خيمة الصحفيين ومنتدى دال.. الوجهتان الأبرز لمحبي العمل الثقافي في الخرطوم

أمسية تكريم الشاعر محمد المكي إبراهيم بمنتدى دال الثقافي - الجزيرة
أمسية تكريم الشاعر محمد المكي إبراهيم بمنتدى دال الثقافي (الجزيرة)

الخرطوم- أين تسهر هذا المساء؟ سؤال كانت إجابته باعثة على حيرة الباحثين عن المنتديات الثقافية في العاصمة السودانية بمواسم رمضانية سابقة، جراء كثرة الخيارات المطروحة أمامهم. لكن إجابة السؤال ذاته العام الحالي، وإن احتفظت بشق الحيرة، فإننا نلقاها هذه المرة -على النقيض- ناجمة عن شح الفعاليات بشكل يمكن للمتتبع رصده بكل سهولة ويسر.

وانحسر النشاط الثقافي في أمسيات رمضان الجاري لعدة أسباب، أهمها الانفلات الأمني الذي تشهده العاصمة الخرطوم، زد على ذلك انخراط جزء كبير من الشباب في الاحتجاجات المطالبة باستعادة المسار الديمقراطي في بلادهم.

خيمة الصحفيين

ضربت "خيمة الصحفيين" بأوتادها عميقا في تربة الساحة الثقافية المقفرة في العاصمة الخرطوم.

وشكلت عودة الخيمة في موسمها التاسع، بداية من الثلث الثاني للموسم الرمضاني، خبرا ثقافيا سارا، وذلك عقب احتجاب استمر لنحو 3 سنوات، بفعل اعتصام القيادة العامة (رمضان في عام 2019)، ومن ثم تلته حالة الإغلاق التي فرضتها جائحة كورونا في موسميّ رمضان في عامي 2020 و2021.

ويُنظم الفعالية، التي تعد ملتقى للصحفيين وأسرهم وأصدقائهم، مركز طيبة الإعلامي، ويستضيفها العام الحالي مقر الفعاليات بمعهد غوته الثقافي الألماني، وسط الخرطوم.

وبدأت الخيمة أنشطتها بليلة عن الشاعر الراحل محجوب شريف، المعروف بـ"شاعر الشعب"، وتضمنت جانبا من سيرته وأشعاره وأناشيده، مع نماذج غنائية.

المدير العام لمركز طيبة برس، محمد لطيف،في تدشين خيمة الصحفيين - المصدر إعلام الفعالية
المدير العام لمركز طيبة برس، محمد لطيف، في تدشين خيمة الصحفيين (مواقع التواصل)

واتسمت ليالي الخيمة المقرر أن تستمر حتى 28 رمضان الجاري بالتنوع الكبير، حيث تناقش قضايا ثقافية وفنية، واجتماعية، ورياضية، بجانب التوثيق لشخصيات ذات إسهام في الحياة العامة، بما في ذلك القادة السياسيين.

وتتخلل فعاليات الخيمة كالعادة فواصل من الغناء، لأبرز المطربين في الساحة السودانية.

يقول معاوية العمدة، وهو أحد المنظمين والمشرفين على الفعالية، للجزيرة نت "الدورة الحالية للخيمة تستلهم روح التغيير والحراك الاحتجاجي بالسودان، ويستبين ذلك في البرامج المطروحة والمشاركين"، منبها إلى حضور عنصر التفاعل في كل المواسم، عبر إتاحة المجال أمام النقاشات، الأمر الذي ينتج عنه كثير من تبادل الرؤى والأطروحات المتباينة بشكل راق ومحترم.

من جانبه، يقول الصحفي محمد جادين، أحد المداومين على حضور الفعالية، إن خيمة الصحفيين هي من أنقذ الموسم الثقافي الرمضاني بالخرطوم. ويضيف للجزيرة نت "مثلت الخيمة ملتجأ لكل أهل الثقافة والفنون، وليس للصحفيين وحدهم، ويظهر ذلك جليا في الحضور الكبير والنوعي لفعالياتها رغم الظروف الأمنية والسياسية التي تمر بها البلاد".

ويتابع جادين أن الخيمة كما أنها تمثل ركنا للترفيه، فإنها في الوقت ذاته تعد محلا للأخبار الطازجة، والمواد الصحفية، وفرصة لمعرفة كثير من خفايا حياة الساسة ونجوم المجتمع.

