"البَال".. ملابس أوروبية مستعملة تغري فقراء المغرب

بائع: لولا ملابس "البَال" لما وجد عدد كبير من المغاربة ما يستُرون به أجسادهم (الجزيرة)
بائع: لولا ملابس "البَال" لما وجد عدد كبير من المغاربة ما يستُرون به أجسادهم (الجزيرة)

ماجدة أيت لكتاوي-الرباط

"فرصة ومناسبة، المُونْطو بخمسين درهم"، ينادي عبد الرحيم بصوته الجهوَري وسط "سوق الثوب" المعروف بمدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط، مقلّبا كومة من المعاطف اختلفت خاماتها وألوانها وجمع بينها السعر.

لم يمنعه الجو الماطر من عرض سلعته القادمة من وراء البحار والاحتماء تحت خيمة بلاستيكية لم تحمه من البلل، فلا يمكن لباعة الملابس المستعملة المعروفة بـ"البَال" أن يفوّتوا فرصة العمل خلال يومي السبت والأحد مهما كلَّفهم الأمر.

وتصير الأصوات أعلى فيما تتنوع عبارات مدح جودة الملابس المعروضة وثمنها الزهيد، لتغوي جيوب الفقراء وتخاطب ذوق الميسورين ورغباتهم الجامحة في ارتداء ملابس جيدة بالرغم من كونها مستعملة، أما الأهم فهو أنها تحمل أسماء أرقى دور الأزياء الأوروبية والعالمية.

لم يكن من السهل على الجزيرة نت إقناع باعة "البَال" بالكلام، فعدد كبير منهم امتنعوا عن الحديث دون إبداء سبب واضح، فيما رفض آخرون ذلك بدعوى أن التصريح للصحافة سيجرُّ عليهم الويلات وقد يقطع مورد رزقهم الوحيد.

وبالعودة إلى المسار الذي تقطعه أطنان الملابس المستعملة أسبوعيا، انطلاقا من مختلف الدول الأوروبية ووصولا إلى الأسواق الشعبية في المغرب، مرورا بمدينتي سبتة ومليلية اللتين تحتلهما إسبانيا والخاضعتين لسلطاتها، يتضح أن هذه التجارة غير قانونية وتعتبر عملا غير نظامي.

دثار الفقراء وولع الميسورين
يقول عبد الرحيم بلهجة واثقة "لولا ملابس البَال لما وجد عدد كبير من المغاربة ما يسترون به أجسادهم"، قبل أن يجيب شابة بادرت إلى سؤاله عن ثمن سترة تحمل علامة "زارا" التجارية، متابعا حديثه للجزيرة نت بأن "لمغاربة يُقبلون على البال من مختلف الفئات والأعمار، وتبقى النساء زبونات قارَّات ووفيات".

التقطت الشابة خيط الكلام مؤكدة حرصها على زيارة محل عبد الرحيم نهاية كل أسبوع، في انتظار وصول "بالَة" (رزمة ملابس) جديدة، قد تجد فيها سروالا أو سترة أو معطفا في حال جيدة وقابل للاستعمال مدة طويلة، والأفضل من ذلك أن تحمل علامة عالمية وبثمن لا يتعدى ثلاثة دولارات أو أربعة.

العين الثاقبة والنفَس الطويل هما سرُّ الطالبة الجامعية في اختيار بعض قطع الملابس المستعملة، تقلّبها ذات اليمين وذات الشمال وتدقق في تفاصيل القطعة وعلامتها التجارية. وكم من مرة وقعت يداها على ثوب جديد غير مستعمل أبدا، أو فيه عيب خفي يجعل الشركة المنتجة تتخلص منه.

رغم الأمطار يعمل بائعو "البال" على كسب قوت يومهم (الجزيرة)

ما كادت الشابة تنهي حديثها حتى بادرتها سيدة معها طفلتان بالقول إنها تشتري لابنتيها ملابس من محلات كبرى، إلا أنها تصير باهتة الألوان وبحال يرثى لها عقب شهور قليلة.

من أوروبا إلى المغرب
شركات ملابس عالمية وجمعيات تعيد تدوير الملابس المستعملة وحاويات النفايات وغيرها، كلها أماكن تضم ملابس يتم التخلص منها بشكل دوري، إما لتقادمها أو لعيوب خفية تشوبها؛ فتجمع وتباع لشركات متخصصة بقصد ترويجها وتصديرها إلى خارج أوروبا.

تُفرَز الملابس بحسب النوع والجنس والسن، وتجمع على شكل رُزَم مضغوطة "بالات"، ثم تباع لكبار تجار الملابس المستعملة، قبل أن يعمل مهربون مغاربة على جلبها إلى مليلية -الخاضعة للنفوذ الإسباني- وتخزينها، ثم يختفون عن الأنظار فاسحين المجال لمساعدين يقومون بمهمة التوزيع والنقل إلى وجهات مختلفة داخل البلاد.

بالنسبة لعبد الرحيم الذي خبر أسرار الحرفة منذ عشرين سنة، يبقى خيار تسلم بضاعته من معبر "باريتْشينو" بالناظور أفضل من الناحية المالية، فتنقُّله يقلل من عدد الوسطاء والمبالغ المدفوعة، وإن كان في الأمر مخاطرة أمنية وقانونية.

لم يستطع عبد الرحيم تحديد ثمن "رُزم" الملابس التي يجلبها من الشمال، مؤكدا للجزيرة نت أن سعر كل "بالة" يختلف باختلاف ما تحويه، وإن كان ثمن الكيلوغرام الواحد يتراوح ما بين دولارين وسبعة دولارات بحسب نوعية الألبسة، "نشتري رزما دون فتحها، وتبقى جودة الملابس داخلها في حكم الغيب، مما قد يعرّض صفقاتنا للخسارة".

والخسارة، كابوس يتفاداه التجار مهما كان نوع سلعتهم، أما بائعو "البال" ممن لا يملكون محلات فيدعون الله ألا تُمطر السماء أو تسوء الأجواء.

يقول عبد الرحيم بصوت متأثر: "عند الخلود للنوم، أدعو الله ألا أصاب بوعكة صحية في اليوم الموالي، حتى أضمن قوت أبنائي اليومي، فما يصلنا يُعدّ فُتاتا لتبقى حصة الأسد من الأرباح في يد كبار التجار والمهربين".

ينفض الرجل استياءه ما إن يتبادر إلى مسامعه صوت بائع الأحذية المستعملة قبالته، ليواصل بدوره المناداة الأقرب إلى الصراخ، وكأنه يُنفِّس عما في دواخله، قبل أن ينشغل باحتساب عدد القطع التي اختارتها الشابة الجامعية مثنيا على حسن اختيارها.

المصدر : الجزيرة