برامج الإصلاح الاقتصادي الخليجي: انطلق، تمهل، توقف، تراجع

في الفترة الأخيرة، تبنت الدول الخليجية برامج ومبادرات لتنويع اقتصاداتها؛ في محاولة للانعتاق من قبضة الاقتصاد الريعي المتضعضع جراء انخفاض إيرادات النفط وظهور بدائل متزايدة للوقود الأحفوري، مع تضخم الإنفاق العام لأسباب ديموغرافية واقتصادية واجتماعية وسياسية.

اختلفت الآراء والتقييمات حيال مستويات نجاعة تلك البرامج والمبادرات، ومن ثم احتمالات نجاحها أو فشلها؛ ففريق متفائل هنا وآخر متشائم هناك، ويتوسط فريق ثالث بينهما، وفق شروط يراها ضرورية، إن في أبعادها الاقتصادية أو المجتمعية.

سأضرب صفحا عن إعطاء نسب مئوية لكل فريق؛ لسببين: أولهما أننا لا نتوفر على أدوات دقيقة لقياس الرأي العام الخليجي تجاه هذه المسائل، وثانيهما أن البعض قد يفسر هذه النسب التقريبية بميل الكاتب لهذا الفريق أو ذاك، مما يفوت التركيز على جوهر المقال، وهذه "دودة القراءة" في عالمنا العربي، وثمة دُود آخر. 

دول الخليج تبحث عن بدائل اقتصادية بعيدا عن النفط (رويترز)

تركيزي في هذا المقال ينزع نحو إيجاد تصنيف لحالات النجاعة والنجاح في تحقيق الأهداف المتوخاة لتنويع الاقتصاد الخليجي. ولتقريب هذه المسألة توسلت بصورة مجازية ملتقطة من إشارات المرور الضوئية، كما هي في شوارع المدن والقرى التي نعيش فيها، وقبل عرض هذه الصورة المجازية، يلزمني إيضاح بعض الجوانب الأساسية:

  • (1) بشكل عام، يمكننا القول إنه لكي تنجح هذه البرامج والمبادرات يتوجب توفر نوعين من العوامل:

الأولى: عوامل مجتمعية؛ هذه العوامل توجب الوفاء بالمتطلبات اللازمة من الناحية الاجتماعية والسياسية؛ وفقا للتقديرات الشعبية والاستحقاقات المتراكمة في كل بلد. ثمة فكرة تؤول إلى أن تصبح حقيقة مسلمة، مفادها: الإصلاح السياسي يصبح أمرا ملحا وربما حتميا، كلما كان الإصلاح الاقتصادي كبيرا وماسا بجيوب الناس.

الثانية: عوامل فنية؛ الإصلاح الاقتصادي له جوانب فنية عديدة تتوجب مراعاتها والوفاء بمتطلباتها العلمية والمهنية، مما يستلزم الاستعانة بالعلماء والخبراء والمستشارين. وفي هذا السياق، هنالك فكرة تؤول هي الأخرى إلى أن تكون ضمن حقائق الاقتصاد، مضمونها: نجاح بعض الإستراتيجيات الاقتصادية في بعض البلاد لا يضمن نجاحها في بلاد أخرى.

دول الخليج خفضت دعم المحروقات ضمن برامجها الاقتصادية (رويترز)
  • (2) إذا توفرت العوامل المجتمعية والفنية بشكل جيد في أي بلد، فإن ذلك يعني أنها تصب في ذخائر البلد الذي تجعله قادرا على إدارة الناس ومعاشهم "بحرفنة" وذكاء. وكل هذا يؤذن بالانفكاك من "اقتصاد مسيس عشوائي" إلى "اقتصاد مجتمعي محرفن".
  • (3) ذكرتُ سابقا أن الآراء والتقييمات تختلف حيال تطبيق بعض البرامج والمبادرات لتنويع الاقتصاد الخليجي، وأحسب أن الاختلاف المجتمعي مرشح للزيادة؛ ففئة من الناس تؤيد تنفيذ هذا البرنامج أو المبادرة لاعتبارات اقتصادية أو اجتماعية، وفئة أخرى تعارض ذلك. في كثير من الحالات يخفق كثيرون في إيراد أدلة مقنعة حول موقفهم من عمليات التطبيق للبرامج والمبادرات، مما يفقد الحوار المجتمعي أسسه الصلبة، ويدور في حلقات مفرغة من المنطق والتسويغ العلمي، فضلاً عن التسويغ الفلسفي.
  • (4) من الأخطاء الكبيرة في التفكير والحوار أن البعض يتوهم أن الموقف الصحيح يقتضي إما القبول التام أو الرفض التام لهذه البرامج والمبادرات، والقابلون يرون موقفهم "وطنية واجبة"، والرافضون يرونها "وعيا متحتما".

