.

معتز موسى: الحكومة استوردت ما يكفي حاجة البلاد من الوقود (الجزيرة)

أزمة نقد
وقال مصدر حكومي للجزيرة نت إن السبب وراء تجدد أزمة الوقود يكمن في تأخر عمليات صيانة مصفاة الخرطوم في وقتها المحدد بسبب شح السيولة، إلى جانب عمليات التأهيل التي انطلقت منذ ستة أشهر للخط الناقل بين مدينة بورسودان في ولاية البحر الأحمر ومنطقة الجيلي في الخرطوم، مما أدى إلى بطء عملية نقل الوقود، فضلا عن عدم إيفاء الحكومة بالتزاماتها المالية للمتعهدين بشراء الديزل.

وأوضح المصدر أن "فشل الحكومة في سداد التزاماتها المالية في وقتها قاد الممولين للإحجام عن التوريد وأصبحوا يحتجزون السفن داخل المياه الإقليمية إلى حين السداد".

وأكد ضرورة إجراء عمليات صيانة للمصفاة في مدد متفاوتة، مشيرا إلى أن السعة الكلية للمصفاة الآن 65% فقط.

مشكلة عابرة
ورأى وزير النفط السوداني أزهري عبد القادر أن الأزمة الحالية عابرة، وعزاها لمطالبات شركات نقل الوقود بزيادة رسوم الترحيل، وتعهد بحلها دون اللجوء لزيادة أسعار الوقود.

واعترف الوزير في حوار نشر بصحيفة المجهر السياسي السودانية الأربعاء، بتراجع إنتاج الخرطوم من النفط من 125 ألف برميل يوميا إلى 75 ألف برميل في اليوم.

وأرجع ذلك لأسباب عدة بينها شح الإنتاج نتيجة تفاقم المقاطعة الأميركية لبلاده، ولجوء الحكومة لاستهلاك نصيب الشركاء المستثمرين من النفط، مما قاد لإحجامهم عن التمويل.

لكن الوزير أكد أن بلاده تمتلك احتياطا نفطيا يقدر بنحو مليار وستمئة ألف برميل، وذكر أن حاجة السودان تقدر بثلاثة بواخر غازولين شهريا بتكلفة تزيد عن 100 مليون دولار، بينما يغطي إنتاجه من البنزين حوالي 90% من الاستهلاك المحلي.

وأبدى عبد القادر تفاؤلا بأن يسهم انسياب نفط جنوب السودان عبر بلاده في حلّ أزمة الوقود وانتهاء مظاهر الطوابير أمام المحطات، لكنه أكد في الوقت نفسه أن ذلك لا يمثل الحل الجذري للأزمة.

وأشار إلى ضرورة زيادة عمليات التنقيب عن النفط، وذكر أن خطتهم تقوم على الاستفادة من رسوم عبور النفط من دولة جنوب السودان في زيادة الإنتاج لا سيما في حقل هجليج جنوبي السودان.

ومؤخرا توصلت دولتا السودان وجنوب السودان لاتفاق ثنائي يقضي بتعاون البلدين في عملية إعادة تأهيل حقول النفط وتصديره لا سيما بعد توقف معظمها مع اندلاع الحرب الأهلية في جوبا، على أن يأخذ السودان مقابل ذلك رسما يصل لنحو 28 دولارا للبرميل.

وتستعد الخرطوم الأسبوع المقبل لتصدير أول باخرة من النفط الجنوبي بحمولة 600 ألف برميل من أصل مليون برميل كانت قد وصلت إلى مدينة بورسودان شرقي السودان الأسبوع الحالي.

يعتقد مراقبون أن سبب أزمة الوقود يعود لشح السيولة في البلاد (الجزيرة)

فشل حكومي
ويرى الخبير الاقتصادي محمد الناير في حديث للجزيرة نت أن الأزمة الراهنة تؤكد عدم تمكّن الدولة من إدارة السلع الإستراتيجية بالطريقة المثلى، وتبين غياب التنسيق بين الجهات ذات الصلة لتسهيل انسياب المحروقات.

وأشار إلى تأثيرها سلبا على العملية الاقتصادية بالنظر لتأثر قطاعات مختلفة بها.

وشدد الناير على ضرورة تأمين الحكومة لاحتياطي مناسب من النفط، والاستفادة من علاقات البلاد الخارجية وزيادة إنتاج البترول، فضلا عن الاستفادة من بترول الجنوب عينا أي أن تستلم الرسم وقودا بوصفه حلا للمشكلة.

ويعتقد المحلل الاقتصادي ماهر أبو الجوخ أن السبب الأساسي للأزمة يمكن في تآكل احتياطي البلاد من النقد الأجنبي.

ورأى أن ذلك دفع بكري حسن صالح النائب الأول للرئيس السوداني في وقت سابق للاعتراف بعجز الحكومة عن توفير مبلغ مليوني دولار لتأمين شاحنات النفط إبان الأزمة الفائتة.

وأكد أن الحكومة تراهن في حل الأزمة على إعادة تشغيل حقول دولة جنوب السودان باعتبارها طوق نجاة، وأن أي تأخر في تشغيلها من شأنه أن يدخلها في حرج.

وسيطرت أزمة الوقود على مواقع التواصل الاجتماعي التي استنفرت للإعلان عن المحطات صاحبة الطوابير القليلة أو التي لديها وقود، وبعضها أخذ منها منصة للسخرية من الحكومة وتعاملها مع الأزمات بسياسة إطفاء الحرائق.

المصدر : الجزيرة