عميد مسجد باريس الكبير شمس الدين حفيظ: اللغة العربية ثراء والمسلمون ساهموا بنهضة فرنسا الحديثة

عميد مسجد باريس شمس الدين حفيظ يقول إن الإسلام معرفة وعلم وتسامح، وليس عنفا وتطرفا، مؤكدا أن الغرب لا يعرف هذا الدين ويجهل قيمه العظيمة تماما. وأشار إلى أن اليمين المتطرف يحاول تشويه المسلمين، معتبرا أن مشروع مسجد باريس هو وضع آلية للحوار بين الديانات والثقافات.

عميد مسجد باريس الكبير شمس الدين حفيظ (الجزيرة)

باريس – يعتبر مسجد باريس الكبير من أعرق وأكبر المساجد في أوروبا، وقد شيّد من قبل الدولة الفرنسية تكريما للجنود المسلمين الذين دافعوا عنها خلال الحرب العالمية الأولى، وتم تدشينه في يوليو/تموز 1926.

وهو يعتبر منارة دينية وعلمية وثقافية بما يضمه من مؤسسات تربوية وثقافية وجمعيات إنسانية تشتغل معه. ويضم المسجد أكثر من 70 جمعية محلية وإقليمية، بالإضافة إلى 166 إماما خطيبا يساهمون في نشر تعاليم الدين الإسلامي السمحة وقيمه العميقة.

تبلغ ميزانية مسجد باريس الكبير حوالي 4 ملايين يورو، يأتي نصفها (مليونا يورو) من الجزائر مساهمة سنوية، والبقية تأتي من التبرعات الخاصة والوقف الخاص بالمسجد.

بمناسبة عودة الأنشطة الدينية والثقافية والاجتماعية والإنسانية إلى المسجد بعد انقطاع عامين متتالين نتيجة جائحة كورونا، كان للجزيرة نت هذا الحوار مع عميده شمس الدين حفيظ.

تطرق الحوار إلى زخم الأنشطة وتنوعها وعودتها إلى المسجد، وإلى الكتاب الجديد الذي أصدره تحت عنوان "لا إهانة للبعض نحن أبناء الجمهورية" ورسائله الخفية المضمنة بين السطور.

كما تطرق إلى دور المسجد في التعريف بالقيم السمحة للدين الإسلامي، ونشر اللغة العربية في المجتمع الفرنسي، وكذلك موقع المسلمين في المجتمع ودورهم في الانتخابات الرئاسية خاصة مع حملات التشويه التي يتعرضون لها من قبل اليمين المتطرف، فإلى الحوار.

مسجد باريس تأسس عام 1926 (الجزيرة)
  • ما أبرز الأنشطة الدينية والإنسانية والدينية والثقافية التي يقدمها مسجد باريس الكبير لرواده في رمضان هذا العام خاصة بعد توقف الفعاليات خلال السنتين الأخيرتين نتيجة وباء كورونا؟

في الحقيقة لقد أثر الإغلاق الكامل الذي عاشته فرنسا خلال عامين بسبب جائحة كورونا كثيرا على أنشطة المسجد خاصة في شهر رمضان الذي تكون فيه هذه الدروس في ذروتها.

وطيلة هذا الشهر الفضيل، لدينا برنامج متكامل قد سهرنا على تحضيره والتخطيط له منذ فترة حيث عادت صلاة التراويح، وشهدنا حضورا مكثفا للمصلين منذ اليوم الأول. كما لدينا كل يوم قبل صلاة العصر طيلة هذا الشهر مجموعة من الدروس والخطب الدينية التوعوية التي يلقيها نخبة من الأئمة المختارين.

وفي الأنشطة الإنسانية الاجتماعية، يقدم مسجد باريس الكبير -بالتعاون مع عدة جمعيات أهلية- وجبات الإفطار والمساعدات الغذائية والعينية للطلبة والمحتاجين والفقراء وعابري السبيل.

