هل تنجح مساعي التخلص من قبضة الدولار؟

عدد من الخبراء يعتقدون أنه من الصعب التخلي عن الدولار في التعاملات التجارية لفائدة العملات المحلية (الجزيرة)
عدد من الخبراء يعتقدون أنه من الصعب التخلي عن الدولار في التعاملات التجارية لفائدة العملات المحلية (الجزيرة)

 خليل مبروك-إسطنبول
ورانيا دريدي-موسكو

تسعى أكثر من دولة عبر العالم للتخلص من قبضة الدولار في التعاملات الخارجية، تارة بالدعوة إلى استخدام العملات المحلية بديلا للعملة الأميركية كما هو الشأن بالنسبة إلى تركيا، وطورا بالتلويح باللجوء إلى تعظيم حضور العملة الأوروبية كما هو الحال بالنسبة لإيران، وتارة أخرى بالعمل على تكريس نظام نقدي جديد يقوم على ربط اليوان بالذهب مثلما تحلم الصين.

ولئن كانت الدواعي التي تقف وراء هذه التحركات يختلط فيها ما هو اقتصادي بما هو سياسي إلا أن الطريق لترجمة هذا الحلم على أرض الواقع لن يكون معبدا بالكامل، وفق ما يرى عدد من الخبراء الذين استطلعت الجزيرة نت آراءهم.

وقبل أيام قال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية محمد باقر نوبخت إن بلاده اتخذت خطوات عملية لإقصاء الدولار من تعاملاتها التجارية الدولية والتركيز على اليورو.

وأوضح نوبخت خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة الإيرانية طهران أن إيران ماضية في هذا الإجراء بالتعاون مع بلدان المنطقة مثل روسيا وأذربيجان.

وفي 4 أكتوبر/تشرين الأول الماضي أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الإيراني في طهران أن تركيا وإيران قررتا التعامل بالعملات المحلية في علاقاتهما الاقتصادية بهدف التخلص من ضغوط العملات الأجنبية.

كما دعا أردوغان لاحقا دول مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية -وهي تركيا وإيران وباكستان وبنغلاديش وماليزيا وإندونيسيا ومصر ونيجيريا- إلى استخدام العملات المحلية في التبادلات التجارية.

مخاوف
يعتقد المحلل الاقتصادي والخبير بمجال سوق الطاقة في شركة "روس إنيرجي" الاستشارية ميخائيل كروتيخين أن السبب الأول الذي يقف وراء عزم إيران التخلي عن التعامل بالدولار يكمن في خشية طهران من أن تحجز واشنطن بعض الأصول الإيرانية خلال مرورها عبر الولايات المتحدة، ذلك أن معظم التحويلات تمر عبر المصارف الأميركية، في وقت تشهد العلاقات الإيرانية الأميركية توترا كبيرا.

ويرى أن هناك سببا آخر يتعلق بـ"العامل الوطني البراغماتي للمواطن الإيراني"، فـ"الوطنية ورفض التعاون مع الولايات المتحدة -بما في ذلك رفض استخدام عملة الدولار- كل ذلك أسلوب دعائي طبيعي".

أما المحلل في المجال المالي بالأكاديمية الروسية الاقتصادية العليا أوليغ شيبانوف فيرى هو الآخر أن أي أصول أو مدفوعات بالدولار تمر عبر المصارف الأميركية التي يمكن تجميدها، وفي هذه الحالة سيتطلب الأمر منك جهودا كبيرة لتثبت أن هذه الأموال أموالك وأنك حصلت عليها بطريقة نزيهة، وفق تعبيره.

نوبخت: إيران اتخذت خطوات عملية لإقصاء الدولار من تعاملاتها التجارية (الجزيرة)

ويقول "إن نظام العقوبات الحالي صارم بما فيه الكفاية، خاصة فيما يتعلق بالمدفوعات بعملة الدولار، لذلك فمن المريح بالنسبة لإيران وروسيا استخدام العملات الأخرى".

ويعتبر شيبانوف أن رغبة إيران في استخدام العملات الأخرى في المدفوعات تبدو طبيعية لتوتر العلاقات بين طهران وواشنطن، أما بالنسبة لروسيا فإنه من الصعب جدا عليها تحقيق ذلك كون صادراتها الأساسية هي من النفط والغاز، في حين يتم عقد صفقات البورصات بالدولار، وعقدها بعملة اليورو أصعب بكثير.

