كوفيد-19 يكشف أعداء آخرين في "عدو غير مرئي"

كتاب: عدو غير مرئي الروائي الجزائري بومدين بلكبير مواقع التواصل
كتاب "عدو غير مرئي" للروائي الجزائري بومدين بلكبير (مواقع التواصل)

ساهم انتشار فيروس كوفيد-19، في العالم والعالم العربي، بصدور كتب كثيرة عن هذا الوباء. أكثر تلك الكتب كانت عبارة عن يوميات كتّاب في قبضة كوفيد، ومنها الكتاب الصادر حديثاً للكاتب الجزائري بومدين بلكبير بعنوان "عدو غير مرئي"، عن منشورات ضفاف ومنشورات الاختلاف.

مع توالي إصدارات كتاب وشعراء وروائيين وصحفيين ونقاد، من مختلف أنحاء العالم، يبدو الأمر وكأنهم افتتحوا مدرسة جديدة للكتاب، يمكن للمرء أن يطلق عليها مثلا "أدب الوباء" إذا جاز التعبير. رغم أن مناقشة بسيطة لأساسيات أيّة مدرسة للكتابة سيُخرج هذا التصنيف من عوالم مدارسها، وإلا لبات على المرء أن يُخرج الكثير من الكتابات من فئاتها الخاصة كرواية أو سيرة أو علم اجتماع حتى.

يوميات

العنوان الفرعي لكتاب "عدو غير مرئي" كان "يوميات روائي في الحجر"، وهو عنوان دال على حالة معينة؛ وهي "إجبار" هذا الكاتب الروائي على الجلوس في بيته طوال الحظر المفروض من السلطات، من أجل الحد من احتكاك الناس ببعضهم البعض، وبالتالي منع انتقال العدوى من المصابين إلى السليمين. ولكننا عندما نقرأ صفحات هذا الكتاب، وهي 192 صفحة، سنجد أن ذلك الروائي قلّما يبقى في البيت! وهذا قد يبدو مبررا إذا كان الشخص أستاذا في الجامعة، ومشاركا في تقييم الرسالات الجامعيّة من الطلبة.

تبدأ اليوميات من تاريخ 7 يوليو/تموز 2021 وتنتهي يوم 4 سبتمبر/أيلول 2021، في 56 فصلا. وهي فترة تبدو ممتدة على ما يقارب الشهرين، ولكن الكاتب يتوسّع في الحالة الزمنيّة من خلال الرجوع إلى أحداث سابقة، سياسية واجتماعية وتاريخية، تجعل هذا الكتاب يخرج بارتياح من قبضة الزمن الحديديّة.

الروائي الجزائري بومدين بلكبير مواقع التواصل
الروائي الجزائري بومدين بلكبير ألف عدة روايات بينها "زنقة الطليان" (مواقع التواصل)

هذا الخروج عن القيد الزماني سيصاحبه بالتأكيد خروج عن القيد المكاني، رغم أوامر الحظر العامة، والأوامر الشخصية للذات خوف الإصابة بالفيروس "الذي فتك بالآلاف". يأخذ بلكبير القارئ إلى أماكن كثيرة في المدينة التي يسكن فيها، والمدينة القديمة ومكان عمله، راسما بوضوح خريطة هائلة للمدينة وحاراتها، حتى أن القارئ يستطيع اتخاذ هذا الكتاب دليلا لزيارة مدينة عنابة الجزائريّة وضواحيها.

وبسؤاله عن طريقة كتابة هذا الكتاب، قال صاحب رواية "زنقة الطليان" للجزيرة نت إنه كان يكتب يوميا وباستمرار من أجل "مواجهة عبثية الحياة والعزلة واللاجدوى التي فرضها علينا الوباء".

واستطرد بومدين بلكبير بأن كتابه "عدو غير مرئي" يدرج ضمن "أدب الوباء/أدب الأزمات"، وهو بمثابة يوميات "أنقذته من السقوط في هاوية الكآبة والموت". وقال صاحب رواية "زوج بغال" إنه لم يدون تلك اليوميات "قصد توثيق سيرتي"، بقدر ما وثّق فيه لحظات "الهشاشة الإنسانية في ظل وباء قاتل، لا يرحم كبيرا ولا صغيرا، ولا يفرق بين رجل  وامرأة، أو بين غني و فقير".

عزلة ولحظات عصيبة

يجتاح العدو غير المرئي -وهو فيروس كوفيد-19- حياة الناس بسهولة، بسبب عدم تقيّد الناس بأبسط التعليمات، من ارتداء الكمامات الصحيّة والالتزام بسياسة التباعد الاجتماعي، ويصبح عدوا مرئيا يجثم بثقله على صدور المواطنين الذين يُجبرون على عيش العزل والعزلة ولو بدرجات، فيتحوّل أولئك الناس -سواء المصابين منهم أو غير المصابين- إلى أعداء مرئيين في كل مكان.

هذا الاشتقاق -العزل والعزلة- كان غير متداول قبل اجتياح هذا العدو للبلاد، والمشكلة الكبرى أن اجتياح العدو لا يكون لحدود وحصون وقلاع المدن، بل يكون باجتياح أعضاء الجسد البشري كحصون وقلاع تنبض بالحياة.

اختار بومدين مقولتين ذكيّتين مفتتحا لكتابه هذا: المقولة الأولى كانت من الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي الشهير إدغار موران (ولد عام 1921). يقول موران "إننا في هذه اللحظات العصيبة من الوحدة والعزلة، بعيدا عن المشاعر والأصدقاء والمجتمع، أصبحنا أكثر وعيا بحاجتنا للآخر". وهي مقولة تخص العلاقات الاجتماعية وخيارات الناس وحريّتهم في عيش العزلة والابتعاد عن صخب الآخرين، ولكن "العزلة الإجباريّة" تبدو دائما عقابا لا خيارا يُريد الإنسان دائما أن يتمرد عليه.

الفيلسوف الفرنسي إدغر موران
الفيلسوف الفرنسي إدغار موران (مواقع التواصل)

أما المقولة الثانية فاقتبسها بلكبير من الفيلسوف والناقد السلوفيني الشهير سلافوي جيجك (ولد عام 1949)، وهي مقولة تشرح التكلفة النفسيّة التي ستدفعها البشرية، من ارتياب وذعر وجنون، خلال عيش عزلة سميكة الطبقات. يقول جيجك "إن التكلفة النفسيّة ستكون باهظة الثمن، كما تخلق العزلة أيضاً أشكالا جديدة من جنون الارتياب تتجلى في العديد من نظريات المؤامرة على شبكات التواصل الاجتماعي".

وباء وجهل وتسلط

لا يقدّم الكتاب فقط تلك التفاصيل اليومية من العيش والقلق، وتتكرّر في كثير من المقاطع، بل كذلك الأفكار التي يوصلها المرء من التفاصيل التي تلتمع خلال عزلته. فبلكبير يُراقب عدم اكتراث الناس بخطورة الوباء، ويُناقش آراء البعض حول "المؤامرة البيولوجية"، ويقوم بمحاسبة بلده كذلك بسبب التقصير في ضبط وفرض الأوامر التي قد تُخفّف من الأعداد الهائلة من المصابين والمتوفين، والتي تزداد باطراد. بل إن بلكبير -خلال الرعب واليأس وتوالي الأخبار السيئة عن زملاء وأصدقاء وأقرباء يصابون أو يتوفون- يقدم للقارئ ذلك العجز الذي يشعر به أحدنا عندما يواجه مرضاً قد لا يجد له دواء.

ولكن الأمر مختلف في البلدان العربية، "فالأمر سيّان، إن لم تمت بالوباء متَّ بغيره، فهناك الأنظمة القمعية الرابضة على أنفاس الناس في المنطقة العربية، تقبض الأرواح وتنكل بالجثث. وهناك أيضا الجهل والتخلف وغيرهما، يُكملان ما سقط سهوا من الفيروس اللعين ومن تلك الأنظمة"، ويُكمل في مكان آخر بطريقة هازلة وسجعيّة بأننا في مواجهة "فيروس متحوّر مع شعب متهوّر، بنظام صحيّ غير متطوّر".

الجهل الذي يجعل الأرقام الرسمية للمصابين والموتى غير دقيقة، لأن أغلب من يُصابون بالعدوى "يكتفون باقتناء الأدوية من الصيدليات" دون التصريح للجهات الرسمية، بل هم يخفون الأمر لكي لا يشعروا بالحرج أمام الآخرين، بل إن الكثيرين من المصابين ببدايات الأعراض "يواصلون حياتهم العادية ويختلطون بالناس وكأن شيئا لم يكن، دون أن يأبهوا بمخاطر نقل الفيروس المميت للآخرين".

وهذا ما يدفع المرء إلى التساؤل وأن يُفكر، من أين يأتي الأمل في ذروة الوباء؟ إذ يتساءل بلكبير كذلك: "من أين نجيء بالأفكار الإيجابيّة ونحن في حرب مع عدو لا يُرى بالعين المجرّدة. ترى فقط عشرات الحفر المتراصة في المقابر تحفرها يوميا مجنزرات البلدية. تنتظر أمواتاً لا تقام لهم جنائز، ولا يجدون من يودعهم".

قتل وحرق

يشتكي بلكبير من التلفاز وبرامجه المملة التي تشبه "الهراء"، خلال اضطراره للبقاء في البيت. لذلك يستخدم هاتفه لكي يشاهد ويقرأ "المعارك الكلامية" على مواقع التواصل الاجتماعي. لكنه ينقل للقارئ سردا عن كتب أو أفلام قرأها وشاهدها، أو عن حوادث حصلت معه ومع أصدقائه، وهو أمر محسوب لصالح هذا الكتاب.

ويمر صاحب رواية "خرافة الرجل القوي" على الكثير من التفاصيل والحكايات اليومية في الأسواق وبيت العائلة ومكان العمل في الجامعة، وكذلك على الخرافات التي يحكيها الناس عن الوباء واللقاحات. وبالرغم من كثرة الرعب والجثث والأخبار السيئة، سألنا بلكبير عن الأمل وعن الخلاصة التي كان يريد أن يقولها طوال وقت العزلة وكتابة هذا الكتاب، فقال للجزيرة نت إنه أراد أن يكشف عن هشاشة وضعف الكائن البشري، بكل ما وصل إليه من تقدم وإنجازات في العلم والتكنولوجيا على مدار قرون من الزمن، أمام فيروس واحد غير مرئي. واستطرد بأننا "نشيخ حينما نفقد إيماننا بأنفسنا، حينما تفقد نظرات عيوننا شغف الحياة".

المصدر : الجزيرة