لماذا يزداد أغنياء الأميركيين ثراء؟


روبرت ليبرمان

  

التراجع الاقتصادي

دور واشنطن في غياب المساواة

سياسات الشركات

هزيمة الطبقة الوسطى

علاج المرض


التراجع الاقتصادي

يبدو أن الاقتصاد الأميركي يتجه إلى التراجع. فالبطالة بقيت عند مستوى 10% تقريبا وهو الأعلى منذ 30 سنة، بينما أصبح ملايين الأميركيين بلا مأوى بعد أن حجزت المؤسسات المالية منازلهم بسبب تخلفهم عن سداد القروض، وتدنت المداخيل بصورة أسرع وأكبر من أي وقت منذ الكساد الكبير.

 

ويخشى كثيرون ممن فقدوا وظائف آمنة أنها لن تعود إليهم أبدا. وقد يكونون على حق في ذلك.

 

لكن وسط كل تلك المآسي والأحزان حدث شيء لافت. فأكثر الأميركيين ثراء -ومن بينهم أباطرة المؤسسات المالية الذين تسببوا في الأزمة المالية- أصبحوا أكثر غنى بكثير.

 

ففي عام 2009 ارتفع معدل الدخل لـ5% من كبار الأثرياء في الولايات المتحدة, في حين تدنى متوسط الدخل لمن سواهم.

 

ولم يكن هذا شذوذا عن القاعدة, ولكنه استمرار لحقبة من الزمن تمتد إلى أربعين سنة كان فيها رأس هرم الأغنياء ينتفخ بشدة، في حين تجمد دخل الطبقة الوسطى والدنيا. كما ارتفعت حصة الدخل التي تذهب إلى الأثرياء الكبار الذين يشكلون نسبة 1%، من 8% في الستينيات إلى 20% من مجمل الدخل حاليا.

 

هذا ما أطلق عليه أستاذا العلوم السياسية جاكوب هاكر وبول بيرسون "اقتصاد الرابح يكسب كل شيء".

 

هذه ليست صورة لمجتمع سليم. إن هذا المستوى من عدم المساواة الاقتصادية لم تشهده الولايات المتحدة منذ الكساد الكبير. فهو يعبر عن اقتصاد سياسي تتركز فيه الأرباح المالية بصورة متزايدة في أيدي مجموعة من الصفوة الذين يحملون مخاطر نشاطاتهم للطبقة الوسطى المنكشفة وغير المحمية.

 

ويعتبر غياب المساواة في توزيع الدخل أعلى في الولايات المتحدة منه في أي دولة أخرى من الدول الديمقراطية المتقدمة. وبالمعايير التقليدية فهو يقارن بدول مثل غانا ونيكاراغوا وتركمانستان.

 

ويؤدي غياب المساواة إلى الاستقطاب السياسي وفقدان الثقة والبغضاء بين المعوزين والمترفين. ويتسبب في انحراف عمل النظام السياسي الديمقراطي الذي تستطيع فيه الأموال أن تكسب بصورة متزايدة الصوت السياسي والقوة.

 

ويعتقد بصورة عامة أن القوى الاقتصادية وحدها هي المسؤولة عن هذا التركيز المدهش للثروة.

 

فقد أدت التغييرات التكنولوجية خاصة ثورة المعلومات إلى تحول اقتصادي جعل العمال أكثر إنتاجية، مما أكسب العمالة الماهرة عقليا ميزة عن اليدوية.

 

وفي الوقت ذاته أدى نمو الأسواق في العالم -في تسارع سببه تكنولوجيا المعلومات- إلى إضعاف الدور المسيطر للولايات المتحدة في قطاع الإنتاج الصناعي، وحول وجهة الاقتصاد الأميركي نحو قطاع الخدمات.

وهذا القطاع يفضل المتعلمين ويوفر الوظائف ذات المرتبات المرتفعة في المالية والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات.

 

وفي أسفل سلم الاقتصاد الخدمي تتركز الوظائف في قطاعات مبيعات التجزئة والترفيه، حيث تنخفض المرتبات وتضعف الاتحادات العمالية ويمكن الاستغناء عن العمال.

