أزمة مالية في إقليم كردستان العراق

* صباح نعوش

فشل تقاسم الإيرادات
تفاقم المديونية
اتفاقات

يعاني إقليم كردستان العراق من أزمة مالية خانقة ستؤثر تأثيراً خطيراً على مالية "الدولة" وعلى أجيالها اللاحقة.

ووفق حكومة الإقليم يبلغ احتياطي نفط كركوك ستين مليار برميل، وترى كمية مماثلة في المناطق الأخرى، بمعنى أن الإقليم يحتوي على نفط يعادل تقريبا المناطق العربية العراقية.

وتشير هذه التقديرات إلى القدرة على التحول إلى دولة مستقلة وغنية، لكنها تدخل في إطار الدعاية المبالغ فيها لأنها تستغل عدم التمييز بين الاحتياطي المؤكد والاحتياطي المحتمل.

فقد تختزن أراضي إقليم كردستان كمية من النفط أكبر حتى من هذه التقديرات، لكنها كمية جيولوجية محتملة لا قيمة لها من الناحية الاقتصادية. أي لا يمكن استخراجها وفق الأساليب التكنولوجية المتوفرة حاليا، وليست مجدية من الناحية التجارية.

وهنالك تقديرات أكثر واقعية تشير إلى 45 مليار برميل بما فيها خامات كركوك. وعلى هذا الأساس يعادل نفط إقليم كردستان العراق 69% من نفط البصرة و29% من نفط العراق. علما بأن كركوك وحتى عام 2014 لم تكن في أي وقت تابعة لإقليم كردستان.

أما إلحاقها به فهو ناجم عن التطورات العسكرية في السنوات القليلة المنصرمة وعن ضعف الحكومة المركزية، ناهيك عن عدم جدوى هذا الاحتياطي إن لم يجد أنبوبا لتصدير إنتاجه.

فشل تقاسم الإيرادات
اتفقت الحكومة المركزية مع كردستان العراق على دفع 17% من الإنفاق الجاري والاستثماري للميزانية الاتحادية إلى الإقليم (المادة الثامنة من الميزانية لعام 2017). وبكيفية عامة يفترض أن تمثل هذه النسبة حوالي 12 مليار دولار.

وفي المقابل، على حكومة الإقليم تسليم 550 ألف برميل من النفط يوميا إلى الحكومة المركزية عن طريق شركة سومو.

باتت أزمة الديون خطيرة لأن الإقليم حتى قبل تأسيس دولته يقترض لا لتحسين الطاقة الإنتاجية للنفط والغاز الطبيعي أو لتطوير صناعته بل لسداد ديونه

والواقع أن هذا الاتفاق لم يطبق سواء تعلق الأمر بالمركز أم بالإقليم. فالحكومة المركزية تعاني من أزمة مالية خانقة بسبب انهيار أسعار النفط وارتفاع النفقات العسكرية والأمنية وتراكم الديون، إضافة إلى استشراء الفساد المالي.

أما حكومة إقليم كردستان العراق فلا يمكنها الالتزام به لتعاقدها مع شركات نفطية مباشرة دون المرور بشركة سومو.

كما تتطلب خدمة الديون تخصيص كميات كبيرة من النفط بل تستوجب أيضا إعادة التعاقد مع هذه الشركات لمنحها امتيازات نفطية إضافية.

وبالنظر لضعف المصادر المالية الصناعية والزراعية بل حتى الضريبية والسياحية، اضطر إقليم  كردستان العراق إلى تأجيل دفع مرتبات الموظفين الأمر الذي أدى إلى استياء شعبي واسع ضد بغداد وإلى تغذية الدافع الانفصالي.

 هناك تقديرات تشير لوجود احتياطيات بـ 45 مليار برميل نفط بإقليم كردستان العراق (رويترز-أرشيف) 

وتعتمد نسبة 17% على عدة أسس في مقدمتها عدد السكان إقليم كردستان قياساً بسكان العراق.

لكن حكومة الإقليم تنتقد بشدة طريقة حساب حصتها. ففي مذكرة صادرة عنها، تناقش موقفها من الطريقة المعتمدة التي تعتبرها "مؤامرة ضد الكرد".

ويتضح من هذه المذكرة اهتمام "كردستان العراق" بالمبلغ الفعلي الذي يستلمه الإقليم من بغداد. ويحصل على خمسمئة مليار دينار شهريا (حوالي خمسة مليارات دولار في السنة). في حين تقدر حاجته الشهرية بمبلغ 1352 مليار دينار.

ويرى المسؤولون بالإقليم أن المبلغ المرصد لا يكفي حتى لدفع الرواتب الشهرية للموظفين البالغة 880 مليار دينار. وبالتالي يستحيل دفع المستحقات المالية المترتبة لشركات النفط وخدمة الديون. هنالك إذن خلاف جوهري بالأسس المعتمدة لتحديد حصة الإقليم.

وينطلق المركز من عدد سكان كردستان قياسا بعدد سكان العراق. وتعتمد أربيل على المبلغ الفعلي الذي يصلها مقارنة باحتياجات الإقليم، علما بأن الطريقة التي يعتمدها غير منطقية لأن بغداد لا تسهم بتحديد تلك الاحتياجات. وبالتالي لا يتأتى عدم كفاية المبلغ من قلة الإيراد بل من تضخم الإنفاق.

وتبين المذكرة بوضوح أن المسؤولين بالإقليم يفضلون بيع النفط مباشرة دون المرور بشركة سومو، وهذا ما ترفضه بغداد لأنه يمثل صورة من صور الانفصال عن السياسة الاقتصادية العراقية. كما يمثل خرقاً للمادة 111 من الدستور العراقي التي تعتبِر النفط ملكا لجميع العراقيين.

