سياسة ترمب ومستقبل التجارة العالمية

صباح نعوش

تحتل الولايات المتحدة مركز الصدارة في التجارة العالمية، فقد سجلت المرتبة الأولى في وارداتها السلعية البالغة 2413 مليار دولار والمرتبة الثانية في صادراتها البالغة 1621 مليار دولار. ولها المرتبة العالمية الأولى في تجارة الخدمات من حيث الواردات والصادرات، وتشكل التجارة الخارجية الأميركية 8.4% من التجارة العالمية، ويتسم الميزان التجاري بالعجز المزمن منذ ثلاثة عقود، وقدر العجز بمبلغ 525 مليار دولار في العام المنصرم.

تستحوذ كندا على المرتبة الأولى في الصادرات الأميركية، تليها المكسيك ثم الصين، في حين تحتل الصين المرتبة الأولى في الواردات الأميركية (21.5%)، تليها كندا فالمكسيك.

بسبب هذه المكانة المرموقة تلعب الولايات المتحدة دورا بارزا في جميع المحافل الاقتصادية الدولية ومن بينها منظمة التجارة العالمية، إذ أن جميع الاتفاقات المتعددة الأطراف المنبثقة عن هذه المنظمة لم تجد تطبيقا لها إلا بموافقة الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وتعتمد هذه الاتفاقات على تحرير التجارة العالمية من القيود الكمية والرسوم الجمركية، وبالتالي فهي تعبر عن مصالح هذه الدول.

الولايات المتحدة أكبر مستورد للسلع في العالم (رويترز)

ولكن ظهرت في الولايات المتحدة اتجاهات عكسية ترى تناقضا بين هذا التحرير والتقدم الاقتصادي خاصة في ميدان التشغيل، فقد أكد الرئيس الجديد ضرورة حماية المنتجات الأميركية من المنافسة الأجنبية خاصة الصينية.

حالات السماح بالحماية
وفق الاتفاقات التجارية المتعددة الأطراف، لا يجوز القيام بعمليات تجارية مبنية على منافسة غير مشروعة، فلا يحق للدول اللجوء إلى الإغراق أي تصدير سلعة بسعر يقل عن سعرها في السوق المحلية، وفي حالة الإغراق يسمح للدولة المستوردة بفرض رسوم جمركية مرتفعة، كما لا يحق للدول منح إعانات لصادراتها. وفي حالة وجود هذه الإعانات يحق للدولة المستوردة فرض رسوم تعويضية.

وفي جميع الحالات، يفترض ألا تتخذ الدولة المتضررة (المستوردة) إجراءات انفرادية بل عليها اللجوء إلى جهاز فض المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية للحصول على قرار بزيادة الرسوم الجمركية وفق تلك الاتفاقات.

لكن الإدارة الأميركية الجديدة مصرة على فرض رسوم جمركية مرتفعة بإرادتها المنفردة على جميع السلع المستوردة خاصة من الصين والمكسيك بغض النظر عن الإغراق والإعانات.

إن السياسة الأميركية الجديدة لا تعير أهمية لانعكاسات الحماية على الدول المصدرة، وبالتالي تتطلب هذه السياسة تعديل تلك الاتفاقات، لكن التفاوض للوصول إلى هذا التعديل سيستغرق وقتا طويلا ولن يقود إلى نتائج، فهو يقود إلى تغيير جذري للنظام التجاري العالمي، كما سيواجه معارضة شديدة أوروبية وصينية ويابانية وكندية، لذلك لا يمكن تطبيق حماية جمركية واسعة النطاق إلا بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية، وقد أشار الرئيس الأميركي الجديد إلى مثل هذا الاحتمال.

الانسحاب من منظمة التجارة العالمية
تبدو أهمية المنظمة في التقرير الحكومي الصادر في 14 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (التقرير الأميركي المقدم إلى المنظمة بمناسبة الفحص الدوري للسياسة التجارية الأميركية) الذي يذكر في فقرته الأولى أن منظمة التجارة العالمية عنصر أساسي من عناصر السياسة الأميركية في ميادين التجارة والاستثمار، ويؤكد التقرير استمرار الدعم لها ويشيد بجهاز فض المنازعات التابع لها لاهتمامه بتحقيق الشفافية في السياسات التجارية للدول الأعضاء.

لا شك في أن هذا التقرير أعد تحت ظل الإدارة السابقة، لكنه يعبر عن المصالح الأميركية بغض النظر عن التصريحات الانتخابية، وهذا الموقف الإيجابي من المنظمة مكرر حرفيا في التقارير الحكومية للسنوات 2010 و2012 و2014.

مقر منظمة التجارة العالمية في جنيف (رويترز)

إن تحرير التجارة الخارجية الأميركية الذي ساهم في ارتفاع الواردات الصينية لم يقد إلى تفاقم البطالة، إذ توضح الإحصاءات الأميركية أن معدلات البطالة تسجل هبوطا واضحا سنويا، فقد كانت 9.9% في عام 2010 وتراجعت تدريجيا لتصل إلى 4.9% في عام 2016، في حين يصل المعدل العام للبطالة إلى 10.5% في فرنسا و11.8% في البرازيل و18.9% في إسبانيا، ولم نجد إشارات من حكومات هذه الدول تربط تفاقم البطالة بمنظمة التجارة العالمية.