 

ويرى مؤيدو العولمة أن تلك التطورات تمثل تداعيات طبيعية لقوى السوق التي يعتقدون أنها ليست خيرة فحسب، بسبب أنها تزيد من جمع الثروة عن طريق التجارة، بل إنها تجعل أسعار كافة السلع أرخص للمستهلك، غير أنها غير قابلة للتوقف بسبب تطورها المستمر.

 

أما المتشككون فيؤكدون أن تداعيات وعواقب هذه التوجهات هي المزايا الضخمة للنخب المتعلمة والماهرة لكنها تترك في الخلف العمال الآخرين.

 

غياب المساواة

لكن أيا من الطرفين لم يخضع للسؤال دور واشنطن الأساسي في خلق حالة عدم المساواة المتزايدة في الولايات المتحدة.

 

وينأى جاكوب هاكر وبول بيرسون بنفسيهما عن هذا التصور الذي يقول إن تصاعد عدم المساواة هو نتيجة طبيعية لقوى السوق، ويقولان بدلا من ذلك إنه نتيجة للسياسات العامة التي ركزت وضخمت آثار التحول الاقتصادي، ووجهت مكاسبه بصورة حصرية نحو الطبقة الثرية.

 

ومنذ أواخر السبعينيات استطاعت عدة تحولات سياسية هامة تحويل اللعبة الاقتصادية إلى جانب الأغنياء.

 

فقد خفض الكونغرس الضرائب عن ذوي الدخول المرتفعة عدة مرات، كما خفف التعامل الضريبي مع أرباح رأس المال وعوائد الاستثمارات الأخرى، مما أدى إلى هبوط أرباح ضخمة على أثرياء الأميركيين.

 

ومن ناحية أخرى تسببت سياسات العمل في تعقيد عملية تنظيم الاتحادات للعمال لإيجاد قوة موازية للقوة المتنامية للشركات.

 

كما ساعدت سياسات إدارة الشركات تلك المؤسسات في دفع المال بسخاء لمسؤوليها بغض النظر عن أداء شركاتهم, كما أدت حرية أسواق المال إلى السماح للبنوك والمؤسسات المالية الأخرى بخلق أدوات مالية معقدة تؤدي إلى غنى أكبر للمسؤولين والمستثمرين، بينما تعرض أصحاب المنازل وأرباب المعاشات لمخاطر مدمرة.

 

وفي بعض الحالات كان الكونغرس هو مصدر تلك التغييرات السياسية. ومثال ذلك التخفيضات الضريبية في عهد الرؤساء رونالد ريغان وجورج دبليو بوش, وإلغاء قانون غلاس ستيغول عام 1999، وهو الإلغاء الذي تسبب في التخلص من الحاجز بين البنوك والشركات الاستثمارية، وسمح بخلق مؤسسات مالية عملاقة وقوية مثل سيتي غروب التي وافق عليها الكونغرس بتصويت من الحزبين.

 

لكن تحولات سياسية أخرى تمت بالتدريج ودون أن  يشعر بها أحد.

 

أما النقطة المهمة الثانية لكل من هاكر وبيرسون فهي أن التحولات السياسية الرئيسية لا تتم دائما بطرق واضحة.

 

فالعديد من السياسات التي مهدت الطريق أمام "سيطرة الفائز على كل الاقتصاد" جاءت نتيجة لما أسماه كل من هاكر وبيرسون "الانجراف"، وهو ما يحدث عندما تفشل سياسة ما في مجاراة الظروف المتغيرة، ومن ثم تفشل في تحقيق هدفها.

 

إن النظام الأميركي المؤسس على الفصل بين السلطات بكل إجراءاته المعقدة وقوانينه الغريبة -مثل التصويت والتعطيل- يؤدي إلى ما يعرف بالانجراف، خاصة عند مقارنته مع أنظمة برلمانية أكثر انسيابية في دول أخرى تعطي الأغلبية السيطرة على صناعة السياسة.

 

ففي حال الولايات المتحدة فإن من الصعب التراجع عن أو حتى تعدي السياسات بعد إقرارها.

 

أحيانا يحدث الانجراف من خلال إهمال بسيط أو قصور ذاتي. ومثال ذلك الظاهرة المعروفة بـ"زحف الفئات"، وهي العملية التي من خلالها -وقبل إدخال عملية الفهرسة في عام 1981- دفع التضخم المدخولات إلى فئة ضريبية أعلى.

