تعلق الشباب العربي بالروايات الأجنبية.. هل هي ظاهرة تهدد الهوية الثقافية واللغة العربية؟

معرض الدوحة الدولي للكتاب
رواج كبير للكتب الأجنبية على حساب العربية بمعرض الدوحة للكتاب (الجزيرة)

الدوحة – "لا أشعر أن لدي لغة أمًّا، ذهبت منذ صغري إلى مدرسة تعلم اللغة الإنجليزية، لكن لم تكن الإنجليزية لغتي الأولى رغم إتقاني لها، كما أن العربية لم تكن كذلك"، بهذه الكلمات وصفت الشابة القطرية شيخة أحمد واقع تعليم اللغة العربية لدى النشء الجديد.

طغت اللغة الإنجليزية على العربية بحكم دراسة شيخة وتعاملها بها في المدرسة ومع أصدقائها وكذلك في المنزل، الأمر الذي تطور مع مرور السنوات، لترتبط هواياتها المختلفة بالإنجليزية خاصة قراءة روايات الفانتازيا والجريمة وأيضا الروايات الرومانسية.

وتقول شيخة (17 عاما) التي تتحدث بلغة عربية لا تخلو من الإنجليزية، للجزيرة نت، إنها تتحدث اللغة العربية، ولكن هناك كثيرا من المصطلحات التي لا تعرفها، وتجد نفسها بصورة تلقائة تعبر عنها بالإنجليزية مثلما تعلمت.

وترى أن النشأة في المنزل وكذلك الدراسة كان لهما دور كبير في توجهاتها واختياراتها في ما يخص اللغة العربية؛ فوالدتها كانت تشجعها على تعلم الإنجليزية على أساس أنها الأفضل للمستقبل، وتحضر لها في صغرها كتبا باللغة الإنجليزية تناسب عمرها.

ذلك جعلها تجد صعوبة في قراءة اللغة العربية بعكس السلاسة في الإنجليزية، ولا تستوعب كثيرا من المعاني والمصطلحات، وتجد نفسها عاجزة أمامها، ولذلك توقفت عن القراءة باللغة العربية.

وتتعلق الشابة القطرية منذ صغرها بقراءة الروايات الأجنبية، وهو ما ظهر جليا عليها وهي تجوب أروقة معرض الدوحة الدولي للكتاب في نسخته الـ31 المقامة حاليا حتى 22 يناير/كانون الثاني الجاري، لتقتني سلسلة الكاتبة الإنجليزية أغاثا كريستي.

معرض الدوحة الدولي للكتاب
النشأة والدراسة باللغة الإنجليزية أبرز أسباب رواج الكتب الأجنبية (الجزيرة)

جهود قطرية

وتواصل دولة قطر جهودها المستمرة لدعم اللغة والثقافة العربية، حيث ينظم معرض الدوحة الدولي للكتاب الـ31، الذي يقام تحت شعار "العلم نور"، العديد من الفعاليات التي تناقش جهود الحفاظ على اللغة العربية.

أما الشاب السوداني أبو بكر حسن فيوضح أن أسرته كحال العديد من العائلات العربية من الطبقة المتوسطة، أرسلته إلى مدرسة لغات خاصة، بحكم أن التمكن من لغة أجنبية يضمن فرص عمل أفضل ومكانة اجتماعية أرقى.

ويقول أبو بكر، في تصريح للجزيرة نت، إنه لا يقرأ إلا الروايات الأجنبية، ولا يقرأ باللغة العربية إطلاقا، وأرجع ذلك إلى تعوّده القراءة باللغة الإنجليزية وسرعته في القراءة بها بعكس العربية.

ويضيف أن دراسته بالإنجليزية ليست السبب في تفضيله قراءة الروايات الأجنبية، وإنما يرجع تفضيله هذه الروايات لأنها الأفضل في قصص الجريمة والفانتازيا والإثارة بشكل خاص.

معرض الدوحة الدولي للكتاب
قطر تبذل جهودا كبيرة لحماية اللغة العربية (الجزيرة)

قانون للحماية

أصدرت دولة قطر قانونا لحماية اللغة العربية عام 2019، ينص على أن تلتزم جميع الجهات الحكومية وغير الحكومية بحماية اللغة العربية ودعمها في كل الأنشطة والفعاليات التي تقوم بها، وباستعمالها في اجتماعاتها ومناقشاتها، وفي الإعلانات المرئية أو المسموعة أو المقروءة، وأن تكون العربية لغة التعليم في المؤسسات التعليمية العامة.

