خفض الفائدة لم يوقف تباطؤ الاقتصاد الأميركي

لم تنجح سياسة تخفيف السياسة النقدية الأميركية في وقف تباطؤ اقتصاد البلاد برغم خفض مجلس الاحتياطي الفدرالي لسعر الفائدة منذ مطلع العام الجاري سبع مرات بإجمالي نسبته 3% فأصبح سعر الفائدة على القروض لليلة واحدة 3.5%.

ولعل ما هو أشد من هذا الدلائل الكثيرة التي تشير إلى احتمال تفاقم هذا التباطؤ في ظل تراجع الإنفاق الاستثماري وأرباح الشركات الأميركية وهو ما سبب خسائر جسيمة للمستثمرين في أسواق المال قدرتها بعض المؤسسات بنحو 1200 مليار دولار.

يضاف إلى ما تقدم تواتر المؤشرات على تباطؤ النمو الاقتصادي في أوروبا واليابان اللذين يشكلان المحركين الآخرين للنمو الاقتصادي العالمي.

ووفقا لتقرير أعده جان لون سانتيني وهو محرر اقتصادي يعمل في واشنطن فإن الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة لاتزال هشة ولا تلوح في الأفق بعد بوادر الانتعاش الذي كان متوقعا في هذا الصيف.

إجمالي الناتج المحلي
ويشهد الاقتصاد الأميركي منذ نحو عام تقريبا تراجعا مستمرا وسجل أكثر معدلاته بطئا منذ كساد عام 1991، وقد وصل معدل النمو في الأشهر الستة الماضية إلى 1% على أساس احتسابه سنويا.

وجاء في تقرير رسمي أن النمو في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من السنة الجارية بلغ 0.7% فقط مع ارتفاع قيمة العجز التجاري وزيادة نسبة البطالة، وهو أدنى معدل للنمو منذ عام 1993 مقارنة مع 4% في الفترة نفسها من العام الماضي.

وبرغم الصورة القاتمة للوضع الاقتصادي فإن البيت الأبيض ووزير الخزانة بول أونيل يقدران بأن ينمو الاقتصاد عام 2001 بنحو 1.7%، وأنه سيستعيد قوته في سنة 2002، إذ سينمو آنذاك بنسبة 3.2% وفقا لتقديرات فريق بوش الاقتصادي بينما يستبعد خبراء مستقلون أن يتجاوز النمو 2.8%.

وقال أونيل إن فائض موازنة العام الجاري سيصل إلى 160 مليار دولار، وهو ما يكفي لتمويل تخفيضات الضرائب التي اقترحها بوش ووافق عليها الكونغرس في مايو/ أيار الماضي حينما أقر الميزانية الجديدة لعام 2001 متضمنة خفضا للضرائب بمقدار 1350 مليار دولار بهدف إنعاش الاقتصاد، وهو أكبر خفض ضريبي تجريه الولايات المتحدة منذ 20 عاما، في حين بلغت قيمة الميزانية 1.9 تريليون دولار.

تراجع الاستثمارات

ويرى خبراء الاقتصاد أن تراجع معدلات الاستثمار المتدفقة إلى الولايات المتحدة وخاصة في قطاع صناعة المعدات شكلت عاملا رئيسيا في تفاقم حالة التباطؤ وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي.

فبعد ارتفاع قيمة هذه الاستثمارات بمعدل 69 مليار دولار للربع الواحد منذ الربع الثالث من عام 1999 وحتى الربع الثاني من عام 2000 لم يرتفع الاستثمار إلا بمعدل ثلاثة مليارات دولار للربع الواحد في الربعين الأخيرين من العام 2000 والربع الأول من عام 2001.

وأدى هذا التوقف المفاجئ في الاستثمار بمجال الأعمال إلى هبوط في معدلات النمو الأميركية مما يقارب 6% إلى أقل من 1%. بالإضافة إلى ذلك فإن تدني سعر صرف الدولار سيؤدي إلى عودة التضخم إلى الولايات المتحدة الأمر الذي سيلزم مجلس الاحتياطي الفدرالي بإعادة رفع معدلات سعر الفائدة، في الوقت الذي لا يسجل فيه النمو أي خطوة إلى الأمام تقريبا.