 

لكن هاكر وبيرسون استهدفا بشكل خاص سياسة الانجراف المتعمدة عندما تفادى المشرعون الخيارات السياسية المتاحة أو قاوموا تلك السياسة التي كان من شأنها أن تخفف عدم المساواة.

 

سياسات الشركات

إن السماح لمديري الشركات بالحصول على أسهم كتعويض, هي واحدة من تلك الحالات.

 

إن السماح لمسؤولي الشركات بأن يعوضوا بالأسهم يستهدف توجيه الحوافز نحو رفع سعر الأسهم إلى أعلى مستوى ممكن في وقت قصير، وليس إلى نمو بعيد الأمد.

 

ونتيجة لذلك فإن خيارات الأسهم سمحت لكبار المديرين بالحصول على مكاسب ضخمة، بالرغم من أداء شركاتهم الضعيف في أحيان كثيرة.

 

إن تكاليف فشل الشركات على المدى البعيد لا يتحملها المديرون التنفيذيون ومن هم دونهم بالطبع, بل العمال العاديون الذين يتم تسريحهم حينما تريد الشركات خفض النفقات، والذين ستضيع استثماراتهم التقاعدية حينما تهوي أسهم الشركات.

 

وفي تسعينيات القرن الماضي لاحظ مجلس معايير المحاسبة المالية -الذي ينظم عمليات المحاسبة- هذه الممارسة، وتنبأ بالضرر الذي ستلحقه بالاقتصاد، ومن ثم سعى لكبحها. ولكن الكونغرس -مدفوعا بالضغوط من جانب الشركات الرئيسية- أوقف مجلس معايير المحاسبة المالية.

 

ونتيجة لذلك أمضى الأميركيون فترة التسعينيات والعقد الأول من هذا القرن وهم يخضعون لقوانين المحاسبة التي كانت سائدة في السبعينيات، مما سمح لكبار المديرين بمساعدة أنفسهم من خلال تبادل الخدمات بين مجالس إدارة الشركات، بحيث يساعد الواحد منهم الآخر.

 

وبنفس الطريقة, فشل قانون العمل في مجاراة الأحداث, كما فشل صناع السياسة مرارا وتكرارا في سن إصلاحات كان يمكن أن تستوعب وسائل جديدة لتنظيم اتحادات العمال، من أجل مواجهة سطوة الشركات المتزايدة في مقاومتها لمطالب العمال.

 

وفي هذا السياق فإن الولايات المتحدة تدير اقتصاد القرن الحادي والعشرين وفقا لقوانين الأربعينيات.

 

وأدى حسن فهم وإدراك قوة الانجراف لدى صناع السياسة إلى وضع الأقلية الجمهورية في الكونغرس خلال السنتين الأولييْن من حكم الرئيس أوباما تحت المجهر.

 

ولا تعتبر الإعاقة البرلمانية مجرد عرض لتعكر المزاج العام، بل هو جزء كبير وقاس من إستراتيجية أكبر لإثراء الشركات، بينما يتم القضاء على الحماية التي تتمتع بها الطبقة الوسطى منذ أمد بعيد.

 

ولذلك فإن نمو ظاهرة عدم المساواة ليس نتيجة طبيعية لعوامل السوق، ولكن لخيارات سياسية متعمدة عمرها أربعة عقود.

 

ويقدم هاكر وبيرسون مجموعة كبيرة من الأدلة على هذه الفرضية  بحيث توصلهم إلى لب الجدل، وهو أنه "ليس فقط الاقتصاد الأميركي ولكن أيضا النظام السياسي الأميركي برمته الذي تطور ليصبح ضمن لعبة الفائز يأخذ كل شيء".

 

ويصور الاثنان السياسة الأميركية ليس كلعبة ديمقراطية لحكم الأغلبية، ولكن كملعب "لمعركة منظمة"، ولعبة نهايتها الموت للمجموعات المتنافسة التي تسعى للتأثير على عملية صنع القرار.

 

هزيمة الطبقة الوسطى

ويقول الاثنان إن أصحاب الأعمال والأثرياء قد هزموا الطبقة الوسطى، وبذلك أصبحوا قادرين على الهيمنة على عملية صنع السياسة خلال جزء كبير من أربعة عقود، مع وجود معارضة ضعيفة.

