هل ينجح مجلس المنافسة المغربي بكسر الاحتكار وكبح الأسعار؟

يعتقد خبراء أن مجلس المنافسة المغربي سيكون له دور في ضبط النشاط الاقتصادي(رويترز)
يعتقد خبراء أن مجلس المنافسة المغربي سيكون له دور في ضبط النشاط الاقتصادي(رويترز)

مريم التايدي-الرباط

تحت وسم "#خليها_تقاقي" (اترك الدجاجة تقيق)، يخوض مغاربة حملة مقاطعة استهلاك الدجاج بعد ارتفاع سعره فوق سقف الثمن المعتاد.

وتحيي حملة المقاطعة الجديدة فكرة المقاطعة الشعبية للسلع والتوقف عن استهلاكها كرد فعل على ارتفاع الأسعار وعلى جشع الشركات والمنتجين نتيجة غياب المنافسة.

ويعيش المغاربة حالة احتقان يومي في مجالات عدة، حيث عاد قطاع النقل الطرقي لإعلان خوض إضراب وطني في مختلف مناطق البلاد، مما يؤثر على ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بشكل مباشر.

وتتسع دوامة الفعل ورد الفعل بين أطراف الدورة الاقتصادية، ودائما ما يتقاطع السبب وراء ذلك مع ارتفاع أسعار المحروقات التي لا تستجيب لتقلبات السوق الدولية والتي تفيد الشركات المحتكرة في تحقيق هوامش ربح كبيرة بشهادة تقارير رسمية (7 مليارات درهم أي نحو 700 مليون دولار هامش ربح إضافي للشركات).

أمام هذا الوضع ارتفعت أصوات عديدة تطالب بضرورة تفعيل الدور الرقابي لمجلس المنافسة الذي ظل معطلا طيلة أربع سنوات.

طول انتظار
في ظل واقع الاحتقان، وبعد مرحلة جمود لأكثر من أربع سنوات، عيّن ملك المغرب محمد السادس يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي رئاسة جديدة لمجلس المنافسة.

وأكد بلاغ للديوان الملكي على أهمية المجلس كونه "مؤسسة مستقلة مكلفة بضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، خاصة من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها، وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار".

ليبقى السؤال مفتوحا: هل سينجح المجلس في الرفع من تنافسية الاقتصاد؟ وهل يكبح جماح الاحتكار ويسهم في الحد من التلاعب بالأسعار؟

بعض مناطق المغرب تشهد بين الفينة والأخرى احتجاجات على خلفية مطالب اقتصادية واجتماعية (الجزيرة)

مهمة صعبة
لعل أول تحد سيواجهه المجلس الجديد هو حملات المقاطعة، التي لجأ إليها المغاربة لإعادة التوازن للسوق على طريقتهم الخاصة، في ظل الفراغ الذي شكله غياب المجلس.

ويرى خبراء أن المنافسة شكلت دائما الحلقة المفقودة في الاقتصاد المغربي لجلب الاستثمار وإعادة الثقة للمستهلك والإدارة كحكم محايد ونزيه بين مختلف الفاعلين.

ويعتقد الخبير الاقتصادي محمد ياوحي في حديث للجزيرة نت أن الدولة تجد نفسها أمام ضغط شعبي غير مسبوق بسبب تغول الشركات المحتكرة وتضرر المواطن من هيمنتها، بجانب حالة الركود والإفلاس الواسع للشركات الصغيرة والمتوسطة على خلفية صعوبات في تسديد القروض وأداء أجور العمال.

وحيال هذا الوضع، يقول ياوحي إن "الإدارة الجديدة لمجلس المنافسة مطالبة بشجاعة كبيرة لمواجهة اللوبيات الاحتكارية".

وحاولت الجزيرة نت الاتصال بالرئيس الجديد لمجلس المنافسة إدريس الكراوي، إلا أنه اعتذر عن الإدلاء بأي تصريح، معتبرا أن الأمر سابق لأوانه.

من جانبه يقول الخبير الاقتصادي عادل الخصاصي إن "تفعيل عمل مجلس المنافسة بتجديد هياكله يعتبر مدخلا حقيقيا لضبط النشاط الاقتصادي والنأي به عن الممارسات المنافية للمنافسة الشريفة والمتعارضة مع الاحتكار والريع".

لا تنمية دون منافسة
ويؤكد الخصاصي أن مجلس المنافسة يشكل لبنة رئيسية لتكريس النموذج التنموي المغربي المنشود.

ويوضح الخبير في التشريع المالي أن المغرب سعى لاعتماد سياسة المنافسة القائمة على أساس الشفافية وعدم التمييز والمساواة ومحاربة جميع أشكال الممارسات المنافية للمنافسة والتركيز الاقتصادي والاحتكار، وذلك توخيا لتحقيق التنمية المستدامة.

الأمر نفسه يقره ياوحي، الذي يقول "ننتظر أدوارا أهم وأكبر يقوم بها مجلس المنافسة لإنهاء عقود من هيمنة لوبيات كبرى ريعية على المشهد الاقتصادي مما يشكل عرقلة وحاجزا أمام أي نموذج تنموي منشود".

ويحظى مجلس المنافسة في القانون الجديد بالسلطات التقريرية، بالإضافة إلى تمتعه بالاستقلالية المالية والقانونية.

ويعتقد الخبراء أن من شأن ذلك أن يسهم بشكل إيجابي في ضبط الممارسات الاقتصادية والتجارية وحماية المنافسة.

شهد المغرب مقاطعة واسعة لبعض المنتجات في محاولة لمواجهة غلاء الأسعار (مواقع التواصل الاجتماعي)

هل يُكبح الجشع؟
وأظهر تقرير لمعهد واشنطن في وقت سابق أن نحو 10% من السكان -الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة وبعض السياسيين وكبار ضباط الجيش وضباط القصر والمغاربة الأثرياء- يعيشون حياتهم بشكل منفصل تماما عن معظم المغاربة، وأن ثمة فرصا ومصادر رزق مختلفة تماما متاحة أمامهم، مقابل تدهور القدرة الشرائية لـ90% من المواطنين.

ويرى الخصاصي أن المقاطعة الشعبية الأخيرة لبعض المواد الاستهلاكية عكست الغضب من ممارسات تجارية تستفيد من الريع وتتجاوز قواعد المنافسة الشريفة.

وعن الرهان المنتظر من الإدارة الجديدة للمجلس في كبح الجشع والاحتكار، قال ياوحي "هذا يتوقف على قدرة المجلس على مواجهة اللوبيات المتحكمة في مفاصل الاقتصاد، ومستوى قدرة المجلس على استعمال كل الصلاحيات التي يخولها له الدستور".

ويوضح الخصاصي أن نقل تحليلات ومناهج متبعة على الصعيد الدولي إلى المغرب دون مراعاة لخصوصيات النسيج الاقتصادي والاجتماعي، يسائل الأسس السليمة لتأهيل الشركات المغربية في وجه المنافسة الاقتصادية.

وخلص الخصاصي في تحليله إلى أن "قوانين التشريع المالي تعتبر قوانين تحرير وليست تشريعات ضبط".

أما الخبير الاقتصادي محمد ياوحي فيقول "إذا لم يستطع مجلس المنافسة تغيير طبيعة الاقتصاد المغربي من اقتصاد يطغى عليه الريع، ويخدم مصالح فئة محدودة ومحظوظة، فإن أي مخطط تنموي سيبوء بالفشل لا محالة".

المصدر : الجزيرة