تعاونية تداوي نزيف فقر قرويات مغربيات

سناء القويطي-الرباط

تنهمك امباركة المحبوبي في غربلة طحين القمح وهي متلثمة بوشاحها، وبين الفينة والأخرى تمتد يدها لترتشف رشفة من كأس شاي قبل أن تعاود العمل. وفي غرفة محاذية تنغمس مغربيات أخريات في فتل الطحين في قصعة بمهارة وإتقان إلى أن يتحول شيئا فشيئا إلى حبيبات الكسكسي.

ومثل خلية نحل، تعج تعاونية نساء البراشوة التي تأسست منذ أربع سنوات بالنشاط والحركة، وبين الحين والآخر تغرق هؤلاء النسوة في أحاديث مرحة وأخرى جادة لتمرير وقت العمل.

تكشف امباركة عن وجهها لتحكي بدايات مشروع بدأ بصفر درهم ورغبة جامحة في الانعتاق من ربقة الفقر؛ "كانت فكرة ناشط من أبناء قريتنا، ونحن تجاوبنا معها بحماس". وتضيف وهي توزع نظراتها على مقر التعاونية وهو عبارة عن بناء طيني مسقوف بالقصب، "بدأنا العمل من بيوتنا واستثمرنا ما ربحناه في بناء هذا المقر".

خارج البناية، تنشغل رئيسة التعاونية بشرى الخطابي بصف أكياس الكسكسي فوق طاولة، تتوقف للحظات لأخذ أنفاسها، وتوضح للجزيرة نت سبب إنشاء هذه التعاونية؛ "نريد توفير دخل مستمر للنساء القرويات وتحسين ظروف معيشتنا"، وهو هدف تتشاطره مع نحو ثلاثة آلاف تعاونية نسائية في البوادي المغربية.

وتتابع بشرى حديثها بنبرة لا تخلو من فخر؛ "لم تكن التعاونيات شائعة في هذه المنطقة"، فقد انطلقت لأول مرة من قريتهم "دوار المباركيين" التي تبعد نحو ستين كيلومترا شرق العاصمة الرباط لتنتشر في قرى مجاورة.

تتقاسم عضوات التعاونية أعباء إنتاج الكسكسي والأرباح الناتجة عن بيع منتجاتهن (الجزيرة)

وتحظى هذه المرأة الثلاثينية بدعم كبير من زوجها، وهو ناشط في المجتمع المدني في المنطقة، ولم يبخل عليها بأفكاره، وأخذ بيدها وبيد زميلاتها في سكة بدت لهن غامضة في الوهلة الأولى.

الأرباح والعمل
بأيديهن الحاذقة، تُحول نساء التعاونية حبوب القمح والشعير والذرة والعدس إلى كسكسي بنكهات الزعتر والنبق والخروب، وتتقاسم 12 عضوة بالتعاونية جزءا من الأرباح، ويدخرن الباقي من أجل تطوير العمل وتنمية رأس المال.

وكما يتقاسمن الأرباح يتوزعن على مراحل الإنتاج، وتقول امباركة "بعد فتل الطحين، نضعه في إناء مثقب يسمى الكسكاس تحته إناء به ماء مغلي لينضج، ثم نعرضه للشمس ليجف تحت أشعتها ويصبح جاهزا للتسويق".

وبكل ما أوتيت من عزم وقوة، تسعى هذه الأم لأربعة أبناء ثلاثة منهم في الجامعة إلى تخصيص ما تجنيه من مال لتغطية مصاريف دراسة أبنائها، ومساعدة زوجها في تلبية احتياجات البيت.

واقع القرية
تنزف قرية المباركيين بعدد أُسرها الستين فقرا وتهميشا، ويعمل أغلب سكانها أجراء في الضيعات الفلاحية. وكانت فاطنة الغالي، التي التحقت منذ أشهر بتعاونية نساء البراشوة، في ما مضى أجيرة بإحدى الضيعات، إلا أنها ـومع تقدمها في السن- لم تعد تتحمل البقاء تحت حرارة الشمس صيفا وبرودة الأجواء شتاء.

تعاونية نساء البراشوة تنتج أنواعا مختلفة من الكسكسي (الجزيرة)

وبرضا وقناعة، تقول هذه المرأة الخمسينية التي ترملت حديثا للجزيرة نت "ما أجنيه من مال يكفيني لتلبية احتياجاتي وابنتي ومصاريف دراستها".

بعد منتصف النهار بقليل، حل فوج من السياح بالقرية، وتشير إليهم فاطنة الغالي ويداها لا تتوقفان عن العمل قائلة "لقد تعودنا وجودهم، نستضيفهم دائما في قريتنا".

ويأتي السياح الباحثون عن لحظات سكينة إلى هذه القرية في نهايات الأسبوع ضمن رحلات تنظمها جمعية تنشط في السياحة التضامنية أسسها بعض الشباب، يستمتعون بطبيعتها الخلابة ويتناولون أطعمة محلية الصنع، وفي نهاية اليوم يشترون منتجات التعاونية.

طرق البيع
البيع للسياح إحدى طرق التسويق التي تعتمدها التعاونية، لكنها ليست الوحيدة، بل ينضاف إليها تزويد الأسواق التضامنية في المدن المجاورة باحتياجاتها من أنواع الكسكسي، وكذلك المشاركة في المعارض.

مقر متواضع لتعاونية نساء البراشوة وحصلت التعاونية على دعم مالي من برنامج حكومي للانتقال لمقر أكبر (الجزيرة)

وتقول رئيسة التعاونية إن التسويق لا يشكل عائقا لهم، إذ إن الطلب على منتجاتهم كبير، وتضيف "أهم عائق أمامنا هو مكان العمل والوسائل".

وبفضل مجهودات نساء التعاونية وتواصلهن الدؤوب مع المسؤولين، لاحت في الأفق القريب تباشير أيام سعيدة، إذ حصلن على دعم مالي من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (برنامج حكومي) سيمكنهن من اقتناء سيارة من الحجم الكبير، كما حصلت التعاونية على وعود بتوفير قطعة أرض لبناء مقر مناسب للتعاونية يستجيب لمعايير السلامة، ومن شأن ذلك جعل زيادة الإنتاج أمرا محسوما، ويشجع على انضمام نساء أخريات إلى التعاونية.

المصدر : الجزيرة