تفاقم المديونية
تعاني ميزانية كردستان العراق من عجز مزمن ناجم عن الفساد المالي وارتفاع مستمر للإنفاق المدني والعسكري مقابل تراجع مستمر للإيراد العام نتيجة تباطؤ أسعار النفط، الأمر الذي أفضى إلى تفاقم الديون فوصل حجمها إلى 22 مليار دولار.

إن هذا المبلغ هائل مقارنة بالإمكانات التجارية والمالية للإقليم، كما أنه يثير مشكلة خطيرة أمام السياسة المالية للدولة القادمة.

وتشكل الديون الكردية 83% من الناتج المحلي الإجمالي للإقليم، أي أن المعدل السنوي لدخل الفرد الكردي 4650 دولارا ومعدل ديونه 3860 دولارا.

ستصبح أربيل في حالة الانفصال مدينةً لبغداد بـ 19.2 مليار دولار ويصبح حجم الديون الكردية 41.2 مليارا أي 155% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة الجديدة

وديون الإقليم مستحقة بالدرجة الأولى لمؤسسات تركية من بينها مليار دولار لمقاولين أتراك، و1150 مليونا قرض تركي بثلاث دفعات، و1240 مليونا لشركات نفطية تركية عاملة في حقول شيخان وجمجمال وكورمور.

وباتت أزمة الديون خطيرة لأن الإقليم حتى قبل تأسيس دولته يقترض لا لتحسين الطاقة الإنتاجية للنفط والغاز الطبيعي أو لتطوير صناعته، بل لسداد ديونه.

وأوضح مثال على ذلك علاقته بشركة دانة غاز الإماراتية، فقد اقترض قبيل الاستفتاء مليار دولار من شركة روسنفت الروسية لسداد قسط من ديونه المستحقة للشركة الإماراتية البالغة 2239 مليون دولار.

واضطر الإقليم إلى هذا الاقتراض لأن دانة غاز رفعت دعوى ضده أمام المحاكم البريطانية بسبب عدم وفائه بديونه، الأمر الذي أدى إلى الإضرار بالوضع المالي للشركة، وما ينجم عن ذلك من تدهور السمعة المالية للإقليم وخلق مناخ غير مناسب للانفصال.

وبسبب تراكم مستحقات الشركات، اضطرت حكومة الإقليم إلى إجراء ترتيبات جديدة معها، وجميع هذه الاتفاقات مبنية على المشاركة في الإنتاج، وبموجبها تحصل الشركة الأجنبية من مبيعات النفط أو الغاز الطبيعي على المبالغ التي أنفقتها في عملياتها، ثم يجري توزيع الأرباح الصافية.

ويتفق الطرفان على فترة المشاركة، بمعنى أن ملكية حقول النفط والغاز الطبيعي مرتهنة طيلة هذه الفترة، لذلك تسبب هذه الاتفاقات خسائر مالية فادحة للمالية العامة وللأجيال القادمة.

اتفاقات
وفيما يلي بعض الاتفاقات التي أجريت قبيل الاستفتاء الانفصالي، فقد أبرم اتفاق بين الإقليم وشركة "دي أن أو" النرويجية لتسوية مستحقاتها، وينص على زيادة حصتها في الأرباح بنسبة 20% ولمدة تنتهي عام 2022.

وهنالك اتفاق آخر مع شركة جينل إنيرجي التركية التي حصلت على مشاركة في الأرباح بنسبة 4.5% وللفترة نفسها.

أما المتبقي من مستحقات دانة غاز البالغ 1139 مليون دولار فقد تمت تسويته عن طريق زيادة أرباح الشركة بنسبة 22% لمدة طويلة تستمر حتى عام 2049.

ستتمخض عن استقلال الإقليم مقاطعة عراقية تركية إيرانية ضد التجارة الخارجية الكردية، وسيترتب عليه الاستغناء عن الأنبوب النفطي الرابط بين كركوك وجيهان

وعلى إثر هذا الاتفاق، ارتفعت قيم أسهم الشركة الإماراتية في سوق أبو ظبي بنسبة عالية جدا قدرها 14.1% بداية سبتمبر/أيلول المنصرم. في حين سجلت أسهم جميع الشركات الأخرى المدرجة ركودا واضحا.

ومن زاوية أخرى، سيقود انفصال الإقليم إلى إعادة النظر في الحسابات. فقد اقترضت الحكومة المركزية أموالا من الداخل والخارج تحولت إلى ديون بمبلغ 113 مليار دولار. ولما كان الإقليم من المستفيدين من هذه الأموال، ولما كانت حصة كردستان المتفق عليها 17% فإن أربيل (في حالة الانفصال) ستصبح مدينة لبغداد بمبلغ 19.2 مليار دولار. بمعنى آخر سيكون حجم ديون الإقليم 41.2 مليارا أي 155% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة الجديدة.

ويعاني  إقليم كردستان العراق من مشاكل مالية خطيرة ناجمة عن تفاقم الديون الخارجية والعقود النفطية والغازية المجحفة والسياسة المالية الفاشلة.

وستتمخض عن استقلال الإقليم مقاطعة عراقية تركية إيرانية ضد التجارة الخارجية الكردية. وسيترتب عليه الاستغناء عن الأنبوب النفطي الرابط بين كركوك وجيهان. أمام هذا الوضع يصبح قيام دولة كردية مستقلة وغنية أمرا غير ممكن.

------------------------------------

 * باحث اقتصادي عراقي

المصدر : الجزيرة