وهذه السنة لدينا مسابقة وطنية كبيرة في حفظ القرآن الكريم، وسنعلن عن نتائجها النهائية ليلة القدر وسنوزع الجوائز على الفائزين. وقد انطلق اختيار المتسابقين والقارئين منذ فترة تحت إشراف مجموعة من أئمة المسجد الكبير. وقد تفاجأنا حقا بالإقبال الكبير في التسجيل لهذه المسابقة، وتفاجأت أنا شخصيا بمستوى المتقدمين للمسابقة وحفظهم للقرآن رغم صغر سنهم، رغم أننا في بلد علماني. وهو ما زاد من حدة المنافسة، حيث لدينا اليوم أكثر من 100 متسابق في كافة الفئات العمرية التي تنطلق منذ 5 سنوات إلى ما لا نهاية. وستكون ليلة القدر موعد الدور النهائي والإعلان عن الفائزين وتوزيع الجوائز.

  • الإسلام دين علم وثقافة وأدب وحضارة، فما دور المؤسسات الإسلامية التي تنشط في فرنسا، مثل مسجد باريس، في التعريف بهذه الجوانب المشرقة في الحضارة العربية الإسلامية؟

ينبغي التأكيد على أن مسجد باريس الكبير ليس مكانا للتعبد والصلاة فقط، وإنما هو مؤسسة دينية وثقافية ومنارة علمية تحاول تسليط الضوء على الدين الإسلامي الحنيف وتعريف الآخر بخصائصه ورسالته النبيلة خاصة مع التشويه الكبير الذي يتعرض له الإسلام هذه السنوات الأخيرة.

كذلك من الأدوار المهمة التي يقوم بها المسجد التعريف بتاريخ الحضارة العربية الإسلامية وعمقها وثقافتها. وفي هذا الإطار ومنذ تعييني في هذا المنصب، قمت بتأسيس المجلس الأعلى للعلوم والثقافة في المسجد الكبير، وكذلك قمت بتأسيس ملتقى للحوار تحت عنوان "أربعاء المعرفة" نقدم فيه شهريا كل أول أربعاء لقاء مهما مع أحد المفكرين أو الأساتذة أو المؤرخين أو رجال الدين أو الكتاب أو العلماء الكبار، ويقوم الضيف بإلقاء محاضرة تلقي الضوء على الدين الإسلامي والحضارة العربية الإسلامية ويتم النقاش حول بعض القضايا الدينية والفكرية والثقافية.

ولدينا مشروع مهم في مسجد باريس الكبير بصدد الاشتغال عليه وهو وضع آلية عمل لتكثيف الحوار مع بقية الديانات والثقافات، وفي هذا الإطار قمت بزيارة في فبراير/شباط الماضي إلى البابا وتحدثنا عن هذا المشروع وعلى تكثيف التعاون في المجال الإنساني والاجتماعي على مستوى العالم، وخاصة على الفقراء وضحايا الحروب والمهاجرين واللاجئين.

مسجد باريس من الداخل (الجزيرة)
  • هل هناك مشروع تعاون بين مسجد باريس ومؤسسة الفاتيكان في إطار الحوار بين الديانات والحضارات؟

نعم، هناك عدة مشاريع تعاون في هذه المجالات بين مؤسستنا ومؤسسة الفاتيكان ممثلة في شخص البابا فرانشيسكو، خاصة وأن له علاقة كبيرة ومميزة مع المسلمين وقد زار سابقا شيخ الأزهر والتقي في العراق المرجع (الشيعي علي) السيستاني، والبابا ينادي المسلمين بإخواني وليس أصدقائي كما سابقيه.

وقد فاجأني البابا بأنه يتابع الحملات الانتخابية الفرنسية ويستنكر هجوم بعض المرشحين المتطرفين على المسلمين ويندد بهذه التصرفات. ولذلك كله أؤكد دائما على جانب التسامح والأخوة والرحمة الذي يميز ديننا الحنيف ونحن بحاجة الى مزيد من التلاقح والتحاور مع بقية الديانات والثقافات والحضارات.. ديننا ليس دين عنف وتطرف كما يحاول أن يروج البعض.

  • هل تعتقد أن ينجح الحوار، الذي تتحدث عنه، في هذه اللحظة الراهنة بكل ما فيها من عنف وحروب، وصدام حضارات وهويات كما روج المفكر الأميركي صموئيل هنتغنتون؟

أعتقد أن اللحظة التاريخية تفرض علينا الحوار أكثر من أي وقت مضى. الحوار مع الآخر وفهمه واجب علينا كمسلمين اليوم لكي نمحو عن ديننا الإسلامي هذه الصورة المشوهة التي يحاول البعض الترويج لها، ولكي ندفع تهمة الإرهاب التي يحاولون إلصاقها بالمسلمين.

الغرب لا يعرف الإسلام ويجهل قيمة العميقة تماما، وأنا كل مرة ألتقي فيها ممثلي الديانات الأخرى أؤكد على جانب الحوار هذا وأدفع به إلى الأمام، لأن الانغلاق على أنفسنا لن يضيف لنا شيئا كمسلمين. وهم أيضا يطمحون إلى الحوار مع الدين الإسلامي ويريدون التعرف عليه أكثر.

  • كيف يلعب مسجد باريس دورا مهما في تدريس العربية والمساهمة في انتشارها في فرنسا بوصفها حاملة ثقافة وحضارة كبيرة؟

لابد من التأكيد هنا أن العربية، فضلا عن كونها لغة القرآن الكريم، هي أكبر رابع لغة يتكلم بها في العالم.

والمعركة الكبيرة التي أخوضها اليوم وأدعو لها هي ضرورة تدريس العربية وإدخالها إلى كل المؤسسات التعليمية والتربوية الفرنسية. وأضم صوتي هنا إلى صديقي جاك لانغ رئيس معهد العالم العربي بباريس -الذي جمعتني به عدة لقاءات ونقاشات- وإلى ما قاله في كتابه الذي ألفه عن العربية بأنها "ضربة حظ بالنسبة لفرنسا".

وفي هذا الإطار أنا لدي مشروع مهم ضمن مسجد باريس الكبير لإنشاء مدرسة لتعليم العربية وتكون مزدوجة بينها وبين الفرنسية من السنة الأولى ابتدائي وحتى البكالوريا. وسنحرص على تدريس العربية فقط للتلاميذ الصغار من السنة الثالثة حتى الخامسة، ثم من السادسة وحتى الباكالوريا سندرسهم التعاليم الإسلامية حتى يفهموا الدين الإسلامي ويطوروا نظرتهم عنه.

وهذه المدرسة -التي ستكون بطريقة علمية "بيداغوجية" صحيحة- هي ما تحتاجه الأجيال الجديدة، ذلك أن مدارس تدريس العربية الموجودة غير منظمة ومؤطرة. ونأمل أن يحقق هذا المشروع الطموح، الذي سنشرع في تنفيذه قريبا، غاياته النبيلة في نشر العربية والتعاليم الاسلامية بطريقة صحيحة وغير مشوهة.

  • يعتبر الإسلام الديانة الثانية في فرنسا، هل تعتقد أنه أخذ حقه عند السلطات؟

لا، الديانة الإسلامية لم تأخذ حقها في فرنسا. ولكن التجربة تعلمنا أن الحقوق لا تهدى وإنما تؤخذ، ولذلك لابد لنا كمسلمين من الدفاع عن حقوقنا وأخذها. ولكن كيف ذلك؟

أولا، لابد من أن تكون مواطنا خالصا حقيقيا وتقبل قوانين ومبادئ الجمهورية الفرنسية. كما يجب عليك أن تحب هذا المجتمع الذي تعيش فيه وهذه الجمهورية، حتى وإن كانت أصولك عربية إسلامية.

وهنا أنا أفتخر بأصلي الجزائري وثقافتي وهويتي الأصلية، وفي نفس الوقت أفخر بهويتي الفرنسية وانتمائي لهذا المجتمع. هذا لا ينفي ذاك ولا يعتبر تناقضا بقدر اعتباره ثراء لشخصية أي مواطن فرنسي من أصول عربية إسلامية.

