ليبيا تتجه للتخلص من القطاع العام

مرضى بمستشفى عام في ليبيا (الجزيرة نت)


خالد المهير-طرابلس

 

لم تقف ليبيا عند تبديل جلدتها السياسية، بل طالت التغييرات إعادة تشكيل اقتصادها الوطني من خلال خصخصة 105 مؤسسات عامة في القطاعات الإنتاجية والخدمية والصناعية بقيمة تقدر بأكثر من 2.55 مليار دينار (2.11 مليار دولار) وفق بيانات هيئة التمليك، مع توقعات خصخصة 300 شركة عامة إضافية خلال الفترة المقبلة، وهو ما يطرح في الأفق "مستقبل القطاع العام".

 

وقد استأثر القطاع -بحسب الخبراء- بنحو 86% من حجم الاستثمارات الكلية، بل إن مساهماته تجاوزت هذا المتوسط في بعض القطاعات، إذ بلغت 98% في قطاع الصناعة، و93% في قطاع الزراعة، و100% في قطاع الخدمات.

 

مؤسسات فاشلة

وقال رئيس لجنة الاستثمار الخارجي التابعة للجنة الشعبية العامة سابقاً عبد المجيد المنصوري في حديث للجزيرة نت إن قرار الدولة الليبية التحول شبه الكامل إلى القطاع الخاص جاء بعد تأكدها من فشل مؤسسات قطاعها العام الذي كان "خسارة على البلاد والعباد", موضحاً أنها تتلمس على يديه حل العديد من المشاكل أبرزها البطالة الاعتيادية والمقنعة، وداعياً إلى إيجاد إرادة قوية تدفع القطاع الخاص لتعويض ما أسماه "أخطاء القطاع العام".

 

من جانبه أكد رئيس مجلس أصحاب الأعمال إبراهيم عبد الحافظ أن القطاع الخاص لا يستطيع تقديم خدمات عديدة كان القطاع العام يقوم بها، مشيراً إلى أن جميع دول العالم لا يمكن أن تستغني عن دور القطاع العام، نافياً عدم أهميته حاليا في ليبيا ومؤكداً أن القطاع الخاص فشل هو أيضاً في إدارة بعض القطاعات.

 

وشدد عبد الحافظ في حديثه للجزيرة نت على أهمية القطاع العام في مجالات الكهرباء والسكك الحديدية والطيران، مضيفاً أن القطاع الذي ينتمي إليه لا يمكن قيامه بهذه الأعمال التي تحتاج إلى رأس مال كبير.

 

ودعا إلى معالجة القطاع العام عبر تدريب وتخريج كوادر وطنية لسد الفراغ القائم في بعض المهن والمجالات، مشيرا إلى أن هناك قاسما مشتركا بين القطاعين في المستقبل القريب لإيجاد عناصر ليبية "ماهرة".

 

يشار إلى أن جهات عامة رفضت التعليق للجزيرة نت دون إبداء أسباب مقنعة، كما تحفظت بعض المؤسسات على التعليق.

 

"
قرار الدولة الليبية التحول شبه الكامل إلى القطاع الخاص جاء بعد تأكدها من فشل مؤسسات قطاعها العام "
دولة اشتراكية

من جهته أكد الباحث في سوق الأوراق المالية هاني رحومة أنه رغم النص الواضح في الاسم الرسمي لليبيا على أنها دولة اشتراكية فإنه لا أحد ينكر تغيّر الاقتصاد الوطني حالياً من الاقتصاد الاشتراكي إلى الاقتصاد الحر, وذلك بعد تأزم القطاع العام في أدائه لمهامه الموكل بها وما نتج عنه من تأثيرات سلبية على الاقتصاد المحلي والمواطن رغم الإمكانيات والتسهيلات الممنوحة له, موضحاً أن معظم الشركات العامة إما "أفلست أو على وشك الإفلاس".

 

وأشار إلى أن مشكلة القطاع العام ليست في ملكيته للدولة، وإنما في طرق اختيار إداراته والتي لا تهتم للكفاءة بمقدار اهتمامها لأمور أخرى لا علاقة لها بقدرة المدير على تسيير الشركة.

 

وحمّل رحومة في حديثه للجزيرة نت جهات إدارية مسؤولية تعثر القطاع وتحويله إلى "إقطاعيات شخصية" جمعت من خلاله ثروات "غير مشروعة"، وبالتالي فإن الأمر يستلزم القضاء على أوجه الفساد في هذه الإدارات, ووضع خطط منهجية لإصلاح الشركات العامة التي يمكن إصلاحها.

 

وشدد على أهمية المحافظة على دور الدولة في القطاعات الأساسية لكونها المعنية بشكل مباشر بالتنمية الشاملة للبلد، مع إعادة النظر في هذا القطاع من خلال التنظيم الدقيق والرقابة الواعية.

 

رحومة: الاقتصاد الوطني تغيّر
من الاشتراكي إلى الحر (
الجزيرة نت)

طفرة نفطية

بدوره أكد الكاتب المتخصص في الشؤون الاقتصادية طارق عبد السلام الهوني أن التدخل المباشر للدولة في الحياة الاقتصادية في مرحلة ما أنجب الشركات العامة، واعتمدها كمنهج أساسي بعدما كان القطاع الخاص يستوعب ما يزيد عن 75% من العمالة التي أصبحت تحت رحمة "رواتب متدنية" ومتأخرة من الخزانة العامة للدولة التي احتكرت الإنتاج والتوزيع.

 

وأضاف عبد السلام في تصريح للجزيرة نت أن الوفرة المالية للطفرة النفطية ساهمت وقتها في التوسع "غير المدروس" لهذه الشركات، وقد أحدث تضخم في بدن القطاع العام بحيث زاد مقاسه كثيراً، وابتعد عن حجم القدرة والكفاءة الإدارية والرقابية.


وتزامنت هذه العوامل مع الاختلالات الاقتصادية الخارجية في بداية الثمانينيات من القرن  الماضي وبالتالي تحولت هذه الشركات إلى أطلال، مؤكداً أنه في الوقت الحالي هناك حتمية للتوصل إلى منهجية جديدة غير تقليدية وقادرة على إيجاد حلول جذرية للمشكلات التي يعانيها القطاع العام والعيوب التي يعاينها القطاع الخاص أيضاً بما يتوافق مع مصلحة الاقتصاد الوطني.

 

ولعل التوافق في الجمع بالحلال -بحسب عبد السلام- بين رأس مال القطاع العام في الإشراف والرقابة وبين القطاع الخاص بالعمل والإدارة للاستفادة من العوائد الاقتصادية الناتجة سواء عن تحسين الأداء أو البيع.

المصدر : الجزيرة