بتكوين.. رحلة إثبات الذات بمواجهة الشكوك

محمد أفزاز-الجزيرة نت

لا تزال عملة بتكوين المثيرة للجدل تطرح تباينا في المواقف بين المتخصصين بشأن مستقبلها، فبينما يعتقد بعض الخبراء الماليين أن السماح بتداول البتكوين في بورصة شيكاغو للعقود الآجلة قد منح هذه العملة الافتراضية زخما إضافيا من الثقة وساعدها -إلى جانب عوامل أخرى- في أن تفرض نفسها في الأسواق، يرى آخرون أن الارتفاعات "المخيفة" التي شهدتها هذه العملة المشفرة يجعلها قابلة للانفجار في أية لحظة.

وتجاوز سعر العملة الافتراضية "بتكوين" 17 ألف دولار للواحدة في أول أيام تداولها ببورصة شيكاغو للعقود الآجلة. وبدأ تداول العقود الآجلة لبتكوين لآجل استحقاق يناير/كانون الثاني بسعر 15 ألفا و460 دولارا في نيويورك السبت ليلا، قبل أن ترتفع إلى 17 ألفا و170 دولارا في التداولات الآسيوية، ثم تنخفض قليلا إلى 17 ألفا و120 دولارا.

وقالت بورصة شيكاغو إنها قامت بتداول ثمانمئة عقد آجل لبتكوين في أول ساعتين من التداول.

ويقول المحلل المالي كامل وزنة إن الخطوة الأميركية بتداول بتكوين في بورصة شيكاغو للعقود الآجلة "منحها زخما إضافيا من الثقة التي تبحث عنها منذ إطلاقها.. لقد أصبحت واقعا مفروضا لا يمكن تجاهله".

ويضيف للجزيرة نت "شئنا أم أبينا فإن هذه العملة فرضت نفسها في الأسواق كأصول يمكن التداول عليها في الأسواق المستقبلية، مثل الذهب والنفط والمشتقات المالية".

ويشير وزنة إلى أن من بين العوامل التي تدعم الثقة بهذه العملة هو حجم المستثمرين فيها، والذي بلغ نحو 13 مليون مستثمر.

ولم يستبعد أن يكون السماح بتداول بتكوين في الأسواق المستقبلية الأميركية جاء بغرض ضبط هذه التداولات ومعرفة طبيعة المستثمرين في هذه العملة.

وزنة: لا أحد يمكنه التنبؤ بمستقبل البتكوين (الجزيرة)

حسابات مكشوفة
ويقول وزنة "إن التعامل بالبتكوين بالأسواق المستقبلية يتم من خلال حسابات مكشوفة، مما يعني القدرة على معرفة معلومات عن الأشخاص الذي يملكون هذه العملات والأغراض التي تحركهم".

كما لم يستبعد أن تشكل البتكوين -والعملات المشفرة الأخرى- بديلا لنظيراتها التقليدية، و"ربما كانت هذه العملة طريقا نحو تأسيس منظومة نقدية ومالية جديدة عبر العالم".

وأشار وزنة إلى أن قيمة البتكوين في الأسواق تقدر حاليا بنحو ثلاثمئة مليار دولار. وهو مبلغ -وفقا لوزنة- ربما تفوّق على قيمة عدد من الشركات الكبرى، بل احتياطات بعض البنوك المركزية في الوطن العربي، على غرار بنك لبنان المركزي الذي أعلن رفضه التعامل بهذه العملة المثيرة.

لكن وزنة أكد أنه لا يمكن لأحد التنبؤ بمستقبل البتكوين ومسار تطور أسعارها، واصفا إياها بالعملة الشديدة التقلب بين ارتفاعات وانخفاضات غير معهودة.

ويشكل تداول البتكوين في بورصة شيكاغو أول فرصة رسمية تتاح أمام المستثمرين المحترفين للاستثمار في عملة لطالما تجنبوا التعامل بها بسبب عدم وجود مصرف مركزي يسندها، وافتقارها إلى الشفافية.