لكن ذلك -برأي شيبانوف- لا يعني استحالة الانتقال إلى التعامل بالعملات الأخرى كون شركاء روسيا الأساسيين هم الصين والاتحاد الأوروبي.

ويذهب الخبير الاقتصادي التركي أردال كاراغول إلى أن تركيا وروسيا والصين تريد التخلص من ضغط الدولار والعملات الأجنبية الأخرى في تجارتها الدولية، معتبرا ذلك خطوة مهمة.

ويعتقد أنه بزيادة حجم التجارة بين هذه الدول تزيد الحاجة إلى العملات المحلية بدل العملة الأميركية.

أما الباحثة في الشؤون الاقتصادية بمركز ستا التركي للدراسات صالحة كايا فترى أن الهدف من التعامل بالعملات المحلية هو تقليل الخسارات المتعلقة بتقلبات أسعار العملات الأجنبية في الأسواق.

وفي خطوة نحو بناء نظام نقدي جديد ينافس النظام النقدي القائم منذ الحرب العالمية الثانية ويهيمن عليه الدولار تتجه الصين أكبر مستوردة للنفط بالعالم لتقويم العقود الآجلة للنفط بالعملة المحلية والمقومة بالذهب، بجانب مساع صينية روسية لإنشاء نظام تسوية فوري بين اليوان والروبل.

تقليل الخسارات
وبخصوص فرص نجاح مسار التعامل بالعملات الوطنية في المبادلات التجارية الدولية عوضا عن الدولار تؤكد صالحة كايا أن التعامل بالعملة المحلية سيؤدي إلى أرباح معتبرة على المدى البعيد لغياب الخسارة الناتجة عن تقلب أسعار العملات.

من جانبه، يعتبر أردال كاراغول أن فرص نجاح هذا المسار يستلزم تحقيق الانسجام والتقارب بين الأنظمة الاقتصادية والمصرفية بين هذه الدول بجانب القيام بمشاريع مشتركة، مما سيعظم من دول العملات المحلية.

ويقول "دور العملة المحلية ربما يكون محدودا الآن لكن ستزيد الحاجة إليها بشكل ملحوظ في الفترة المقبلة". 

أردوغان أكد أن تركيا وإيران قررتا التعامل بالعملات المحلية في علاقاتهما الاقتصادية (الجزيرة)

بالمقابل، يعتقد كروتيخين أن تجارب كهذه -خاصة تلك التي تم تنفيذها في روسيا- كانت فاشلة، ويقول إن "تحويل جزء كبير من الصفقات والمعاملات التجارية باستخدام عملات غير الدولار لم يفلح".

ويضيف كروتيخين أن الجزء الأساسي في تجارة إيران يتعلق بالنفط والغاز، لذلك فإنه إن لجأت الصين إلى الدفع باستخدام عملتها اليوان بدلا من الذهب أو الدولار مقابل النفط فإنه سيكون من الصعب على طهران استخدام عملتها كونها غير قابلة للتحويل.

تهديد
وعما إذا كانت مساعي هذه الدول ستهدد عرش الدولار أكد كروتيخين أن عملة الدولار محصنة، وقال "حتى الآن كل ذلك يقتصر على الإعلانات الدعائية وكل المحاولات الرامية لاستبدال (العملة الأميركية) والتقليل من تأثيرها في النظام المالي العالمي كانت وستبقى فاشلة".

وقالت الباحثة صالحة كايا هي الأخرى "لا أعتقد أن التجارة بالعملة المحلية ستؤثر على مكانة الدولار العالمية لأنها تجارة محدودة وغالبا ما تكون بين بلدين". وأضافت أن "سيطرة الدولار على السوق العالمي باقية، ربما نستطيع القول إنها ستؤثر على عرش الدولار في تركيا لكن ليس بالمستقبل القريب".

وعلى النقيض بدا أردال كاراغول واثقا بأن مثل هذه الإجراءات ستهدد الدولار، وهو أمر ليس في صالح العملة الأميركية.

المصدر : الجزيرة