ولاحظت الجزيرة نت تمرير الصحفيين رسائل لزملائهم وضيوفهم الواصلين للفعالية بضرورة توخي الحذر في تحركاتهم، مخافة اصطدامهم بالعناصر المتفلتة التي تستهدف المارة وأصحاب المركبات لأغراض السطو والنهب.

منتدى دال

بفعاليات شبه أسبوعية، منثورة على أمسيات الشهر الفضيل، عاد منتدى دال الثقافي، ليضع النقاط على الحرف الثقافي في العاصمة الخرطوم.

وابتدر منتدى عام 2008 ضمن الأنشطة الثقافية لمجموعة دال الغذائية، واستمر منذ ذلك التاريخ في تنظيم عدد كبير من الفعاليات الثقافية.

جانب من حضور منتدى دال 2 - الجزيرة
جانب من حضور منتدى دال 2 (الجزيرة)

وتواصلت أعمال المنتدى في أمسيات رمضان الجاري، بـ3 فعاليات حتى نهاية الثلث الثاني، أبرزها ليلة ثقافية عن العلاقة بين الشعر والموسيقى، وتخريج أساتذة بيت العود بالخرطوم ضمن مشروع بين دال الثقافية ومؤسسة بيت العود للموسيقار الدكتور نصير شمة، علاوة على تكريم للشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم، صاحب المشروع الشعري الضخم، وأكثر من عبر بالشعر عن الثورة الشعبية التي أطاحت بالجنرال إبراهيم عبود في أكتوبر/تشرين الأول 1964 حتى عُرف بشاعر الأكتوبريات.

يقول عمر عشاري أحد أعضاء المنتدى -للجزيرة نت- إنه مؤمن بالأدوار التي تضطلع بها الثقافة كفعل مقاوم، ووسيلة للتغيير، ويضيف أن فعاليات المنتدى تمثل أحد الأمصال الفاعلة ضد حالة الإحباط السائدة في البلاد حاليا.

ويلفت عشاري إلى أن المنتدى يستضيف قرابة 1500 شخص، يتم انتخابهم عبر التقديم المجاني والمفتوح على منصات التواصل الاجتماعي.

ويشدد على ثراء فعاليات المنتدى بكثير من الفقرات التي تشمل النقاشات، والقراءات، والاستماع إلى ضروب الموسيقى والغناء، مع وجود مشاركات خارجية.

من جانبه، يرى الناقد الفني شريف وداعة الله أن فعاليات منتدى دال خلال رمضان الحالي، تميزت بالثراء الشديد، وتعكس الحاجة الملحة لأهمية تخصيص أصحاب الشركات جزءا من أموال المسؤولية الاجتماعية لإثراء العمل الثقافي والفني.

بيد أن وداعة الله عاد وقال -للجزيرة نت- إن الحجز الإلكتروني للمنتدى على عدالته ومجانيته، ومقر الفعاليات البعيد نسبيا عن حركة خط مركبات النقل العام، أمران يحولان دون حضور كثير من الفاعلين والنشطاء في المشهد الثقافي.

نقطة يعزوها عشاري إلى وجود حاجة ماسة لحصر الحاضرين لأسباب تنظيمية وأخرى متعلقة باحترازات جائحة كورونا، ومشددا على احتضان المركز الثقافي إحدى أكبر القاعات المجهزة بالبلاد، فضلاً عن ساحات خضراء واسعة تصلح لإقامة الفعاليات في الهواء الطلق أو في خيام مجهزة.

وقال "للتغلب على مسألة الحضور المحدد مسبقا، اعتدنا على بث فعالياتنا عبر المنصات الرقمية بصورة مباشرة".

وعقدت أيضا عدد من الفعاليات الثقافية المنثورة في العاصمة الخرطوم خلال ليالي رمضان، ضمن نواد ومراكز بعيدة نسبيا عن مركز الإشعاع الثقافي المعتاد بقلب الخرطوم، ولكنها لا تتسم بالضخامة والاستمرارية والإعلان المسبق، كما في الخيمة ومنتدى دال اللذان أنقذا موسم الثقافة الرمضاني.

المصدر : الجزيرة