السيسي يعتبر المصريين أغنياء.. فماذا تقول الأرقام؟

أرقام المؤسسات المحلية والدولية تعكس أن الأوضاع المعيشية للعوائل المصرية ازدادت سوءا خلال السنوات الأخيرة (الجزرة نت)
أرقام المؤسسات المحلية والدولية تعكس أن الأوضاع المعيشية للعوائل المصرية ازدادت سوءا خلال السنوات الأخيرة (الجزرة نت)
عبد الرحمن محمد-القاهرة
 
هل نحن فقراء أم لدينا أموال كثيرة؟ باستنكار وسخرية، تساءل محمد عبد الخالق عن حقيقة أحوال المصريين عقب تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي وهو يخاطب مستثمرين بالمنتدى السنوي الأفريقي (الكوميسا) قائلا إن السوق المصرية "ضخمة جدا" وإن المصريين أغنياء ولديهم أموال كثيرة سواء كانوا مستثمرين أو مواطنين عاديين.

عبد الخالق الذي يعمل موزعا بإحدى شركات الألبان في مصر استغرب في حديث للجزيرة نت ما اعتبره تعميما في حديث السيسي "بعيدا كل البعد عن الواقع".

وقال إن خطاب السيسي يحمل تناقضا واضحا مع خطابات سابقة موجهة للمصريين، رسَّخ لديهم فيها إحساسهم بالعوز والافتقار لأي مقومات الغنى.

وكان السيسي كرر جملة "نحن فقراء جدا" ثلاث مرات خلال مؤتمر للشباب أقيم بأسوان مطلع العام الجاري، في تبريره للحالة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، كما سبق أن ردد عبارات تؤكد فقر مصر وعدم قدرتها إعطاء مواطنيها ما يريدون بسبب الوضع الاقتصادي.

هذا التناقض رآه مراقبون انعكاسا طبيعيا للسياسة التي ينتهجها الرئيس في تعاطيه مع الأطراف المختلفة، حيث يرون أنه يسعى من خلال إظهار قلة إمكانيات الدولة للتنصل من أي التزام تجاه أفراد الشعب، في حين يحاول من خلال الحديث عن غناهم وتوفر الأموال في السوق المصرية دغدغة مشاعر المستثمر الأجنبي.

غير أن الحديث عن غنى المواطنين يتنافى مع ما ذكره آخر تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بمصر من ارتفاع نسبة الفقر إلى 27.8% في 2015، بعد أن كانت 25.2% في 2011.

ويرى مراقبون أن النسبة الحقيقية أكبر من ذلك بكثير، ويتوقع خبراء وصولها هذا العام إلى حد غير مسبوق.

ويقول الصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي عمرو خليفة إن معدلات الفقر التي أوردها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء ليست دقيقة، مشيرا إلى تقارير غير رسمية تؤكد تجاوز نسبة الفقر لـ 40% خاصة بعد تحرير سعر صرف العملة المحلية.

السيسي شدد مؤخرا على أن المصريين أغنياء ولديهم الكثير من المال (الأوروبية)

تنصل وتبرير
وربط في حديث للجزيرة نت بين "محاولات السيسي الدائمة تحميل المواطنين تبعات الأزمات الاقتصادية وتنصله من واجبات نظامه تجاههم"، وبين تأكيده فقر الدولة وعدم قدرتها على تلبية احتياجاتهم.

وأضاف أن الرئيس يستدعي الحديث عن ثراء المواطنين كحجة تبرر له لزيادة حجم الجباية الضريبية وتقليص مزيد من الدعم لخفض الموازنة العامة للدولة.

وقد أظهرت بيانات جهاز الإحصاء بلوغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 26.5 ألف جنيه خلال العام المالي الماضي (الدولار يساوي 17.7 جنيه مصري)، في حين وصل متوسط نصيب الفرد من الدين الخارجي أكثر من 14 ألف جنيه في يونيو/حزيران 2017 مقابل 8400 في الشهر نفسه من عام 2013.

لكن تقديرات غير رسمية تفيد ببلوغ نصيب المواطن من إجمالي الدين العام 45 ألف جنيه، 31 ألفا منها للدين المحلى و14 ألفا للدين الخارجي.

ووفق هذه التقديرات، فإن متوسط نصيب الفرد من الدين العام يساوى 170% تقريبا من متوسط نصيبه من الناتج المحلي، وهو ما يعني تجاوز الحدود الآمنة بشكل كبير.

ويشير الخبير الاقتصادي محمد كمال عقدة إلى أن السيسي يلتزم بخطابين متباينين، أحدهما موجه للشعب والآخر للمستثمر الأجنبي، وهو "لا يحمل هم وصول أي من الخطابين للآخر، ويحاول من خلال خطابه للمستثمر إظهار أن البلد بها قوة شرائية عالية ومغرية وسبيل سهل للربح".

تدافع المصريين للحصول على الخبز يناقض الغنى الذي تحدث عنه رئيسهم (الجزيرة)

تضارب وفساد
ويرى في حديث للجزيرة نت أن الخطابين بعيدان عن الحقيقة وبنيا على معطيات غير صحيحة، ويتجاهل فيهما السيسي المشكلة الحقيقية التي تواجه نظامه وهي الفساد المستشري في دولاب الدولة، واتباعه سياسات متضاربة تسببت في تدهور اقتصادي واسع، وإنفاق للمال العام في غير محله، وفق تقديره.

ولفت إلى أن تقييم البنوك الدولية لأي أصول استثمارية لها علاقة بالجنية المصري سيظل سلبيا بدرجة كبيرة، حيث لا تتوقع مقدرة الدولة على السداد أو الاستثمار.

ويضيف أنه إذا تم الاستثمار في هذه الأصول المصرية فلا بد من الحصول على أرباح ضخمة لمعادلة المخاطر المتوقعة في البيئة المصرية، وهو ما يرفع كلفة الاستثمار في البلاد.

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن حديث السيسي منطقي ولا تناقض فيه، حيث يُرجع خطابه المتعلق بالفقر لحالة موازنة الدولة، وكونها مثقلة بارتفاع الدين العام الذي تلتهم فوائده وأقساطه نسبة كبيرة منها.

كما أنه لم يخالف الحقيقة حين تحدث عن مصر باعتبارها سوقا كبيرة يبلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة يملكون ثروة تقدر بنصف تريليون دولار، وبناء على هذه المعطيات فإن مصر وشعبها أغنياء جدا بينما الدولة فقيرة، حسب تعبير عبد المطلب.

المصدر : الجزيرة