صوت مكتوم وسجال أطفال الغربة.. اللجوء السوري بين تراجيديا التجربة وشعرية الموقف

الكتاب صدر حديثا عن دار الدراويش للنشر والترجمة ألمانيا (الجزيرة)

"زهرتي الفضولية تتنفَسُني، وأنا أتنفسها بود مع احمرار طفيف بالخدود، ليس شعرا وليس نثرا بل هذا صمت الوجود".

بهذه العبارة يكشف الكاتب السوري الشاب رشيد أحمد عن جوهر أسلوبه الذي اتبعه في كتابه "استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم" والصادر حديثا عن دار الدراويش للنشر والترجمة في ألمانيا.

أسلوب جنسه ليس شعرا أو نثرا أو قصّا تماما، ولكنه يتحرك بين جميع تلك الأجناس الأدبية ليقدم من خلاله مجموعة من النصوص الإنسانية والوجدانية القريبة من القارئ و"لغة الإنسان العربي اليومية" يعالج فيها مشاكل عديدة كقضيتي التهجير واللجوء السوريتين (من سنة 2012 حتى الآن) والوجود وأسئلته، والثورة بمفهومها العام، وغيرها من القضايا متأثرا بما شهدته البلاد من تحولات كبرى خلال العقد الماضي.

تراجيديا الحرب بقسم التوليد

في نص عن مأساة التهجير السورية تحت عنوان "في قسم التوليد" يأخذنا الكاتب بعيدا في رحاب الخيال، ليمنح للرُضَع وعيَ الكبار ولغة لا يفهمها سواهم، يتحاورون من خلالها ويتساجلون حول قضايا أُممهم ومجتمعاتهم.

وفي قسم التوليد بأحد المستشفيات الأوروبية يجتمع 4 أطفال: 3 سوريين لاجئين وأوروبي غير محدد الجنسية، وما إن تخلو غرفة الحضانة من الممرضات حتى تأخذ أصوات بكائهم بالارتفاع معلنة بداية السجال.

يبدأ السجال بين السوري المؤيد للنظام ونظيره المعارض، يكيل كل منهما التهم للآخر بضياع البلاد ودمارها، فجأة يدخل الأوروبي على خط الحديث طالبا منهما العودة إلى بلادهما لأنهما واللاجئين السوريين يسببون الرعب للأوروبيين المسالمين الذين ليس عليهم أن يعلموهم "آداب العيش وأخلاقه".

وما إن ينتهي الأوروبي من مطلبه ذاك حتى يتدخل طفل سوري آخر، يتهم نظيريه السوريين بالتطرف والإقصاء، فيتهمانه بالانفصالية كونه كرديا، ويطالبانه بالسكوت، بينما يختتم الطفل أشقر الشعر (الأوروبي) السجال بتجديد دعوته للسوريين بمغادرة بلاده فورا ومتابعة صراعهم على أرض بلادهم.

وهكذا يسلط الكاتب -عبر هذا النص الفانتازي مُكثَّف الدلالة- الضوء على العنصرية التي يتعرض لها السوريون في بلدان اللجوء، ويقدم تصورا قاتما لمستقبل صراع السوريين، حيث ما يزال الشرخ السياسي والمجتمعي كبيرا، بل يبدو أنه انتقل للأطفال الذين سرعان ما بدؤوا يألفون خطاب الإقصاء وهم ما يزالون في حضاناتهم.

الغربة

وعن الغربة، يقول أحمد للجزيرة نت "الغربة ليست غربة الجسد عن مكان جغرافي معين، بل هي بُعد الجسد عن الروح، التي بها ولأجلها يتواجد الجسد، هذا ما أقصده حينما أتحدث عن الغربة، لأن أجسادنا مغتربة عن ذاتها".

وعن أثر الغربة على الوعي يضيف "بانتقالي من دولة لأخرى بحثا عن السلام، توسّعت آفاقي الاجتماعية والروحية، حيث تأكدت بأن البشرية جمعاء تخوض الحروب وليس فقط مَن يتقاتلون بالبنادق هم في حرب. لكل مجتمع حربه، ولكل فرد حروبه، ولكل حرب مقاصدها ودروبها. وأعترف بأن كل تلك الحروب هي سبب ولادة هذا الكتاب".

وإلى جانب الاغتراب، يُسائل الكاتب العديد من الظواهر الإنسانية الأخرى، ففي نصه "زوبعة من زوابع الإدراك" يحكي المؤلف عن العلوم المزيفة والجهل الإنساني، وعن الثراء الذي يصنع الفقر، وعن الأفلام التي جسدت للناس أحلامهم وأوهامهم حتى باتوا غير مكترثين لواقعهم.

ويتعجب أحمد من أولئك الذين يتهيبون الموت في نصه "للموت مزايا كما للقنابل شظايا" فالبشرية تفتعل الحروب، تمارس العنصرية، تحارب الطبيعة، وجميعها ممارسات تؤدي إلى الموت، وبهذا يغدو الخوف بالنسبة للكاتب غير مبرر.

المصدر : الجزيرة