 

ضمن هذه الحجة يعيد هاكر وبيرسيون إنعاش ذكرى مفهوم التعددية الأكاديمي القديم، عن طريق تسليط الضوء على الأمور غير السوية في السياسات الأميركية.

 

وقد برزت الدراسة المعاصرة للسياسات الأميركية من التعددية، وهو المفهوم الذي انبثق بعد الحرب العالمية الثانية في ظل ظهور كل من الفاشية والشيوعية كنظاميين شموليين في منتصف أوروبا, ومفاده أن الديمقراطية يمكنها توفير الاستقرار والتقدمية عبر سياسات التفاهم المتبادل بين المجموعات المتنافسة المتساوية نسبيا, بدلا من الصراع الجبار والعنيف بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال.

 

وعليه فقد ذهبت المقولة إلى أن الديمقراطية التعددية يمكنها أن تسفر عن تغييرات سياسية صلبة على دفعات أو أجزاء من شأنها دفع المجتمع الأميركي قدما نحو الأمن والنفوذ.

 

لكن الأحداث الدراماتيكية المقصودة التي لم تتم على دفعات في الستينيات والسبعينيات -مثل حركة الحقوق المدنية والحرب الفيتنامية والثورة الثقافية الأوسع- أفشلت وجهة النظر هذه.

 

وبدأ المعارضون للتعددية في ملاحظة محدوديتها، مؤكدين أفضلية الحوافز أو الدوافع الفردية بدلا من تشكيل المجموعات.

 

ومنذ ذلك الحين, ابتعدت دراسة السياسات الأميركية عن قضايا المصالح المنظمة ودورها في صنع السياسة، وبدلا من ذلك ركزت على وسائل للجمع بين الاهتمامات الفردية والسلوك لخلق السياسة.

 

وإذا افترض المرء أن الناس يصوتون بناء على مصالحهم الشخصية, وأن نتائج الانتخابات تؤثر في السياسة من خلال حكم الأغلبية, فكيف للمرء إذن أن يحكم على جيل من السياسات التي روجت لمصالح الفئة القليلة الثرية على حساب كل ما عداها؟.

 

هناك انتقاد آخر للتعددية، وهو أنها قدرت بأقل مما يجب مدى انحراف النظام السياسي.

 

وكما كتب أستاذ العلوم السياسية ي ي شاتشيندر عام 1960 فإن "الخلل في سماء التعددية يكمن في أن الجوقة المقدسة تتحدث أو تغني بلهجة الطبقة الأعلى القوية". ويبدو أن شاتشيندر أدرك فقط نصف الحقيقة.

 

فبالنسبة لمعظم المراقبين كانت الستينيات أوج الليبرالية الأميركية، حيث برزت تطورات مهمة وظهرت قوانين مثل "الصفقة الجديدة" للحماية الاجتماعية وحقوق العمال وحماية الحقوق المدنية والحريات المدنية.

 

ولكن بالنسبة للنخبة من رجال الأعمال وأصحاب المصالح التجارية, فقد طبع فترة الستينيات ضعف نفوذهم في المجتمع الأميركي إلى الحضيض.

 

فقد شهدت الحقبة ازدياد نشاط ثورة معاكسة محافظة اتسمت بتطورات سياسية وعقائدية وتنظيمية، وعلى وجه الخصوص الصحوة السياسية لأصحاب المصالح التجارية والأعمال.

 

وتعززت قوة المحافظين بشكل متزايد عن طريق المنظمة الفعالة والتمويل الكبير من جانب أنصارهم في مجتمع رجال الأعمال، وبدأت بمقاومة نشطة لسياسات التعددية التوافقية.

 

وعوضا عن القبول بالخطوط الأساسية للصفقة الجديدة أو الاتفاق الجديد والمجتمع الكبير والسعي لتعديلها خطوة خطوة, رأى المحافظون وضعا جديدا للمواجهة والنزاع، وحولوا جهودهم لتدمير تركة فرانكلين روزفيلت وليندون جونسون.

