جدل في سويسرا إزاء العلاقة بين الدولة والاقتصاد

"يو بي أس" خسر نحو 17 مليار دولار عام 2008 وشطب حوالي 30 مليارا من أصوله، وتراجعت ثقة المستثمرين في قدراته فسحبوا حوالي 226 مليارا (الجزيرة نت)
 
تامر أبو العينين-زيورخ
 
ألقى الإعلان هذا الأسبوع عن خسائر أكبر مصرفين سويسريين وشركة تأمينات التعويضات "سويس ري" بظلال كثيفة على الساحة السياسية والاقتصادية في البلاد، نظرا لأهمية القطاع المالي الكبيرة في الاقتصاد المحلي.
 
فبعد خسارة "يو بي أس" نحو 17 مليار دولار من أعماله في عام 2008 وشطب حوالي 30 مليارا من أصوله وتراجع ثقة المستثمرين في قدراته بسحب حوالي 226 مليارا من ثرواتهم العام الماضي رغم تصنيفه الأول عالميا في مجال إدارة الثروات الخاصة، وإعلانه عن تسريح ألفين من موظفيه حول العالم، جاء مصرف "كريدي سويس" ليعلن عن خسائر فاقت كل التوقعات بلغت ثمانية مليارات دولار.
 
ثم أعلنت "سويس ري" المصنفة الأولى عالميا في مجال التأمينات التعويضية عن خسائر قيمتها مليار دولار وشطب ستة مليارات أخرى من الأصول.
 
كما هبطت أسهم مصرف "يو بي أس" بنسبة 65% ومنافسه التقليدي "كريدي سويس" بنسبة 42%، في حين هوت أسهم "سويس ري" بنسبة 75% منذ العام الماضي لتحقق مجتمعة أكبر خسائر في تاريخ الساحة المالية السويسرية منذ الحرب العالمية الثانية.
 
علاقة جديدة
ويدور الجدل على عدة محاور هامة مثل العلاقة الجديدة بين الدولة والبنوك بعد أن حصل "يو بي أس" العام الماضي على دعم مالي قدره 58 مليار دولار من الحكومة السويسرية لضمان بقائه على قيد الحياة.
 
ويخشى الساسة انعكاسا سلبيا لما يصفونه بـ"الانفلات الإداري" في البنوك على سمعة الساحة المالية للبلاد في العالم.
 
وترتفع أصوات معترضة على ذهاب أموال دافعي الضرائب كمكافآت باهظة تتجاوز ملياري دولار سنويا للمديرين، وتطالب بمحاسبة المتسببين في الخسائر والإهمال في تقدير المخاطر.
 
وتبرر البنوك اعتماد نظام المكافآت المرتفعة بأنه "أمر هام للحصول على الكفاءات المتميزة وخبراء يتمكنون من اصطياد أكبر قدر ممكن من الأثرياء".
 
وعلى الرغم من عدم تدخل السياسة في شؤون المؤسسات المالية بحكم استقلاليتها، فإن ظهور الدولة كداعم لاستقرار الاقتصاد سمح لكافة الأحزاب بالإدلاء بدلوها في الأزمة.
 
شفافية وحماية
فاليسار على لسان الحزب الاشتراكي يؤكد أن "سنوات الرخاء قد ولّت"، حيث يقول المتحدث الإعلامي للحزب إندرياس كيزرمان إن "رجال المصارف لم يتعلموا من الأزمة، وبما أنهم لجؤوا إلى دعم الدولة فيجب علينا الإمساك بمقاليد الأمور".
 
أما الخضر فيطالبون بالإطاحة برئيس هيئة مراقبة المؤسسات المالية "لإخفاقه في متابعة عمل المؤسسات المالية وعدم تحذير المستثمرين من حجم المخاطر، وبالتالي فقد انحاز لاهتمامات البنوك".
 
ويقول بيان صادر عنهم تلقت الجزيرة نت نسخة منه إن "الأزمة العالمية هي أزمة النظام المالي القائم لكن الرأسمالية لا تريد الاعتراف بتلك الحقيقة"، كما أشار إلى أن أغلب الحكومات الأوروبية لا يمكنها تحمل عواقب انهيار المؤسسات المالية ولذا هرعت لإنقاذها ولكن بثمن بخس".
 
ويطالب اليسار المؤسسات المالية المستفيدة من الدعم الحكومي بالتزام الشفافية وفصل قطاع الاستثمارات الخاصة عن بقية أنشطة البنوك لحماية صغار المودعين.
 
لكن الحزب الليبرالي المحسوب على تيار اليمين يرى أهمية ما وصفه بـ"عدم التلاعب بعواطف الرأي العام"، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن المرحلة الراهنة تبشر بميلاد "ثقافة جديدة في العلاقة بين الدولة والمؤسسات المالية".
 
بينما يرى حزب الشعب اليميني المتشدد أن البنوك الكبرى أصبحت تمثل خطرا على الاقتصاد القومي، مؤكدا أن الخسائر الفادحة التي مني بها أكبر مصرفين في البلاد تدعو إلى ضرورة وضع قوانين تحدد هيكلة المؤسسات المالية وطريقة عملها وأنشطتها ووضع ممثلين للحكومة في مجالس إداراتها.
المصدر : الجزيرة