بدوره، يوضح المدير العام لدار "بلاتنيوم دوت" للنشر والتوزيع من الكويت الدكتور أحمد حيدر أن هناك فئة من الشباب اعتادت منذ صغرها التعلم والدراسة باللغة الإنجليزية، ومن ثم أصبحت مسألة القراءة بالعربية صعبة عليهم، "وهي الفئة التي نركز عليها ويجب ألا تترك على هذا الوضع، لأن العربية تبقى لغتنا الأم، وإن كنا نشجع على القراءة بلغات أخرى، فلا ينبغي أن يكون ذلك على حساب هويتنا الثقافية ولغتنا العربية".

حيدر يرى أن إقبال الشباب من الجنسين على الروايات المكتوبة باللغة الإنجليزية يعدّ ظاهرة إيجابية (الجزيرة)

ظاهرة إيجابية

ويقول حيدر، في تصريح للجزيرة نت، إن إقبال الشباب من الجنسين على الروايات المكتوبة باللغة الإنجليزية يعدّ ظاهرة إيجابية وليست سلبية، خاصة أن العلوم يجب أن تستقى من مختلف اللغات من غير تعصب للغة دون أخرى، ولكن مع الحفاظ على اللغة الأم.

ويضيف أن إقبال الشباب بحد ذاته على عالم القراءة أمر محمود، ويجب التشجيع عليه من دون إصرار على اتخاذ اللغة العربية مرجعا وحيدا في الاطلاع، فالهوية العربية أو الثقافة المتأصلة في الإنسان لا يمكن أن تتأثر بشكل سريع وكارثي بمجرد قراءة كتب باللغة الإنجليزية.

ويرى حيدر أنه إذا كان التأثر الذي سيحدث للشباب العربي من قراءة الكتب الأجنبية هو تأثر إيجابي يطوّر عقل الإنسان ويجعله ويجعل المجتمع العربي أفضل فأهلا به، خاصة أن المسألة ليست التعلق بالماضي فقط، وإنما التشبث بما يفيدنا وترك ما أصبح متأخرا.

التميمي يعتبر أن الكتابة في مجال الفانتازيا والماورائيات في الأدب العربي مازالت فقيرة جدا في العطاء والإنتاج
التميمي يرى أن الكتابة في مجال الفانتازيا والماورائيات في الأدب العربي ما زالت فقيرة جدا (الجزيرة)

افتقاد الزخم

ويرجع الكاتب والروائي القطري أحمد التميمي توجه الشباب العربي خاصة المراهقين إلى الروايات الأجنبية وعدم تفضيلهم الروايات العربية إلى معاناة الكتّاب العرب في هذا الجانب، خاصة أن هناك جوانب كثيرة في الأدب العربي تفتقد الزخم الموجود في الغرب.

ويقول التميمي، في تصريح للجزيرة نت، إن الكتابة في مجال الفانتازيا والماورائيات في الأدب العربي ما زالت فقيرة جدا في العطاء والإنتاج، كما أن عدد الكتّاب العرب الذين يكتبون هذه النوعية قليلون جدا، وقليل منهم من نجح في أن يصنع اسما وشهرة، لذلك فأغلب الأعمال التي تستورد من الخارج تلقى نجاحا في ظل شح الإنتاج العربي.

ويضيف أن القراءة مرت بمراحل صعبة، فأجبرت الكتّاب العرب على العزوف عن الدخول في مضمار الفانتازيا، ولكن أخيرا بدأ يظهر بعض الكتّاب في هذا المجال، وطبعت كثير من الكتب، ويتم العمل على تحويلها حاليا إلى أفلام سينمائية ومسلسلات.

من جانبه، يرى أحمد حسين، مدير إحدى دور النشر المشاركة بمعرض الدوحة الدولي للكتاب، أن الإقبال على شراء الروايات الأجنبية كبير وبطريقة جنونية مقارنة بمثيلتها العربية، خاصة التي تتعلق بالجريمة والخيال العلمي.

ويقول حسين للجزيرة نت إن نسبة بيع الروايات الأجنبية تخطّت 90%، وإن هناك سلاسل كاملة من الكتب بيعت تماما، ولم يبق منها إلا كتاب أو كتابان على الأكثر، بخاصة سلسلة روايات الكاتبة الإنجليزية "أغاثا كريستي".

المصدر : الجزيرة