لقد اتخذت الولايات المتحدة قرارات جمركية لمعالجة البطالة في الثلاثينيات من القرن المنصرم، لكن سرعان ما تراجعت عنها عندما تبين عدم فاعليتها.

ومن زاوية أخرى، لا تقتصر قرارات الحماية الجمركية الشاملة على إرادة الرئيس بل تستوجب موافقة الكونغرس، وهذه الموافقة غير أكيدة إذ لا يوجد لدى الحزب الجمهوري برنامج تجاري يعتمد على الحماية في التجارة الخارجية، بل تشير التقارير إلى تمسك غالبية الجمهوريين بالتبادل الحر. عندئذ تنتفي الحكمة من الانسحاب من منظمة التجارة العالمية.

خطورة الصراع الأميركي الصيني
في إطار منظمة التجارة العالمية قدمت الولايات المتحدة 37 شكوى ضد الدول الأعضاء فيها خلال الفترة بين 18 مارس/آذار 2004 و18 يناير/كانون الثاني 2017، منها 21 شكوى ضد الصين. وبين 26 مارس/آذار 2002 و12 يناير/كانون الثاني 2017 قدمت الصين 15 شكوى ضد الدول الأعضاء في المنظمة، منها عشر شكاوى ضد الولايات المتحدة.

إن اللجوء إلى جهاز فض المنازعات ولو مرة واحدة دليل على تعذر التوصل إلى حل عن طريق المباحثات الثنائية، ورغم ذلك يمكن إدراج هذه الخلافات ضمن العلاقات الطبيعية بسبب ضخامة المبادلات التجارية بينهما.

لكن النزاعات أخذت منحنى آخر حاليا، فالإدارة الجديدة ترى ضرورة فرض رسوم جمركية عالية على جميع الواردات من الصين التي تستخدم سياستها النقدية لأغراض تجارية، وبالفعل قررت بكين في عام 2015 تخفيض القيمة التعادلية لليوان بنسبة 1.8% مقابل الدولار، أدى هذا القرار إلى انخفاض أسعار السلع الصينية المصدرة للولايات المتحدة، وباتت هذه السلع تتمتع بميزة تنافسية جديدة تضاف إلى الميزات الأخرى المتمثلة بضآلة كلفة الإنتاج في الصين مقارنة بالولايات المتحدة.

لكن الاتفاقات المتعددة الأطراف لا تعتبر انخفاض قيمة العملة المحلية ممارسة تجارية غير مشروعة. وبالتالي لا يحق للولايات المتحدة اتخاذ أي إجراء ضدها، فجميع الدول لا سيما الصناعية الكبرى تستخدم السياسة النقدية لأغراض تجارية، كما لم ينجم الهبوط الحالي لأسعار صرف اليوان عن قرارات صينية بل عن الارتفاع الذي يشهده الدولار مقابل العملات الأخرى.

تسعى الإدارة الجديدة إلى فرض رسوم جمركية على السلع الصينية بأسعار تتراوح بين 25% و45%، علما بأن المعدل العام للرسوم الجمركية الأميركية لا يتجاوز 3.5%.

في حالة تنفيذ هذه الحماية الشديدة سوف تتدهور صادرات الصين وتتكبد بالتالي خسائر مالية فادحة. وسوف يتراجع نموها وتتردى جميع مؤشراتها الاقتصادية، والجدير بالذكر أن الصادرات الصينية للولايات المتحدة بلغت 518 مليار دولار، أي ما يعادل الإيرادات النفطية الكلية للسعودية والإمارات والعراق والكويت مجتمعة.

الصين هي أكبر مصدر سلع للولايات المتحدة (الأوروبية)

ستدافع بكين إذن عن مصالحها بتخفيض جديد لقيمة عملتها، وسوف تضطر واشنطن إلى اتخاذ إجراء مماثل للرد على الصين، وسيفضي ذلك إلى تخفيض اليورو والين والعملات الأخرى، وهكذا سيدخل العالم في دوامة التخفيضات النقدية فترتفع معدلات التضخم.

هذه بداية أزمة اقتصادية جديدة لا تقتصر انعكاساتها على الدول المتصارعة بل تنتقل عدواها إلى مناطق لا علاقة لها بالنزاع الأميركي الصيني كالعالم العربي وبخاصة بلدان مجلس التعاون التي يعتمد استهلاكها وإنتاجها على الواردات، أي كلما زاد التضخم في الدول الصناعية ارتفعت الأسعار في الخليج.

أضف إلى ذلك أن السياسات النقدية والإجراءات الجمركية التي تقود إلى التضخم تؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار الفائدة، ويترتب على ذلك تباطؤ الاستثمارات من جهة وتفاقم خدمة الديون من جهة أخرى، عندئذ يهبط الاستهلاك في جميع أنحاء العالم ويتراجع النمو ويزداد معدل البطالة ويرتفع مستوى الفقر.

سواء انسحبت الولايات المتحدة من منظمة التجارة العالمية أم لم تنسحب منها، سوف تؤثر سياستها التجارية تأثيرا بالغا في تنظيم التجارة العالمية، وستكون هذه السياسة سببا أساسيا لعرقلة أعمال المؤتمرات الوزارية المقبلة للمنظمة وعائقا أمام اتفاقات تجارية جديدة.

-------------------------------
باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة