أزمات ورقابة وقرصنة.. ناشرون لبنانيون يتحدثون عن تجارب الماضي وتحديات الحاضر

تقول الناشرة رنا إدريس إن العصر الذهبي لدار الآداب كان في الستينيات، حين تمحور النشر والترجمات حول بلدان عربية تنتزع استقلالها من الاستعمار. أما حاليا، فـ"الهزائم تحاصرنا عربيا، ولم تعد دور النشر مشروعا مربحا".

معرض بيروت المتوقف منذ 3 أعوام كان قبلة الناشرين العرب (أرشيف-الجزيرة)

بيروت- مثّل غياب "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب" 3 أعوام  متعاقبة نكسة مريرة في حراك لبنان الثقافي، وقطع لأول مرة منذ تأسيسه في عام 1956 العلاقة المباشرة بين الناشرين اللبنانيين والعرب والقرّاء، بعد أن كانوا ينتظرون موعد حلوله نهاية كل عام.

اكتسب معرض بيروت عراقته كأول معرض للكتاب أُسّس في العالم العربي، وصمد حتى في سنوات الحروب اللبنانية. لكن إغلاقه القسري (2019 و2020 و2021)، بسبب جائحة كورونا والاضطرابات السياسية والأمنية والاقتصادية وانفجار المرفأ الذي دمّر قاعته الواسعة، كشف الواقع الخطير لقطاع النشر في لبنان.

وبعد أن كانت بيروت تلقّب بـ"مطبعة العرب"، وتحتضن الكتّاب والمفكرين الهاربين من الرقابات لنشر أعمالهم، يجد كثيرون أن عاصمة لبنان تخسر فرادتها.

وفي قراءة لتجارب الناشرين وواقع النشر بين الماضي والحاضر، وتحدياته وانعكاساته الثقافية، حاورت الجزيرة نت رئيسة نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين سميرة عاصي، ومدير "دار التنوير" الناشر حسن ياغي، ومديرة "دار الآدب" الناشرة رنا إدريس، ومديرة دار "رياض الريس للكتب والنشر" الناشرة فاطمة بيضون.

انتكاسة المعرض

يبلغ عدد دور النشر اللبنانية نحو 500 دار، بينها 109 دور مسجلة بالنقابة، وهو عدد انخفض إلى نحو النصف مقارنة مع الماضي، حسب عاصي، ويوجد في لبنان بعض الناشرين العراقيين والسوريين.

وتصف رئيسة النقابة واقع دور النشر خلال الأزمة بـ"المأساوي"، وتكشف أن مبيعاتهم تراجعت إلى أكثر من 70%، خصوصا أن كل مستلزماتها تسدّد بالدولار، في حين تباع الكتب في السوق اللبنانية بالليرة التي خسرت أكثر من 90% من قيمتها، "مقابل غياب كلي للدولة بدعم الناشرين الذين يعتمدون على أنفسهم في التوزيع والتسويق".

وتوضح عاصي أن استمرار الناشرين مرهون بمشاركتهم في المعارض العربية، وأن النقابة تتواصل مع الوزارات المعنية بالدول العربية لتخفيض أسعار الأجنحة، كنوع من الدعم للناشرين اللبنانيين في محنتهم، بعد عقود شكلوا فيها ثقل معارض الكتب بالعالم العربي.

وتأسف رئيسة النقابة على "ظروف قاهرة علّقت نشاط معرض بيروت"، وتتحدث عن جهود جبارة تبذلها مع الناشرين، لتوفير ظروف تسمح باستئناف نشاطه نهاية العام الحالي.

رئيسة نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين سميرة عاصي تصف واقع دور النشر الحالي بالمأساوي (الجزيرة)

النشر في لبنان ضحية القرصنة

ومن انتكاسة معرض الكتاب، ينطلق الناشر حسن ياغي من تجربته البالغة 30 عاما، للحديث عن أطوار النشر في لبنان. تولى ياغي إدارة "دار التنوير" منذ عام 2012، بعد تأسيسه عام 1980 3 شركات: المركز الرئيس في بيروت، وواحدة في مصر وأخرى في تونس.

وخاض ياغي تحديات كبيرة، خصوصا أن هذه الدار صبّ جهدا استثنائيا فيها لترجمة أعمال فكرية لكبار الفلاسفة مثل هيغل وكانط وسارتر وسبينوزا..، وبعض الإصدارات الروائية والأدبية، وأعطى أصول الترجمة حقها كحرفة إبداعية تحفظ حقوق الفكر والملكية.

يقول ياغي إن العصر الذهبي للنشر كان في السبعينيات، ثم تعرض لانتكاسة طوال سنوات الحرب الأهلية، إلى أن شهد نموا في التسعينيات استمر تقريبا حتى 2015.

