حصاد النفط في 2016.. عودة أوبك والخمسين دولارا

أوبك قررت في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 تخفيض إنتاجها للمرة الأولى منذ 2008 (رويترز)
أوبك قررت في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 تخفيض إنتاجها للمرة الأولى منذ 2008 (رويترز)
عبد المنعم هيكل-الجزيرة نت

خلال السنوات القليلة الماضية لم يكن من السهل أن يتصور أحد أن أسعار النفط العالمية يمكن أن تهبط إلى 27 دولارا للبرميل، بعد أن اعتاد العالم على أسعار فوق المئة دولار، وكان كبار المنتجين يدافعون عن هذا المستوى باعتباره "العادل" للمنتجين والمستهلكين.

لكن 27 دولارا صارت هي الواقع في يناير/كانون الثاني 2016، بعد أن ظلت الأسعار تهوي منذ منتصف عام 2014 بسبب التخمة الكبيرة في أسواق النفط والتباطؤ في معدلات الطلب.

تحولات كبيرة حدثت في الدول الغنية بالنفط بسبب انهيار الأسعار

ووجدت الدول النفطية نفسها في حالة صعبة تزداد سوءا يوما بعد يوم، مع تسجيل عجز كبير في موازناتها العامة، وذلك للمرة الأولى منذ سنوات عديدة في بعض تلك الدول.

وفي الأصل لم يكن التعاون فيما بين المنتجين لرفع الأسعار أمرا سهلا، في ظل حرب على الحصص السوقية بين مختلف الأطراف، تزداد شراستها مع تعقيدات السياسة عربيا وعالميا.

وكان اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 رسالة واضحة بأنها ستتخلى -ولو مؤقتا- عن دورها التاريخي المنظم للسوق، وستطلق العنان للمنافسة.

مبادرة تثبيت الإنتاج
لكن التحولات الاقتصادية العنيفة التي حدثت في الدول النفطية بسبب انهيار الأسعار على مدى أكثر من عام ونصف، دفعتها للبحث عن هدنة فيما بينها على الأقل، خوفا من مصير مشؤوم للجميع.

اقتراح تثبيت الإنتاج أعلن من الدوحة بحضور وزراء السعودية وروسيا وقطر وفنزويلا

جاءت مبادرة تثبيت مستويات الإنتاج بتوافق مبدئي تم في العاصمة القطرية الدوحة بين روسيا والسعودية -أكبر منتجين في العالم- في فبراير/شباط 2016، لمنع إغراق الأسواق بمزيد من النفط.

وتبلور المقترح في ربيع العام حتى تداعى المنتجون إلى اجتماع الدوحة في أواخر أبريل/نيسان لإبرام اتفاق نهائي للتثبيت، غير أن المواجهة بين السعودية وإيران -وكلاهما منتج كبير في منظمة أوبك- أفشلت الاجتماع وأجهضت المبادرة.

فشل المبادرة
فقد أصرت السعودية على أن يشارك كل المنتجين الكبار دون استثناء في تثبيت مستويات الإنتاج، لكن إيران رفضت ذلك وقالت إن من حقها زيادة إنتاجها للوصول إلى ما كان عليه قبل العقوبات الغربية.

وزير الطاقة القطري يعلن تعذر الوصول إلى اتفاق لتثبيت الإنتاج والحاجة لمزيد من المشاورات

ومع تعذر تحقيق التوافق انصرف المنتجون لفترة من الوقت عن هذا الباب، ولا سيما أن أسواق النفط كانت قد بدأت -بشكل تلقائي- تستعيد بعض توازنها.

فوصول الأسعار إلى مستويات متدنية جعل العديد من منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة -الذي كان سببا رئيسيا في تخمة السوق- يتوقفون عن الإنتاج بعدما صار غير مجدٍ، إذ إن تكلفته أعلى بكثير من تكلفة إنتاج النفط التقليدي في أغلب البلدان.

ومع فشل الدبلوماسية النفطية مؤقتا، عاد المنتجون الكبار إلى المنافسة مجددا وكانوا أكثر شراسة هذه المرة.

معدلات إنتاج قياسية
فعلى مدى فترتي الصيف والخريف شهدت أسواق النفط معدلات إنتاج قياسية أو شديدة الارتفاع، إذ تجاوز إنتاج روسيا -أكبر منتج في العالم في الوقت الراهن- 11 مليون برميل يوميا لأول مرة منذ الحقبة السوفياتية.

إنتاج روسيا من النفط تجاوز 11 مليون برميل يوميا

وبلغ إنتاج السعودية معدلا قياسيا عند نحو 10.7 ملايين برميل يوميا، وتجاوز العراق 4.7 ملايين برميل يوميا، وبلغ إنتاج إيران نحو 3.7 ملايين برميل يوميا بعد رفع العقوبات الدولية عنها. أما إنتاج أوبك الإجمالي فقد تجاوز 33.6 مليون برميل يوميا لأول مرة في عدة سنوات.

ولوضع هذه الأرقام في سياقها، تجدر الإشارة إلى أن معدل الإنتاج العالمي من النفط يقدر في عام 2016 بأكثر من 96 مليون برميل يوميا، بينما يقدر معدل الطلب العالمي بـ94.4 مليون برميل يوميا، أي أن هناك فائضا في المعروض قدره 1.6 مليون برميل يوميا على الأقل، فضلا عن المخزونات الهائلة التي تكونت في أنحاء العالم بسبب استمرار الفائض منذ فترة طويلة.