    وفي الحقيقة، القضية ليست حدية بهذه الطريقة؛ إذ ليس ثمة خير محض ولا شر صرف في هذه البرامج والمبادرات، مما يوجب إخضاعها لعمليات تحليل ونقد معمقين وفق الأطر العلمية الرصينة.
  • (5) إذن، لا قبول ولا رفض بالمطلق، وإنما تفكير وتشخيص وتحليل لما يتوفر من العوامل المجتمعية والفنية في البرامج والمبادرات على نحو ما ذكرت آنفا. التوصيف السابق مفيد ولكنه غير كاف، إذ لا يدلنا على الأوضاع أو السيناريوهات التي تكون أقرب إلى القبول أو الرفض.

وكل ما سبق يدفعنا إلى عرض مبسط لهذه الأوضاع والسيناريوهات، ولكي تكون الصورة واضحة لنا جميعا -مواطنين ومسؤولين- نلوذ بصورة مجازية مقتبسة من الأوضاع المحتملة في الإشارات الضوئية. إن البرامج والمبادرات المخططة والمنفذة للتنويع الاقتصادي الخليجي تتأرجح في نجاحها ونجاعتها بين أربعة أوضاع وسيناريوهات، هي:

الوضع الأول: انطلق - إشارة خضراء!
في هذا الوضع تتوفر العوامل المجتمعية والفنية بمعدلات عالية. أي برامج ومبادرات تحقق مستويات عالية في البعدين المجتمعي والفني ستحقق نجاحات كبيرة، وبسرعة بالغة مع أقصى درجة ممكنة من الكفاءة والفعالية، ووجود حدود دنيا من المقاومة المجتمعية.

ويصعب تصور انعدام مثل هذه المقاومة، حتى مع توفر المقومات المجتمعية والفنية، وذلك لوجود مجموعات المصالح التي قد ترى فيها تهديدا لمصالحها أو نفوذها، بيد أن المجتمع لا يلتفت إلى هذه المقاومة، وسيكون عونا للمسؤولين في تطبيق البرامج والمبادرات، هذا الوضع هو المثالي، وما يجب أن يُصار إليه وفق المستطاع، تخطيطيا وتنفيذيا.

مواطنو الخليج تأثروا بالإجراءات الاقتصادية التي اتخذت في الفترة الأخيرة (رويترز)

الوضع الثاني: تمهل - إشارة برتقالية!
في هذا الوضع نجد ارتفاعا في العوامل المجتمعية إلا أن العوامل الفنية منخفضة. إن البرامج والمبادرات في مثل هذا الوضع يمكن أن تحقق نجاحات جيدة اجتماعيا مع صعوبات فنية وتكاليف اقتصادية، وربما حدث تأخير أو توقف أو حتى تعثر في بعض المراحل، بيد أن الاتجاه العام في حالات كثيرة يكون صوب التنفيذ والتحقيق لما هو مطلوب، مع شيء من التعديل في بعض الجوانب. 

هذا الوضع يتطلب مراجعة فنية صارمة؛ تزيد من مستويات "الحرفنة" في بلورة البرامج الاقتصادية وفي تنفيذها وتطويرها. ويمكن لهذا اللون من المراجعة أن يعيد تقييم الأداء والقرار في الكثير من القطاعات والمؤسسات، مما يحسن النتائج ويجلب إيرادات جيدة. وهذه المراجعة لا يتقنها غير الخبراء المحليين، لا الأجانب، لتضمنها عوامل ثقافية ومجتمعية تراكمية معقدة.    