وفي بلد يتخبط بالفوضى والانهيارات، فإن الأزمة الكبرى لقطاع النشر، حسب ياغي، "الانتشار المخيف لظاهرة القرصنة والتزوير وسرقة الحقوق، مقابل غياب القوانين الرادعة لصون الملكية الفكرية".

ويرى ياغي أن أزمات لبنان أفسحت المجال للمستثمرين بالنشر كمسألة تجارية بحتة، فعملوا على قرصنة الكتب وتحويلها إلكترونيا لبيعها أو قراءتها مقابل اشتراكات مدفوعة. ويجد أن هؤلاء استغلوا تراجع القدرة الشرائية للقرّاء اللبنانيين، ووفروا نسخ "بي دي إف" (pdf) مقرصنة.

على الصعيد السياسي، يجد ياغي أن إغلاق بعض الأسواق الخليجية أمام الناشرين اللبنانيين، وتحديدا في السعودية، أثر عليهم اقتصاديا، لأنها أكبر سوق خليجية لهم، بموازاة تعقيد عمليات الشحن والرقابة على الكتب المعنونة حول لبنان.

ويجد أن تعليق معارض الكتب بعد جائحة كورونا، وعودتها التدريجية بقيود مشددة "زعزعا حلقة التواصل الأساسية بين دور النشر والقراء".

ويلفت ياغي إلى أن مسلتزمات النشر، كالحبر والأوراق والطباعة والحقوق الأجنبية للترجمة كلها تدفع بالدولار، فأصبحت السوق اللبنانية ضعيفة جدا، لأن أسعار الكتب ارتفعت بالليرة نحو 10 أضعاف.

ويتوقع ياغي إغلاق عدد من دور النشر، أو أن تتجه للخارج، "وذلك يضع النتاج الثقافي والكتابي اللبناني في خطر".

ويذكر أن هذا الخطر حصيلة عوامل متشابكة، أولها انهيار المستوى الأكاديمي في لبنان. وقال إن انتعاش مجال الرواية بسبب وجود كتاب لبنانيين مبدعين بها، قابله اضمحلال مريع بالنتاج الفكري، "كانعكاس لواقع الجامعات اللبنانية التي أصبحت عاجزة عن تمويل أبحاثها".

انهيار النشر يهدد الإبداع

واكبت رنا إدريس مع عائلتها نمو "دار الآداب" التي تأسست ببيروت عام 1956. فهي ابنة مؤسس الدار الأديب والناشر الراحل سهيل إدريس، ووالدتها الأديبة والمترجمة عايدة مطرجي، وشقيقها الناقد والكاتب والمثقف سماح إدريس، الذي فارق الحياة في نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

وتجد رنا إدريس أنها عاشت مع عائلتها تجربة زاخرة بعالم النشر، بعد عودتها من أميركا عام 1985، بطلب من والدها لمساعدتهم بالدار.

وقالت "حملت معي أفكارا جديدة للدار، فأدخلنا الأدب الياباني إلى العالم العربي بعد ازدهاره في أميركا، بترجمات عبر لغة ثالثة وسيطة".

وفي غضون عامين، ترجمت الدار نحو 14 إصدارا يابانيا، فترجم والدها رواية "حزن وجمال" للروائي الياباني ياسوناري كواباتا التي نال عليها جائزة نوبل للآداب عام 1968، وترجمت والدتها "البحّار الذي لفظه البحر" للروائي يوكيو ميشيما.

وكرّست العائلة مفهوم "دمقرطة النشر" عبر لجنة تختار المؤلفات، ووضعت خطا أحمر وحيدا ضد ما سمته الميول الصهيونية، "لأن فلسطين في صلب قضية الدار التي مزجت أبعاد رسائلها السياسية والثقافية والعروبية".

وترى أنها اختبرت المعنى العميق لبيروت كرئة لتنفس المبدعين المفكرين العرب، بعيدا من سطوة رقابات أنظمتهم، "فنشرنا مثلا رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ لخشيته من نشرها بمصر، ورواي القوقعة لمصطفى خليفة التي روت تجربته في السجون السورية، وترجمت إلى نحو 10 لغات".

تجد إدريس أن العصر الذهبي للدار كان في الستينيات، حين تمحور النشر والترجمات حول بلدان عربية تنتزع استقلالها من الاستعمار.

أما حاليا، فـ"الهزائم تحاصرنا عربيا، ولم تعد دور النشر مشروعا مربحا"، في رأيها، و"الشغف الدافع الوحيد للاستمرار، لأن الخسائر هائلة، وصحونا على احتجاز المصارف لما حصدناه طوال عمرنا".

وتذكر أن النشر أصبح متعدد الأقطاب والدول وفرت اكتفاءها الذاتي، فـ"لم يعد لبنان مركز النشر وقبلته بالعالم العربي".

وترى أن انهيار الليرة اللبنانية وضع دور النشر في موقف حرج مع القراء اللبنانيين، و"مهما فعلنا لمراعاتهم، لن يتمكن أصحاب الرواتب المتواضعة من شراء الكتب".

وقالت إن مبيعاتهم تراجعت كثيرا، لأن لبنان يشكل نحو 20% من سوقهم، وإن تعليق نشاط معرض الكتاب شكل صفعة مادية ومعنوية، ترافقت مع تحولات مفجعة بمشهدية بيروت بعد انفجار المرفأ.

وتلفت إلى أن بعض دور النشر اللبنانية توقفت عن الإصدار، و"الاقتحام بعناوين منافسة وجذابة أصبح مهمة صعبة"، مذكرة أن وزارة الثقافة لا تدعم الناشرين والكتاب.

وحذرت من تداعيات انهيار قطاع النشر، إذا لم تعثر كل دار على سياسة متوازنة للصمود، "وذلك ينعكس على حماسة الكتّاب ويهدد الإبداع اللبناني، ويعيق إظهاره أدبيا وثقافيا".

حرية النشر في بيروت في خطر

تدير فاطمة بيضون الريس الدار التي أسسها زوجها الراحل الصحفي والناقد والناشر رياض الريس (1937-2020)، وهو سوري الجنسية، ترعرع في لبنان، وأسس داره في لندن عام 1986، قبل نقلها إلى بيروت عقب انتهاء الحرب الأهلية (1990).

رحل الريس بعد انفجار المرفأ متأثرا بإصابته بفيروس كورونا، تاركا خلفه سيرة ناشر عريق وفريد، فوجدت رفيقة دربه نفسها أمام تحديات صعبة للحفاظ على إرثه وتطويره.

الصحفي والرحالة والناشر الراحل رياض نجيب الريس (مواقع التواصل الاجتماعي)

تقول بيضون إن زوجها كسر مفهوم الدار بوصفها مطبعة لإصدار الكتب، وجعلها مشروعا ثقافيا لنشر الفكر وتحريض الكتّاب على التأليف، وإصدار كتب تثير الجدل وتحث العقل على السؤال والبحث.

وهكذا، "خاض تجارب استثنائية، ونشر من بيروت مئات الإصدارات التي كسرت تابوهات الدين والسياسة والسلطات"، وأصدر مجلة "الناقد" التي أحدثت ضجة في العالم العربي، ومنعت بعض البلدان دخولها، ثم توقفت عن الصدور، كما شجع نشر الشعر في الدار مقابل جوائز سنوية.

وتوضح بيضون أن الدار لم تضع الترجمة أولوية، بل اهتمت بسبر أغوار الفكر والإبداع العربي، وفي رصيده أكثر من 1400 مؤلف، في التاريخ والفلسفة والنقد والسياسة والدين والأدب.

لكن الواقع تبدل رأسا على عقب، وبعد سنوات من كفاح الدار بإثارة الجدل الفكري وتحدي الرقابات، وفق وصفها، "تواجه اليوم تحديات تهدد مستقبل استمرارها بالزخم نفسه".

وتشير إلى أن بعض الكتّاب العرب أصبحوا يتفادون النشر في الدور اللبنانية مقارنة مع حماستهم سابقا، "بسبب الاضطرابات السياسية والاقتصادية وإغلاق بعض الأسواق العربية، مما صعب الخناق علينا".

ورغم زعزعة الاستقرار، تؤكد بيضون أن دور النشر العريقة لا تساوم على جودة إصداراتها، "حفاظا على تاريخها وإرثها، وإن كان الثمن تراجعا حادا بالمبيعات".

وسابقا، "كنا ننشر سنويا نحو 50 كتابا، واليوم فلا نتجاوز معدل 15 كتابا".

وترى الناشرة أن معرض بيروت للكتاب يواجه أزمات سبقت تعليق نشاطه، "إذ تحوّل في السنوات الأخيرة من معرض دولي إلى محلي لا يستقطب كل دور النشر العربية، التي باتت تنجذب لمعارض دول أخرى وفرت مقومات وتسهيلات عرض إنتاجهم الكتابي".

وختمت بالقول إن القدرة على تكبّد الخسائر لن تتجاوز عامين مقبلين، و"إلا قد نواجه أزمة وجودية لم نعهدها في تاريخنا".

المصدر : الجزيرة