الرئيس الإيراني حسن روحاني (يمين) يستقبل الأمين العام لأوبك محمد باركيندو في أوائل سبتمبر/أيلول

تحذيرات ومصاعب مالية
ودفع هذا الوضع وكالة الطاقة الدولية إلى التحذير من طول أمد الأزمة، حيث توقعت استمرار الفائض في السوق طيلة النصف الأول من عام 2017 إذا لم يتدخل المنتجون، ولا سيما أن مستوى الطلب العالمي لم يتحسن بالصورة المرجوة.

والأهم من ذلك، أن المصاعب المالية الشديدة التي واجهتها الدول النفطية الكبرى -التي يرجع جزء مهم منها إلى تزايد إنفاقها العسكري في هذه الفترة- ساعدت على إقناع تلك الدول بأن عليها أن تصل إلى حل وسط حتى لا يخسر الجميع.
بوتين دعا إلى اتفاق عالمي لتنسيق إنتاج النفط في ظل المصاعب المالية في بلاده

وفي هذه الأجواء عادت الدبلوماسية النفطية إلى الواجهة مجددا بدعم ملحوظ من زعماء ومسؤولين رفيعي المستوى في العواصم المعنية، ومن أبرزهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي دعا بشكل واضح إلى اتفاق عالمي لتثبيت مستويات إنتاج النفط.

اتفاق الجزائر
وزاد تقارب المواقف خلال شهر سبتمبر/أيلول الماضي إلى أن عقد في أواخر ذلك الشهر اجتماع غير رسمي في الجزائر، اتفق فيه أعضاء أوبك مبدئيا على خفض الإنتاج الإجمالي للمنظمة إلى ما بين 32.5 و33 مليون برميل يوميا، على أن يتوصلوا إلى اتفاق نهائي في اجتماع أوبك الرسمي في فيينا يحدد نسب التخفيض التي ستتحملها كل دولة.

الجزائر رعت الاتفاق المبدئي لتخفيض الإنتاج وقدمت تصورا لطريقة تنفيذه

وبعد شد وجذب ومطالبة عدد من الأعضاء بإعفائهم من تخفيض الإنتاج، وحديث روسيا -وهي ليست عضوا في أوبك- عن تثبيت الإنتاج بدل تخفيضه، عقد اجتماع أوبك في فيينا في الثلاثين من نوفمبر/تشرين الثاني.

وقرر أعضاء أوبك لأول مرة منذ عام 2008 تخفيض إنتاج المنظمة لاستعادة التوازن في السوق العالمية، وهو قرار تحملت السعودية -أكبر منتج في أوبك- العبء الأكبر في تنفيذه.

قرار أوبك التاريخي
ويقضي اتفاق أوبك بأن تخفض المنظمة إنتاجها بمقدار 1.2 مليون برميل يوميا ابتداء من يناير/كانون الثاني 2017 ولمدة ستة أشهر، على أن يتم التجديد لستة أشهر أخرى.

ووافقت السعودية ضمن الاتفاق على خفض إنتاجها بمقدار 486 ألف برميل يوميا، والعراق 210 آلاف برميل يوميا، بينما سمحت المنظمة لإيران بزيادة إنتاجها بنحو مئة ألف برميل يوميا فوق مستوى أكتوبر/تشرين الأول، وأعفت ليبيا ونيجيريا من أي قيود على الإنتاج بسبب أوضاعهما الداخلية المضطربة.

وخلال الأيام القليلة التي أعقبت اتفاق أوبك، ارتفعت أسعار النفط العالمية بنحو 20% ليتجاوز مزيج برنت مستوى 55 دولارا للبرميل للمرة الأولى منذ 16 شهرا، كما كان يتوقع وزراء النفط وأغلب المحللين.

التوازن والنفط الصخري
وإذا التزم أعضاء أوبك بتنفيذ هذه التخفيضات، وقام المنتجون غير الأعضاء بتخفيض ستمئة ألف برميل يوميا من إنتاجهم كما هو مأمول، فمن المتوقع أن يبلغ متوسط أسعار النفط في عام 2017 نحو ستين دولارا للبرميل أو أكثر.

لكن هل ستمضي الأمور بهذه السلاسة حقا؟ هنا يرى محللون أن خطر النفط الصخري الأميركي ما زال ماثلا، فهذا العنصر -الذي كان سببا رئيسيا وراء انهيار أسعار النفط- من المنتظر أن يعود للواجهة من جديد مع صعود الأسعار فوق الخمسين دولارا، حيث تعود عملية إنتاجه مجدية اقتصاديا كما كانت، وتستأنف الشركات الأميركية تشغيل حفاراتها النفطية بأقصى طاقتها.

غير أن من الصعب التكهن بأبعاد عودة النفط الصخري وتأثيراتها في السوق، إذ ليس من الواضح بأي وتيرة سيعود هذا الإنتاج وهل سيهدد التوازن في السوق مجددا، أم أن تحسن مستويات الطلب في المستقبل قد يجعل تأثيره محدودا؟ وهي أسئلة ستجيب عنها الأشهر المقبلة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ارتفعت أسعار النفط العالمية بالتزامن مع انعقاد منتدى الطاقة الدولي الذي يبدأ أعماله اليوم الاثنين في الجزائر، والذي ستعقد على هامشه اجتماعات للدول المنتجة الكبرى للبحث في سبل تعزيز الأسعار.

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة