"وجع لابد منه".. حكايات مؤلمة للسفر من وإلى "مدينة لا تعرف الخوف"

في هذه الرحلة المريرة، اعتمد تايه على "تقنية الاستباق والاسترجاع" واستحضار الذكريات على ألسنة الركاب السبعة، في محاولة منهم للتغلب على مشاق الطريق وأوجاعه.

وجع لابد منه..رواية برسم الألم لمليوني فلسطيني في السفر من غزة وإليها-رائد موسى-الجزيرة نت
الكاتب الفلسطيني عبد الله التايه: غزيون كثر يعودون بإرادتهم لأوجاعهم بهذه المدينة التي لم يخلق مثلها في البلاد (الجزيرة)

غزة- الشمس علت، صار الوقت ضحى، نظر إلى ساعته، عقاربها تشير إلى الثامنة ونصف وبضع دقائق.. الوقت لم يعد له قيمة، هنا لا قيمة للوقت.. يتمتم فادي المظلوم العائد من إسطنبول إلى غزة بعد محاولة هجرة إلى أوروبا لم يكتب لها النجاح.. "هناك للوقت قيمة.. الوقت هو الحياة، العمر هو ساعات ودقائق".

كان هذا حديث فادي مع نفسه داخل سيارة تتلاصق بداخلها أجساد 7 ركاب من غزة، وثامنهم السائق حمادة من مدينة العريش في سيناء المصرية، تصطف في طابور طويل من سيارات تنتظر إشارة بفتح أحد الحواجز العسكرية المنتشرة على امتداد الطريق من القاهرة إلى معبر رفح البري، المنفذ الوحيد لمليوني فلسطيني من "سجن غزة الكبير" وإليه عبر مصر.

الركاب السبعة، 3 نساء و4 رجال، هم أبطال رواية "وجع لابد منه" الصادرة حديثا للروائي الفلسطيني عبد الله تايه، الأمين العام المساعد لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين، وتصور مشاهد من القهر والألم يواجهها الغزيون في رحلات سفر يضطرون إليها، وغالبا تكون لدواع غير سعيدة.

الراوي خاض رحلة الوجع

سليم حميدوش، هو أحد هؤلاء الركاب وقد اضطر للسفر بحثا عن علاج لساقه التي أصيب بها خلال مشاركته في "مسيرات العودة وكسر الحصار" على حدود غزة الشرقية، يقول في نفسه من دون تلفظ "السفر من القاهرة إلى غزة صار ليلتين قمريتين ونهارين شمسيين، هذا لو سارت الأمور على ما يرام ووصلنا المعبر قبل إغلاقه.. يقول الناس إن هذه المسافة كانت تقطعها العربة قبل الفوضى في سيناء في أربع أو ست ساعات..".

رغم ما بها من أوجاع يعود الفلسطيني إلى غزة المدينة التي لا تعرف الخوف ولم يخلق مثلها في البلاد-رائد موسى-الجزيرة نت
عبد الله التايه خاض تجربة السفر إلى غزة ونقل فصولها عبر روايته (الجزيرة)

تايه خاض بنفسه تجربة سفر مريرة في طريق عودته إلى غزة، مكث خلالها 5 أيام ينام وحشود المسافرين في العراء و"استراحات المسافرين".

ورغم مرارة هذه التجربة لتايه، والتي ساعدته على تجسيدها بأوصاف دقيقة في روايته، فإنه بدا حريصاً على إظهار سبب التغير الذي طرأ على طريق القاهرة غزة والعكس مروراً بسيناء، التي تشهد "فوضى أمنية" منذ نحو 10 سنوات، ويقول للجزيرة نت "لم يكن السفر في السابق بكل هذه المعاناة، لولا ما تشهده سيناء من أحداث أمنية".

هذه المعاناة دفعت سليم إلى تمني لو بترت ساقه في غزة، ولم يضطر إلى خوض تجربة السفر المريرة.

السفر من أجل العلاج ليس أزمة سليم وحده، فمئات المرضى فقدوا حياتهم في غزة على مدار سني الحصار الممتدة منذ عام 2006، لعدم توفر العلاج والإمكانات، فيما آلاف لا تزال أرواحهم تتأرجح بين الموت والحياة.

وفي الرواية يسرد تايه الكثير من أوجه المعاناة في غزة، الكثير منها بسبب الاحتلال باستخدام سلاحي الحصار والحروب، وليس قليلا منها لأسباب فلسطينية ذاتية نتيجة الانقسام الداخلي منذ منتصف عام 2007.

وكما فادي، فإن آلاف الشباب خاضوا على مدار 16 عاما غمار تجربة الهجرة، هربا من الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل، وفي الوقت الذي نجح البعض منهم، فإن آخرين اضطروا للعودة إلى غزة، التي يصفها تايه في روايته بـ "المدينة التي لا تعرف الخوف، ولم يخلق مثلها في البلاد".

كان سليم يتوسط الراكبين الشابين فادي المظلوم وإبراهيم الوالي في المقعد الأوسط من السيارة، بينما في المقعد الخلفي 3 نساء بينهن عزيزة النادي معلمة مدرسة مصابة بالسرطان كانت تتلقى العلاج في مصر، وفوزية سلمان تقصد غزة لزيارة أهلها في مخيم جباليا للاجئين بعد انقطاع لسنوات إثر زواجها بابن عمها في مخيم جرش بالأردن، وفي المقعد الأمامي المجاور للسائق يجلس الحاج علي الغمري، ولكل منهم "حكاية تدمي القلب.. ووجع لابد منه".

استحضار الذكريات

في هذه الرحلة المريرة، اعتمد تايه على "تقنية الاستباق والاسترجاع" واستحضار الذكريات على ألسنة الركاب السبعة، في محاولة منهم للتغلب على مشاق الطريق وأوجاعها.

كان الغمري لسنوات طويلة في غزة ولم يغادر في سفر، إلى أن كتب له الله رحلة للديار الحجازية المقدسة لأداء العمرة، ولقاء نجله عبد الحافظ الذي يعمل مهندسا ولم يره منذ فترة طويلة.

وفوزية انقادت لعاطفتها بعد حديث والدها "أحكم الجميع الطوق والحصار على الناس، وفقد الناس أعمالهم ومصادر أرزاقهم، وصار السفر بشق الأنفس.. حاولي أن تأتي لزيارتنا يا ابنتي، أمك مريضة".

ثالث النسوة في المقعد الخلفي من السيارة هي مريم أبو الحسب، ولحكايتها تفاصيل كثيرة ومتشعبة أفرد لها تايه مساحة واسعة في الرواية، لارتباطها بذكرى أليمة.. فغربتها ترتبط بهزيمة يونيو/حزيران 1967، التي يطلق عليها العرب "النكسة" وتوافق هذه الأيام ذكراها الـ 55.

عقب النكسة.. "آلاف العائلات، والناس فرادى وجماعات بدؤوا بمغادرة مدن وقرى الضفة الغربية وقطاع غزة، ينزحون إلى الضفة الشرقية للأردن تاركين بيوتهم.. الجنود والفدائيون في قطاع غزة اختفوا، خلت المواقع العسكرية منهم، وبدأ إعلان منع التجول من المساء حتى الصباح (..) صار القطاع تحت القانون العسكري للاحتلال الإسرائيلي".

كانت مريم واحدة من هؤلاء، وقد لحقت بزوجها محمد المجند آنذاك في "جيش التحرير الفلسطيني" والذي هرب من غزة إلى مصر، بعد اشتداد الملاحقة الإسرائيلية للفدائيين الفلسطينيين.

ولم ينس تايه اللاجئ المولود في غزة عام 1953 بعد هجرة عائلته من بلدة "بيت دراس" الألم الأكبر الذي يلازم الفلسطينيين منذ النكبة عام 1948. ألم لم ينل من حلم العودة إلى فلسطين التاريخية، وعقد مقارنات بين عودة الناس إلى غزة "صاحبة الوجع الأكبر" رغم مشاق السفر، وبين الحلم الأكبر بالعودة إلى ديار الآباء والأجداد.

غزة.. حلاوة الوجع

ولتايه، الذي اختارته وزارة الثقافة الفلسطينية شخصية العام الثقافية للعام الجاري، 24 كتابا تتضمن 7 مجموعات قصصية و7 روايات آخرها "وجع لابد منه".

وقال الناقد والروائي الفلسطيني شفيق التلولي للجزيرة نت إن تايه أبدع في إعادة إنتاج الواقع بطريقة أدبية، وقد ساعدته معايشته الشخصية لهذه التجربة المريرة في السفر على التجسيد الدقيق لمعاناة مليوني فلسطيني في غزة.

شفيق التلولي سفر الغزيين ليس كأي سفر إنه قطعة عذاب-رائد موسى-الجزيرة نت
شفيق التلولي: سفر الغزيين ليس كأي سفر إنه قطعة عذاب (الجزيرة)

في هذه الرواية -والحديث للتلولي- يبحر تايه في محطات مفصلية للحياة الفلسطينية، ويؤرخ لمعاناة الفلسطيني من النكبة الكبرى، مروراً بنكبات أصغر، كالنكسة والحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة والحصار والانقسام الداخلي.

وينعكس ذلك على حق أساسي للإنسان في السفر، الذي يمارسه العالم بسعادة بغية السياحة والترفيه، في حين الفلسطيني في غزة يلجأ إليه مضطرا وهو بالنسبة للغزيين "قطعة عذاب" بحسب وصف التلولي، ورغم ذلك يقول "أهل غزة ليسوا كغيرهم، فهم يكابدون المشاق من أجل السفر، ولأهداف وغايات مختلفة، منها البحث عن حياة أفضل، لكن كثيرين يقررون بإرادتهم العودة إلى أوجاعهم في هذه المدينة التي لم يخلق مثلها في البلاد".

المصدر : الجزيرة