لغويون في معرض الدوحة للكتاب.. تنفيذ قوانين حماية اللغة العربية خطوة مهمة للحفاظ على الهوية

ندوة اللغة العربية وتحديات الهوية ناقشت المخاطر التي تتهدد لغة الضاد وتأثيرها (الصحافة القطرية)

الدوحةـ للغة قيمة جوهرية كبرى في حياة كل مجتمع وأمة، فهي الوعاء الذي يحمل الأفكار وينقل المفاهيم ويقيم روابط الاتصال بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وتعيش اللغة العربية اليوم أخطارا وتحديات واضحة ينبغي التصدي لها ومواجهتها.

في هذا الإطار، عقدت ندوة احتضنها المسرح الرئيسي لمعرض الدوحة الدولي للكتاب بعنوان "اللغة العربية وتحديات الهوية"، وشهدت مشاركة عدد من المثقفين والمتخصصين.

وأكد المشاركون أن علاقة اللغة العربية بالهوية علاقة وطيدة، فلغة الضاد تعد هوية لأصحابها العرب كونها لغة القرآن الكريم ولارتباطها الوثيق بحضارة الأمة العربية، وهي قضية وجودية لمستقبل الثقافة والمجتمعات، وبالتالي لا بد أن تكون لهذه الهوية أهمية استثنائية في التعامل معها.

ويقول رئيس قسم اللغة العربية بجامعة قطر سابقا وعضو المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية الدكتور علي الكبيسي، إن محبي اللغة العربية والغيورين عليها يدركون بوعي تام مكانة هذه اللغة ودورها المحوري في بناء الهوية العربية، وهم يرون أن الاستمرار في إقصائها عن مقامات استعمالها واستحباب لغة أجنبية عليها ينتجان تأثيرات سلبية في تشكيل الهوية والانتماء إليها.

علي الكبيسي يقول إن كل ضعف أو هوان يعتري اللغة لابد أن يؤثر في الهوية (الجزيرة) (الجزيرة)
الكبيسي اعتبر أن كل ضعف أو هوان يعتري اللغة لا بد أن يؤثر في الهوية (الجزيرة)

العولمة الثقافية

ويؤكد أن تحديات اللغة العربية هي تحديات هوية في المقام الأول، لافتا إلى أن أبرز التحديات التي تواجه اللغة العربية هي الوعي، حيث يرى أن الوعي بتحديات الهوية واللغة العربية لم يكن وليد عصرنا الحاضر ولكنه قديم متجدد، ولعل أول مظهر له كان التصدي لشيوع اللحن في اللغة العربية الذي اُعتبِر نذير خطر يهددها، خاصة حين كثر بعد الفتوحات الإسلامية وانتشار الإسلام، فهب علماؤها لوضع القواعد التي تقوي الملكة اللغوية حرصا على القرآن الكريم وحفاظا على اللغة العربية.

ويشير الكبيسي إلى أن اللغة العربية ظلت قوية راسخة، فلما ضعفت الخلافة الإسلامية واجهت العربية فيما بعد دعوات العامية والكتابة بالحروف الأجنبية وانتصرت عليها، وها هي اليوم تواجه تحديات من نوع جديد.

وتحدث رئيس قسم اللغة العربية بجامعة قطر سابقا عن مؤشرات تحديات الهوية، قائلا إن هناك بعض المؤشرات التي تنذر بالأخطار التي تهدد الهوية وتشكل تحديا لها، ومن أهمها ظهور ما يعارض قيم الهوية ويهدد الخصوصية الثقافية في محاولة لإحلال قيم وأنماط سلوك بديلة متناقضة مع الثقافة المحلية (العولمة الثقافية).

كما أوضح الكبيسي أن غياب الوعي بأهمية اللغة والتراث والثقافة في بناء الخصوصية الثقافية التي تميز أمة عن غيرها من الأمم، ومحاولة التقليل من شأن عناصر الهوية والتفريط فيها، وعدم التفريق بين الثابت والمتحول من عناصر الهوية، هي مؤشرات واضحة على تهديد الهوية.

وجهان لشيء واحد

ويؤكد عضو المجلس العلمي لمعجم الدوحة التاريخي أن لغتنا العربية مكون رئيس من مكونات هويتنا العربية والإسلامية ببعديها الفردي والجماعي، وعنصر مهم في صياغتها وبنائها، وكل ضعف أو هوان يعتري اللغة لا بد أن يؤثر في الهوية، وهذا يؤكد العلاقة التي لا تنفصم بين اللغة والهوية، فهما وجهان لشيء واحد هو وجودنا العربي الإسلامي بخصائصه ومميزاته.

وعن تحديات اللغة العربية في عصرنا الحاضر، أشار الكبيسي إلى أن أهم هذه التحديات هو كل ما يبعد اللغة العربية عن الاستعمال في مقامها الذي يجب أن تستعمل فيه، أو لا يحقق لها نموا وتطويرا في اكتسابها وتعليمها وتعلمها ونشرها بوصفها لغة عالمية، موضحا أن الواقع اللغوي يكشف عن وجود عدد من التحديات تواجهها اللغة العربية في مقام استعمالها الخاص بها في مجالات عدة، أهمها الأسرة والتعليم والإعلام والمحيط الاجتماعي وتكنولوجيا المعلومات.

ويرى أن من أشد الأخطار على اللغة العربية هو وجود ظاهرة غريبة على مجتمعاتنا، وهي كثرة استعمال لغة "هجين" بعيدة عن اللغة العربية، سواء في مخاطبة العمالة الوافدة في دول الخليج خاصة أو في التخاطب عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأكد أن إقصاء اللغة العربية عن محيطها الاجتماعي أمر غير مقبول ويؤثر سلبا في هويتنا العربية، وله ضرر مباشر على الأجيال الناشئة، لذا يتطلب الأمر تفعيل تنفيذ قوانين حماية اللغة العربية تعزيزا للهوية وترسيخا للانتماء إليها.

أبوزيد يؤكد أن اللغة والهوية صنوان لا ينفصلان (الجزيرة) 
أبوزيد يؤكد أن اللغة والهوية صنوان لا ينفصلان (الجزيرة)

روحان لا ينفصلان

من جهته، يقول ​أستاذ الأدب والنقد والخبير اللغوي الأول في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، الدكتور علي أبو زيد، إنه يخطئ من يظن أن اللغة وسيلة تواصل فقط، ولو كان ذلك صحيحا لأصبح الحل هو الدعوة إلى لغة عالمية، ولما جعلنا الله شعوبا وقبائل لنتعارف، مضيفا أن اللغة والهوية صنوان لا ينفصلان، فإذا انبت أحدهما عن الآخر ماتا معا، فاللغة لا تموت إلا وتتتبعها الهوية.

ويشير إلى أن اللغة هي معيار للهوية، والمحافظة على اللغة محافظة على الهوية، لافتا إلى أنه ما من مستعمر دخل بلدا إلا حاول أن يعتدي على لغتها وبالتبعية هويتها، مضيفا "الأمة لا تؤتى إلا من لغتها فإذا أوتيت الأمة من لغتها أصيبت وانكسرت هويتها".

ويرى أبو زيد أن التعليم والإعلام هما من أهم الأدوات التي يمكن من خلالهما المحافظة على اللغة وتعزيز الهوية لدى الأجيال الناشئة، منتقدا في الوقت نفسه اعتزاز بعض أولياء الأمور بتعلم أبنائهم للغات الأجنبية دون لغتهم الأم.

ويعرب الخبير اللغوي عن أسفه بسبب عجز مجامع اللغة في الدول العربية عن تقديم شيء ملموس للحفاظ على اللغة، معتبرا أن هذه المجامع أصبحت مجرد مؤسسات مكملة وليست صاحبة رسالة وتؤدي الدور المنوط بها.

واختتم أبوزيد حديثه متسائلا "هل نحن قادرون على أن نحفز أنفسنا ثم الأسرة والمدرسة ثم المجتمع والدولة للعودة إلى لغتنا وامتلاك هذه اللغة والحفاظ عليها والانتماء إليها والتفاخر في المحافل الدولية أننا نتحدث بها؟ إذا وصلنا لهذه المرحلة فنحن وهويتنا بسلام".

المصدر : الجزيرة