 

وساعدت الأزمة الاقتصادية في السبعينيات -التي كانت نذيرا بانتهاء الهيمنة الاقتصادية الأميركية- قضيتهم عن طريق تبيان محدودية أو مثالب نظام الصفقة الجديدة.

 

فالنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد -الذي يعتمد بشكل كبير على توفير الحماية الاجتماعية المهمة، مثل التقاعد والتأمين الصحي- ربما كان مناسبا لاقتصاد صناعي مهيمن حقق ثلاثين سنة من النمو على نطاق واسع، والتوظيف المستقر والثابت لملايين العمال الصناعيين, ولكنه خلال السبعينيات بدأ يتبين بشكل كبير أنه غير مناسب لحقبة العولمة.

 

وحدث التراجع الصناعي والاضطراب الاقتصادي حيث وجد العمال المسرحون أنفسهم غير قادرين على الاعتماد على الحكومة لتوفير الحماية الاقتصادية.

 

واستغل المحافظون الصاعدون هذا الحال للقول بأن الصرح الكلي للصفقة الجديدة من الحماية الاجتماعية, والتشريعات المالية, والنظام الضريبي التقدمي والحقوق المدنية يجب تفكيكها بدلا من تعزيزها, بدءا بإدارة كارتر.

وتمكن لوبي رجال الأعمال المتنامي بنجاح من هزيمة الاقتراحات الإصلاحية واحدا بعد الآخر، وبدأ بقوة جولة للتخفيضات الضريبية ورفع القيود، فاتحا الباب أمام جنون أو هياج قادم.

 

علاج المرض

كان الأميركيون خلال الستينيات والسبعينيات وبشكل متزايد لا يولون الحكومة ثقتهم. لكن ليس بدون سبب. فزعماؤهم قادوهم إلى حرب نائية تبين أنه لا يمكن الانتصار فيها, وفرقت بين سكان البلاد, حيث تعرض رئيس فاسد لتوجيه تهم جنائية وأجبر على الاستقالة. وكانت المدن تشتعل مسلطة الضوء على الشرخ العنصري الذي بقي في المجتمع الأميركي بالرغم من انتصارات حركة الحقوق المدنية, وبدا الجمهوريون والديمقراطيون مختلفين حول القضايا العنصرية, وأصبح الحزب الجمهوري ليس حزب الأثرياء فقط ولكن حزب البيض كذلك (لم يحصل أي ديمقراطي على غالبية أصوات البيض في الانتخابات الرئاسية منذ عهد جونسون).

 

وحتى في عهد أوباما, فإن عدم المساواة العنصرية تبقى مشكلة مؤلمة وعصية على الحل. وامتزجت قوى الرفض العنصري بالغضب المشروع إزاء تخلي الحكومة عن الطبقة الوسطى، وبقي الوضع هكذا حتى اليوم.

 

وقد توسع عدم الرضا عن سياسات الحكومة في أواخر السبعينيات ليشمل أوساط الأثرياء والطبقة الوسطى سواء بسواء. وكانت الظروف مناسبة لمهاجمة الوضع السياسي القائم, وكان المحافظون -بالنيابة عن الأثرياء- مستعدين لانتهاز الفرصة بكل ما لديهم من أفكار وتنظيم, على خلاف التقدميين والطبقة الوسطى، ومن هنا بدأ الاندفاع نحو لعبة "الفائز يأخذ كل شيء".

 

وكما هي حال العديد من المنتقدين الاجتماعيين, فقد استرسل هاكر وبيرسون في تشخيص المرض بالتفصيل، ولكن دون وصف العلاج بدلا من ذلك.

 

وعليه فلم يكن من المفاجئ تأكيدهما على إعادة بناء القدرة التنظيمية  للطبقة الوسطى والطبقات العاملة، كمكان لبدء إصلاح البنية التحتية للسياسات الأميركية، دون أن يكون ذلك وصفة دقيقة أو طريقا للشفاء السريع.

 

ولكن إذا كانا على صواب وإذا كانت قضيتهما مقنعة، فإن استعادة بعض مفهوم التناسب والتوازن للاقتصاد الأميركي يعتبر أمرا ضروريا، إن كان يراد للسياسة الأميركية أن تبرأ من حالتها المرضية الحالية.

ــــــــ
كاتب أميركي

المصدر : فورين بوليسي