مسجد باريس مستوحى من جامع القرويين في فاس (الجزيرة)
  • كتابك الجديد "لا إهانة للبعض نحن أبناء الجمهورية" يحمل رسائل خفية وقوية، فلمن؟ وماذا أردت أن تقول من خلال هذا العنوان المستفز الرمزي؟

لا يخفى على أحد اليوم أن بعض المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية مثل إريك زمور يشنون هجومات على المسلمين في حملاتهم الانتخابية ويصفونهم بأشنع الأوصاف، ويتهمونهم بالإرهاب ويهددون بطرد المهاجرين والمسلمين.

ولذلك حاولت في هذا الكتاب الرد على مثل هذه الاتهامات والحملات غير المقبولة. وحاولت إيصال رسالة واضحة وهي أن مسلمي فرنسا أبناء الجمهورية وجزء لا يتجزأ من هذا المجتمع ومن تاريخ فرنسا.

وكل مرة كانت فرنسا على مر تاريخها بحاجة إليهم وجدتهم في الميعاد. لقد قدم المسلمون تضحيات كبيرة في بناء فرنسا والجمهورية منذ الحربين العالميتين ووصولا إلى اليوم. المسلمون هم من أعادوا بناء فرنسا الحديثة وساهموا في نهضتها، إذن فكلام زمور وأمثاله من المتطرفين مردود عليهم ومرفوض.

زمور يحاول اللعب على العامل الديني ويحاول خلق حالات كره وحرب أهلية بين المسيحيين والمسلمين. وأعتقد أن مثل هذا الكلام قد تجاوزه الزمن. اليوم في فرنسا لا فرق بين إنسان وآخر إلا بحق المواطنة، أما خلاف ذلك فكلها أشياء ليس لها أي معنى. كل من يعيش على هذه الأرض يحتكم فقط للقانون. ولذلك أكدت في مقال نشر أخيرا في صحيفة لوموند على ضرورة أن يمارس المسلمون حقهم الانتخابي حتى (ينالوا) حقوقهم ولا يجلسون على الربوة وينتظرون من يعطيهم فتات حقوقهم.

مسجد باريس يحتوي على قاعة صلاة ومدرسة ومكتبة وحدائق وغرفة اجتماعات ومطعم (الجزيرة)
  • هل يحاول كتابك هذا إسقاط تهم التطرف عن مسلمي فرنسا، وعدم قدرتهم على الاندماج في المجتمع، التي يتهمهم بها اليمين المتطرف؟

اليمين المتطرف اليوم يرفض كل هذه القيم التي تجمع الفرنسيين، ويحاول تشويه المسلمين. مسلمو فرنسا مثلهم مثل غيرهم من بقية المواطنين، لهم حقوقهم وواجباتهم ويحترمون قيم الجمهورية. ويشاركون في نهضة المجتمع ويشكلون ويمثلون عنصر ثراء وإضافة لفرنسا عكس ما يروج له اليمين المتطرف من زمور ومارين لوبان.

  • في ظل المزايدات الكبيرة من اليمين المتطرف على مسلمي فرنسا ومحاولة تشويههم وتجريدهم من خصوصيتهم وهويتهم، هل تعتقد أنها اليوم معركة هوية وثقافة؟

هذا صحيح، المعركة اليوم هي معركة هوية. فاليمين المتطرف يحاول ترويج أن المسلمين كلما تكاثروا وازداد عددهم في فرنسا وقع تهديد الهوية الفرنسية، وهذه الطروحات طبعا خاطئة تماما.

مسلمو فرنسا اندمجوا في المجتمع ولا يشكلون أي تهديد أو خطر على الهوية الفرنسية وعلى قيم الجمهورية ومكتسباتها التاريخية. الجالية العربية المسلمة التي قدمت منذ عقود ساهمت مثل غيرها من الجاليات أو السكان الأصليين، في تطوير وتقدم الأمة الفرنسية في كل مراحل تاريخها الحديث، وكل من يقول عكس هذا فهو جاحد.

المصدر : الجزيرة