الوضع الثالث: توقف - إشارة حمراء!
هذا الوضع يتضمن عوامل مجتمعية منخفضة، وعوامل فنية عالية. البرامج والمبادرات في هذا السيناريو قد تقنع بعض المسؤولين المتحمسين لها من الناحية التخطيطية أو الفنية، فهم يرونها ناجعة على الورق، بل ربما رأوها ضرورية ولا بديل عنها، مما يشجعهم على الإقدام على إقرارها وتنفيذها بحماسة واندفاع. ويغفل أولئك عن الشرط الآخر في النجاعة وهو القبول المجتمعي. في هذا السيناريو نتوقع وجود نجاحات أولية للمسارات الفنية بما فيها صعود في الإيرادات والمداخيل غير أن الرصيد المجتمعي يتناقص ويأخذ بالضغط باتجاه عدم التقبل.

دول الخليج تعمل على ترشيد الإنفاق بعد انخفاض إيرادات النفط (رويترز)

الوضع الرابع: تراجع - إشارة متعطلة!
في هذا الوضع نجد انخفاضا في العوامل المجتمعية وانخفاضا آخر في العوامل الفنية. هنا، قد لا يكفي أن نتوقف عند الإشارة المتعطلة، إذ قد نكون مضطرين لحماية أنفسنا ومن معنا وسيارتنا، مما يدفعنا إلى التراجع، خشية حدوث تصادم وانقذاف أذى صوبنا، بطريقة أو بأخرى.

تماما كحالتنا مع الإشارة المتعطلة، يجب أن نتعاطى مع البرامج والمبادرات التي تخفق في الوفاء بالمتطلبات المجتمعية والفنية بمعدلات كافية، فنتراجع عنها، وذلك أنها لا توقف نزيف الاقتصاد ولا تساعد على زيادة المداخيل بقوالب مستدامة؛ اجتماعيا وبيئيا واقتصاديا. نعم، هي لا تسعف اقتصادنا وقد لا تحفظ لنا تماسكنا واستقرارنا. 

الوضعان الثالث والرابع ربما يفضيان إلى سخونة في "القدر الاجتماعي" بوتائر متواصلة، وهنا نجد أن هذين الخيارين يحملان مخاطر على الاستقرار المجتمعي، مما جعلنا نضع شعاري "توقف" و "تراجع"، تأكيدا على الخطورة البالغة في حالة الاستمرار في تطبيق هذا النوع من البرامج والمبادرات، بغض النظر عن الاعتبارات المجتمعية غير المواتية. النجاعة الفنية لا تكفي، وإن جلبت إيرادات أو جوانب إيجابية في بعض الأبعاد المتعلقة بزيادة الأداء والإنتاجية وتخفيض التكاليف وترشيدها ونحو ذلك.

هذان الوضعان يحتاجان إلى "هندسة اجتماعية ذكية"، تعترف بالتكلفة المجتمعية التي يجب أن تدفع قبل الإقدام على إقرار أي مبادرات أو مشاريع للتنويع الاقتصادي، وبالأخص حينما تكون ذات علاقة بجيوب الناس ومعاشهم. وتدخل في ذلك الجوانب الإصلاحية السياسية التي قد تكون ضرورية لتهيئة البيئة المواتية لقبول تنفيذ تلك المبادرات والمشاريع.

إن شجاعة المسؤول لا تكمن في اتخاذ القرارات الجريئة فقط، بل في إيقافها حينما تتضح سلبياتها وتكاليفها ومخاطرها، وهذا ما يجعلنا نوضح ذلك للمسؤولين بقاعدة تقول: شجاعة التوقف والإنهاء لا تقل عن شجاعة البدء والاستمرار.

كل المبادرات والبرامج المخططة أو المطروحة أو المنفذة يجب إعادة تقويمها بقالب علمي ومهني دقيق، لنحدد أي منها يقع في نطاق: انطلق، تمهل، توقف، تراجع.

____________________
كاتب وأكاديمي سعودي

المصدر : الجزيرة