لماذا رفعت البنوك المركزية وتيرة شرائها للذهب؟

يعتقد الخبراء أن الذهب يشكل  الملاذ الآمن بالأزمات (رويترز)
يعتقد الخبراء أن الذهب يشكل الملاذ الآمن بالأزمات (رويترز)

محمد أفزاز-الجزيرة نت

تشير المعطيات إلى أن البنوك المركزية عبر العالم رفعت من وتيرة شرائها للذهب خلال الفترة الأخيرة، وسط حديث عن توجه بعض الدول مثل روسيا نحو تخفيف مستوى حيازتها للدولار الأميركي، ورغبة دول أخرى في الاستفادة من الأسعار المغرية للمعدن الأصفر في الوقت الحالي.
 
بيد أن خبراء يعتقدون بأن السياسات "العنيفة" التي تنتهجها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتجاه الشركاء التجاريين تخلق حالة عدم اليقين، وتدفع عددا من العواصم العالمية إلى الاحتماء بالذهب كملاذ آمن للحفاظ عل قيمة ثرواتها.

تقول صحيفة ليزيكو الفرنسية إن انخفاض سعر الذهب بالأسواق العالمية -إلى أدنى مستوى منذ أكثر من عام- لم يترك البنوك المركزية مكتوفة الأيدي حيال هذا الأمر.

فقد حازت بولندا تسعة أطنان من الذهب في يوليو/تموز وأغسطس/آب فقط، وذلك لأول مرة منذ عشرين عاما، وفق بيانات صندوق النقد الدولي.

وهذا يشير -حسب الصحيفة- إلى أن انجذاب البنوك المركزية للذهب آخذ بالازدياد، خاصة في ظل وجود دول أخرى لجأت هي الأخرى لشراء الذهب لأول مرة منذ سنوات.

وتوضح ليزيكو أن هذه التحركات لا تشكل شيئا أمام روسيا وتركيا وكزاخستان التي استحوذت على 86% من عمليات حيازة الذهب خلال النصف الأول من هذا العام، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.

فالمركزي الروسي اشترى لوحده 383 طنا من الذهب خلال يناير/كانون الثاني 2017 وحتى يوليو/تموز 2018، بحسب الصحيفة.

وتنقل الصحيفة عن محللين أن تعطش روسيا للذهب ليس على وشك أن يجف، حيث إن البلاد تراكم الذهب لتنويع احتياطاتها من العملات الأجنبية، بجانب استخدامها للذهب كاحتياطي دولي يمكن أن يقلل من الاعتماد على الدولار في ظل العقوبات الأميركية عليها.

ويقول آخرون -وفق الصحيفة- إن الرغبة على ما يبدو في التخلص من الدولار تلعب دورا مهما في زيادة وتيرة شراء الذهب. ويضيف هؤلاء أن هذا الأمر جاء بسبب مزيج من التوترات الجيوسياسية ونظرة الدولار على المدى البعيد والتغيرات الهيكلية بالتجارة العالمية.

وتشير بيانات مجلس الذهب إلى أن احتياطي الذهب المملوك -من قبل البنوك المركزية العالمية- ارتفع إلى 33 ألفا و800 طن حتى سبتمبر/أيلول 2018.
دول مثل الصين وروسيا تتجه لتقليل حيازتها للدولار (رويترز)

ملاذ آمن
يقول جمعة المعضادي الرئيس التنفيذي لشركة "الدار" للصرافة -في حديث للجزيرة نت- إن الذهب أضحى الملاذ الآمن الوحيد حاليا سواء للأفراد أو المؤسسات والدول.

ويربط ذلك بعدم وضوح الرؤية خلال العام المقبل في ظل السياسات "العنيفة" للإدارة الأميركية على الصعيد التجاري والاقتصادي.

ويعتقد المعضادي أن هناك تخوفا من أن يتشكل نظام اقتصادي وتجاري بديل لما هو قائم حاليا، ومؤسسة بديلة لمنظمة التجارة أو بديل للدولار نفسه، كردة فعل على ممارسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وستتضح الرؤية الفترة المقبلة بشأن ما إذا كانت الدول ستقتنع بما تقوم به إدارة ترامب -والكلام للمعضادي- أم أنه ستكون هناك ردة فعل عكسية من قبل التكتلات والاقتصادات ذات النفوذ الأقوى مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين باتجاه استحداث آليات أخرى للتعاون التجاري والاقتصادي والمالي، أو تشكيل سلة لتسهيل المبادلات تشمل ليس فقط العملات بل والسلع الرئيسية مثل الغاز والنفط والذهب على سبيل المثال.

ويشير إلى أن الصين تقوم منذ سنوات بتكثيف الاستثمار المباشر في الأسهم العالمية والذهب مقابل خفض حيازتها للسندات الأميركية، لكنه أوضح أن السندات تكون عليها عوائد بينما الاستثمار في الذهب يتوقف على ارتفاع أو نزول قيمته بالأسواق.

الذهب للأزمات
من جهته، يقول المحلل الاقتصادي قاسم محمد قاسم إنه في وقت الأزمات يلجأ الناس -وبالمثل الدول- إلى حيازة الأصول العينية للحفاظ على قيمة ما يملكون مقابل حيازة الأصول الورقية غير المغطاة باحتياطات حقيقية.

ويضيف -في حديث للجزيرة نت- أن السياسات الأميركية الحالية تجعل المستقبل أكثر غموضا من ذي قبل، مما يدفع الدول إلى عدم وضع بيضها في سلة واحدة (أي الدولار أو عملات أخرى) ومن ثم اللجوء إلى الذهب باعتباره عودة للقواعد، كما يقول.

ويعتقد قاسم أن الدول تحاول أن تحمي نفسها من المفاجآت التي قد تحرق الأخضر واليابس، خاصة في ظل خشية كبيرة من عدم وضوح اتجاهات أسعار النفط واشتداد وتيرة العقوبات على إيران وروسيا والضغوط الأميركية على منظمة الدول المصدرة للنفط.

ويقول: في ظل عدم الوضوح لا غضاضة من أن تشتري البنوك المركزية ذات الثقل الكبير (الصين وروسيا والهند والبرازيل) بوليصة التأمين ضد المخاطر -وفق تعبيره- وذلك من خلال حيازة مزيد من الذهب.

ويرى المحلل الاقتصادي أن التأثير على هيمنة الدولار بمثل هذه التحركات سيكون ضئيلا، لكن التأثير التراكمي مع مرور الزمن يبقى مهما جدا، مشيرا إلى أن هناك استعدادا لدى الدول لمزيد من التحوط للمستقبل في ظل حرب تجارية يخوضها ترامب ضد بكين وشركاء تجاريين آخرين.

المصدر : وكالات,الصحافة الفرنسية,الجزيرة