ويحذر مسؤولو البنوك المركزية من عدم القدرة على التنبؤ بتحركات البتكوين، ومن المؤشرات التي تشير إلى أنها تشكل "أصل فقاعة" يمكن أن ينهار من حيث القيمة. 

ولا تملك العملات الرقمية المشفرة رقما متسلسلا، ولا تخضع لسيطرة الحكومات والبنوك المركزية كالعملات التقليدية، بل يتم التعامل بها فقط عبر شبكة الإنترنت، دون وجود مادي لها.

انفجار
ووصف الرئيس التنفيذي لشركة "دار للصرافة" جمعة المعضادي الارتفاعات التي شهدتها عملة بتكوين بالمخيفة، وقال للجزيرة نت إن "بتكوين تتحرك بشكل مريب وغير طبيعي، ولم نشهد تداولات بهذا الشكل مع أية عملة أخرى".

وأضاف "نحن نمتنع عن التعامل بهذه العملة ونحذر عملاءنا من التعامل بها أيضا، لأننا لا نعرف هويتها ومن أصدرها ولا نعرف الأصول التي تتمتع بها حتى نستطيع تحديد قيمتها الحقيقية".

المعضادي: عملة البتكوين مخيفة وتتحرك بشكل مريب (الجزيرة)

وتساءل كيف يدفع المستثمرون عملة حقيقية -وهي الدولار- ليحصلوا على عملة غير معروفة الهوية، وقابلة للانفجار في أية لحظة.

وقال المعضادي "إذا انفجرت هذه العملة ماذا سيفعل من يمتلكها، ومن سيعوضه في خساراته.. لا توجد جهة رسمية تصدر بتكوين حتى نطمئن لها".

وبالرغم من أن مثل هذه الخطوات ستفتح الباب لمزيد من التنظيم الرقابي، فإنها تسهل توسيع نطاق تبنيها؛ إذ إن العقود الآجلة والمشتقات الأخرى ستزيد سهولة تداول فئة الأصول الجديدة، وفق عدد من المراقبين.

وجاء في مقال بصحيفة وول ستريت جورنال أن شعبية البتكوين جاءت بدعم من تضافر عدد من التطورات الاقتصادية والمالية والثقافية.

وأشار المقال إلى أن الجهات المنظمة في بعض الدول -مثل اليابان- منحت موافقتها لتداول البتكوين، في حين أدى ارتفاع أسواق المال جنبا إلى جنب مع انخفاض معدلات البطالة في الولايات المتحدة الأميركية إلى حدوث نزعة قوية جعلت المستثمرين يتعطشون لخوض مغامرات أكثر خطورة.

مكاسب
وتشير الصحيفة إلى أن المكاسب التي حققتها بتكوين ترجع إلى تفوق الطلب على المعروض من وحدات هذه العملة المشفرة وعوامل أخرى تتعلق بارتفاع أداء البورصات العالمية، وانخفاض أسعار الفائدة، وارتفاع الثقة بالاقتصاد العالمي، مما جعل المستثمرين يطاردون بتكوين كعملة ذات ربحية كبيرة.

وتذكر الصحيفة أنه على الرغم من أن بعض الشركات قبلت بتداول العملة، فإن حجم التعاملات ظل قليلا، مما يجعل استخدام بتكوين وسيلة دفع أو مخزنا للقيمة موضوعا لا يزال بحاجة إلى جواب.

ويقول المحلل المالي نضال خولي -في تصريح سابق للجزيرة نت- "إن الوقوف أمام التطورات التكنولوجية أمر صعب للغاية، لذلك رأينا خطوات مثل الخطوة الأميركية للقبول بتداول بتكوين في محاولة لضبط تحركاتها"، وأضاف أن الخطوة الأميركية تعكس جزءا من محاولات أخرى لتطويع مثل هذه العملات وإدخالها ضمن الأدوات النقدية المركزية.

المصدر : الجزيرة + وكالات