هل يخفف وقف استيراد السلع علة اقتصاد السودان؟

بعض الخبراء يعتقدون أن احتكار بنك السودان تصدير الذهب خلف آثارا تضخمية (الجزيرة نت)
بعض الخبراء يعتقدون أن احتكار بنك السودان تصدير الذهب خلف آثارا تضخمية (الجزيرة نت)
عماد عبد الهادي-الخرطوم

أطلق خبراء اقتصاديون سودانيون صفتي "الريعي والجبائي" على الاقتصاد السوداني الذي ما يزال يعاني من هزات جعلته يتباطأ أمام أي خطة للنمو، على الرغم من الإجراءات المتكررة التي ظلت تتخذها الحكومة، وفق هؤلاء.

ومع توالي ارتفاع معدلات التضخم التي وصلت إلى نحو 34% واستمرار تدهور الجنيه أمام الدولار الأميركي، قررت الحكومة حظر استيراد نحو عشرين سلعة أملا في إيجاد حلول اقتصادية تكبح جماح الانفلات الحاصل.

لكن خبراء الاقتصاد يرون أن تلك القرارات لم تمس جوهر العاصفة التي تهز الاقتصاد الكلي "لأنه يعاني من خلل عام".

ووفق الخبير الاقتصادي أحمد مالك فإن الاقتصاد الحالي "ريعي جبائي" يعتمد على الجباية والصفقات الآنية السريعة، وهو نسخة جديدة من الاقتصاد الإقطاعي الذي يهتم بعائدات الجمارك والضرائب والرسوم المختلفة، وفق تعبيره.

ويرى -في حديث لـ الجزيرة نت- أن مخصصات أكثر من ألف ما بين وزير اتحادي وآخر ولائي ونحو ثلاثة آلاف وظيفة دستورية، مع الصرف على الأمن في البلاد، كلها تشكل أهم عوامل هدم الاقتصاد.

مالك: الاقتصاد الحالي "ريعي جبائي" (الجزيرة)

منع المضاربات
ولا يجد الاقتصاد السوداني -وفق متابعين- معادلة لقيمة وارداته المقدرة بنحو تسعة مليارات دولار أميركي مقابل صادرات لا تتعدى قيمتها ثلاثة مليارات دولار في حجم اقتصاد مقدر بنحو عشرة مليارات دولار، مع إيرادات ضريبية (جبائية) بنحو 80% من الموازنة العامة للدولة.

وكانت الحكومة تأمل أن يغطي ما تنتجه البلاد من معادن وعلى رأسها الذهب (نحو 95.1 طنا) ما خسرته بفقدان عائدات البترول التي انتقلت إلى دولة جنوب السودان بعد الانفصال عام 2011 "قبل أن يتحول الذهب نفسه إلى سلعة يتم التعامل فيها خارج رعاية الحكومة".

وألحقت الحكومة قراراتها السابقة بأخرى منعت بموجبها كافة البنوك من تمويل النشاط التجاري المحلي، آمرة إياها بتوجيه تمويلها إلى الإنتاج وذلك لتشجيع المنتجين من جهة، ومنع مضاربات التجار في المنتجات المحلية المختلفة من جهة ثانية.

وطبقا لمبررات البنك المركزي فإن سياساته وقراراته الجديدة تهدف إلى تحقيق معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 5.3%، واحتواء معدلات التضخم في حدود 17% بالمتوسط، إلى جانب إحداث استقرار في سعر الصرف من خلال زيادة موارد النقد الأجنبي وترشيد الطلب عليه، مع تحسين موقف ميزان المدفوعات.

والحكومة مسؤولة عن تدهور الاقتصاد وتدهور العملة الوطنية، ذلك ما قاله وزير المالية الأسبق ورئيس اللجنة الاقتصادية بالبرلمان علي محمود الذي أكد أن مشاكل الاقتصاد تعود إلى سياسة الحكومة بشراء العملات الحرة من السوق الموازي "الأسود" لاستيراد المحروقات ما أدى إلى تدهور الجنيه.

من جهته، يقول أستاذ الاقتصاد بجامعة النيلين حسن بشير للجزيرة نت إن القوانين لن تؤدي إلى علاج حالة تضخم جامح وكساد تسببت فيه بعض السياسات الخاطئة.

وبرأيه، فإن قرار بنك السودان ووزارة التجارة ومعالجات وزارة المالية تدل على تخبط وقصر بالرؤية الكلية للاقتصاد "لأن الأزمة لابد أن تعالج في إطار سياسات كلية واضحة بدلا منها جزئية مؤقتة".

أزمة عميقة
وباعتقاد بشير، فإن ما يجري أكبر دليل على عدم وجود سياسة اقتصادية مبنية على حقائق محددة، لافتا إلى أن الاقتصاد "يعاني أزمة عميقة".

وعلى الرغم من الانتقادات التي تواجهها السياسات الحكومية فيما يخص الاقتصاد وتراجع الجنيه أمام الدولار (26 جنيها مقابل دولار واحد) فإن هناك من يرى أن قرار وقف التمويل الداخلي سيغلق باب المضاربات بالمنتجات المحلية.

ويدلل المحلل الاقتصادي محمد الناير على ذلك في إمكانية تثبيت الحكومة لأسعار المنتجات المحلية مقارنة بتذبذبها في الماضي.

بشير: الاقتصاد السوداني يعاني أزمة عميقة(الجزيرة)

لكنه يعود ليعتبر أن الإجراءات الجديدة هي معالجات للمدى القصير بما يفقد البلاد ما بين ستة وثمانية مليارات دولار أميركي سنويا.

وبدلا من إنشاء بورصة للذهب والمعادن بما يوفر نحو أربعة مليارات دولار -يؤكد الناير- لجأت الحكومة للشراء والتصدير "واحتكر بنك السودان تصدير الذهب أو من ينوب عنه مما خلق آثارا تضخمية كنتيجة حتمية لفشل تلك السياسات".

لكن وزارة المالية -ووفق مصدر مسؤول بها- فإن المعالجات الجديدة ستسهم بقدر كبير في استقرار سعر صرف الجنيه مقابل الدولار "بل ستؤدي نهاية المطاف إلى معالجة كلية لمشكلات الاقتصاد".

المصدر : الجزيرة