عصا الصين الغليظة

ستيفن أس روتش

ترتكب الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترمب خطأ فادحا باستهدافها الصين، حيث يبدو أنها تفكر في فرض مجموعة واسعة من العقوبات الاقتصادية والسياسية عليها، بدءا من فرض رسوم جمركية باهظة على الواردات وتصنيف الصين بأنها "متلاعبة بالعملة"، إلى دعم تايوان وتجاهل ما يقرب من أربعين عاما من السياسة الدبلوماسية التي تدخل في إطار ما يسمى بسياسة الصين الواحدة.

وهذه الإستراتيجية سوف تأتي بنتائج عكسية، فهي تعتمد على الاعتقاد الخاطئ بأن الولايات المتحدة الأميركية -التي أصبحت قوية مجددا- لديها كل أوجه النفوذ في التعامل مع خصمها المفترض، وعلى الاعتقاد بأن رد الفعل الصيني لا يستحق عناء التفكير؛ وهذا غير صحيح على الإطلاق.

الاعتماد المتبادل
صحيح أن الولايات المتحدة واحدة من أكبر الأسواق للصادرات الصينية، مما جعلها حجر الزاوية في مسيرة التنمية المذهلة للصين والتي استمرت 35 عاما، ومن المؤكد أن غلق السوق الأميركي سيتسبب في عرقلة النمو الاقتصادي للصين.

ازدهار الصناعة الصينية اعتمد على تصدير المنتجات إلى الولايات المتحدة (الأوروبية)

لكن الولايات المتحدة أيضا تعتمد اعتمادا كبيرا على الصين التي تعد الآن ثالث أكبر سوق للصادرات الأميركية والأسرع نموا. وبصفتها مالكة لما يزيد على 1.25 تريليون دولار من السندات وأصول أخرى مقومة بالدولار، فقد لعبت الصين دورا محوريا في سد العجز المزمن الذي أصاب الميزانية الأميركية، مما يعني فعليا أنها أقرضت الكثير من مدخراتها الفائضة للولايات المتحدة التي تهاونت لدرجة كبيرة في ادخار ما يكفي لدعم اقتصادها.

وهذا الاعتماد ثنائي الاتجاه -وهو المرادف لما يسميه علماء النفس "الاعتماد المفرط على الشريك"- له جذور عميقة، فبالعودة إلى بداية الثمانينيات في أعقاب الثورة الثقافية التي خلفت وراءها اقتصادا متهالكا، كانت الصين في حاجة ماسة إلى مصدر جديد يزيد من نموها الاقتصادي، وكانت الولايات المتحدة -بعد تعرضها لنوبة مدمرة من الركود التضخمي في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات- في حاجة إلى وصفة اقتصادية جديدة، لكن المستهلك الأميركي الذي عانى من الصعوبات المالية حل كلتا المشكلتين، إذ أصبح مصدرا قويا لدعم النمو الصيني الخارجي وانتفع من انخفاض أسعار المنتجات الصينية.

لعبت الصين دورا محوريا في سد العجز المزمن الذي أصاب الميزانية الأميركية، مما يعني فعليا أنها أقرضت الكثير من مدخراتها الفائضة للولايات المتحدة التي تهاونت لدرجة كبيرة في ادخار ما يكفي لدعم اقتصادها

وهكذا دخل كلا البلدين في علاقة كزواج المصلحة الذي يخدم مصالح كلا الطرفين، فقامت الصين ببناء اقتصاد قوي على نحو متزايد باعتبارها المنتج المطلق، بينما تبنت الولايات المتحدة مبادئ المستهلك المطلق.

وفي نهاية الأمر أصبحت انعكاسات صور بعضهما بعضا والتفاعلات بين الاقتصادين مريحة بشكل متزايد ولا يمكن الاستغناء عنها، لدرجة أن هذين الشريكين اللذين يعتمد أحدهما على الآخر بشكل مفرط أصبحا حريصين على الحفاظ على الهوية الاقتصادية لكل منهما، ففتحت الولايات المتحدة الأبواب كي تنضم الصين لمنظمة التجارة العالمية في عام 2001، وهي الخطوة التي تعد قاعدة للصعود الصيني باعتبارها المنتج المطلق. وساعدت رغبة الصين الشرهة في امتلاك السندات في أوائل القرن الحادي والعشرين في الحفاظ على انخفاض معدلات الفائدة الأميركية واستمرار أسواق الأصول التي مكنت المستهلك المطلق من العيش جيدا بما يفوق إمكانياته، إلى أن تغيرت الأحوال إلى الأسوأ في سنة 2008.

علاقة شديدة التدمير
وكما هي الحال مع الإنسان، فإن الاعتماد المفرط على الشريك من الناحية الاقتصادية ما هو إلا علاقة شديدة التدمير في نهاية المطاف. وقد ضلت كلٌّ من الولايات المتحدة والصين طريقهما بسبب إشباع رغباتهما عن طريق الاعتماد المفرط، فأصبح كل منهما متورطا بدوره في خدمة الآخر حتى كبت كل منهما شعوره بالذات اقتصاديا. وهنا يكمن تحول كبير في مسار الاعتماد المفرط، حيث ينظر أحد الشريكين نظرة ثاقبة إلى الداخل ويهاجم الآخر بشدة من أجل استعادة هذا الجزء المفقود من هويته.

مظاهرة ضد ترمب في هونغ كونغ (الأوروبية)

ومن هنا انضم ترمب إلى المعادلة عن طريق استهداف الصين باعتبارها الشرير الذي يمنع أميركا من أن تكون دولة عظمى، وقد جمع ترمب فريقا عالي المستوى من المستشارين التجاريين أصحاب الرأي نفسه من أجل التخطيط للهجوم، من بيتر نافارو مدير المجلس القومي للتجارة إلى ويلبر روس وزير التجارة وروبرت لايتهايزر الممثل التجاري للولايات المتحدة وريكس تيلرسون وزير الخارجية، وهو ما يجعل من تحيز الإدارة الأميركية ضد الصين حالة غير مسبوقة.

إلا أن هذه الخطة الهجومية تتجاهل خطرا كبيرا وهو أن الاعتماد المفرط على الشريك يؤدي إلى درجة عالية من ردود الأفعال، فإذا غيَّر أحد الشريكين قواعد التعامل فإن الآخر يشعر بالإهانة ويرد عليه بالمثل.

ففي أعقاب المحادثة الهاتفية المستفزة التي جرت بين ترمب ورئيسة تايوان تساي إينغ ون، لم يتفوه المسؤولون الصينيون المذهولون إلا بالقليل في البداية، لكن حين بدأت تتبلور إستراتيجية ترمب المعادية للصين هددت وسائل الإعلام الرسمية الصينية باستخدام "العصا الغليظة" للدفاع إذا لزم الأمر.

وهذا يتوافق بشدة مع ما يمكن توقعه من مرحلة رد الفعل لزعزعة الاعتماد المفرط، فالصين -وهي الشريك المحتقر- تهدد برد الضربة، وعلى الولايات المتحدة الآن أن تواجه العواقب.

الانتقام الصيني
وبسبب ثقة إدارة ترمب الزائدة بأن الولايات المتحدة ليس لديها ما تخافه، فإنها ستشعر قريبا بانتقام الصين الناجم عن غضبها الجامح. وإذا ما نفذت الصين تهديداتها فمن المتوقع أن ترد بفرض عقوبات على الشركات الأميركية العاملة هناك ثم فرض رسوم جمركية على الواردات، وهذا ليس بالأمر الهين على الاقتصاد الاميركي الذي يحتاج للنمو. ويتوقع أيضا من الصين ألا تهتم بشراء ديون الخزانة، وهي مشكلة خطيرة نظرا لأن العجز في الميزانية الفدرالية مرجح أن يستمر تحت إدارة ترمب للاقتصاد.

يعتمد المستهلكون الأميركيون -الذين يعانون من ضغوط مستمرة فيما يتعلق بدخولهم ووظائفهم- على الأسعار المنخفضة من أجل الصمود، وإذا تسببت سياسة ترمب تجاه الصين في رفع الأسعار فستكون الطبقة المتوسطة أكبر خاسر
لكن أكبر مأساة للولايات المتحدة ربما تكون أن الخسائر الناجمة عن كل هذا ستنعكس على المستهلك الأميركي. سيقوم مبدأ "أميركا أولا" -سواء على حساب الصين أو عن طريق ما يسمى بـ"توزيع ضريبة الحدود" التي تبدو كأنها سمة أساسية لإصلاح ضرائب الشركات المقترح- بفك سلاسل التوريد العالمية التي تخفض أسعار السلع الاستهلاكية في الولايات المتحدة.

ويعتمد المستهلكون الأميركيون -الذين يعانون من ضغوط مستمرة فيما يتعلق بدخولهم ووظائفهم- على الأسعار المنخفضة من أجل الصمود اقتصاديا، وإذا تسببت سياسة ترمب تجاه الصين في رفع الأسعار فستكون الطبقة المتوسطة أكبر خاسر على الإطلاق.

يشكل الاعتماد المفرط للصين وأميركا على بعضهما بعضا تحديا كبيرا لإستراتيجية ترمب المعادية للصين، فهي تؤدي إلى احتمالات لا يحمد عقباها بالنسبة لأكبر علاقة اقتصادية في العالم، بالإضافة إلى تداعيات مأساوية على باقي أنحاء العالم.

--------------------------------------------
عضو هيئة التدريس في جامعة ييل، ورئيس بنك مورغان ستانلي في آسيا سابقا، ومؤلف كتاب "العلاقة غير المتوازنة: الاعتماد المتبادل بين أميركا والصين".

المصدر : بروجيكت سينديكيت