وكدليل على تراجع الاستثمار ألغى القطاع الصناعي الأميركي الذي يعاني من الانكماش منذ عام أكثر من 837 ألف وظيفة منذ يناير/ كانون الثاني الماضي.

الإنفاق الاستهلاكي
يراهن الخبراء الاقتصاديون في الإدارة الأميركية على زيادة الإنفاق لوقع التباطؤ واستئناف النمو بمعدلات أكبر، ويقولون إن الإنفاق الاستهلاكي هو الذي أتاح حتى الآن الاحتفاظ بمستوى النشاط الاقتصادي الأميركي.

ويستندون في توقعاتهم المتفائلة هذه إلى خفض الضرائب التي ستعزز بالضرورة الإنفاق الاستهلاكي الذي يشكل ثلثي الناتج المحلي للاقتصاد الأميركي، خاصة وأن قيمة الضرائب التي أعيدت للأميركيين بين يوليو/ تموز وسبتمبر/ أيلول بلغت 38 مليار دولار، في حين يبدي المتشائمون منهم قلقا من أنه حال أحجم المستهلكون عن إنفاق هذه الأموال فإن الولايات المتحدة ستغرق في الركود.

وفي هذا السياق يقول جون لونسكي المحلل في وكالة موديز للتصنيف "تراجع الاستهلاك سيرغم الشركات على خفض إنتاجها وعدد العاملين فيها، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة البطالة وانحسار أكبر في النفقات المنزلية". وأضاف "في هذه الحالة سنشهد دورة الركود الكلاسيكية مقدرا مخاطر الركود حاليا بنحو 40%".

ويشير لونسكي إلى أن تدني إنفاق المستهلكين سيزيد من الأضرار اللاحقة أصلا بالأرباح المالية والذي يؤدي ضمنا إلى المزيد من تسريحات العمال ودفع الاقتصاد إلى الركود.

خفض قيمة الدولار

ويطالب العديد من الخبراء وصانعي القرار الاقتصادي والصناعيين والزراعيين وأساتذة الجامعات في الولايات المتحدة بتخفيض قيمة الدولار لتشجيع الصادرات الأميركية، ويقولون إن قوة الدولار تدمر قطاع الصناعات التحويلية في البلاد.

وقد أصاب إعلان صندوق النقد الدولي في منتصف أغسطس/ آب الجاري أن الدولار عرضة لخطر انخفاض قيمته انخفاضا حادا نتيجة تباطؤ الاقتصاد الأميركي وتفاقم عجز ميزان التجارة الخارجية, الدولار بهزة كبير في أسواق المال العالمية مازال يعاني من آثارها حتى الآن رغم رفض المسؤولين الأميركيين إجراء أي تخفيض في قيمة الدولار.

تجدر الإشارة هنا إلى أن تحذير صندوق النقد الدولي للسلطات الأميركية جاء في لقاءات المراجعة السنوية التي يجريها الصندوق مع أعضائه بموجب المادة الرابعة، من احتمال تعرض سعر صرف الدولار لانخفاض حاد بسبب ارتفاع عجز ميزان التجارة الخارجية إلى مستوى غير قابل للاستمرار في المدى الطويل.

الاقتصادي الأوروبي

وبرغم أن الاقتصاد الأوروبي أفضل حالا من الاقتصاد الأميركي فإنه يشهد أيضا تراجعا حادا ولن يزيد النمو فيه في أفضل الأحوال 2% حدا بسبب تباطؤ الصادرات. ويعاني الاقتصاد الأوروبي كذلك من معدل بطالة مرتفع تبلغ نحو 8% ولاتزال الضرائب المرتفعة والقوانين المتشددة تعيق إيجاد فرص للعمل.

وقد قام البنك المركزي الأوروبي بخفض مستوى توقعاته للنمو الاقتصادي الأوروبي مرتين عام 2001. ففي بداية خريف عام 2000، توقع نموا اقتصاديا بنسبة 3.6%. وبحلول بداية العام 2001، تم تخفيض ذلك المعدل إلى 3.2%.

المصدر : قدس برس