مشروع المستودع الرقمي لمخطوطات جنوب شرق آسيا

جهود فريق باحثي مشروع حفظ مخطوطات جنوب شرق آسيا ليست لأغراض تجارية، بل ليستفيد الباحثون حول العالم من هذا التراث المكتوب عند عرضه، ففرق البحث من الطلبة والباحثين العاملين في المشروع تذهب لتقضي أياما أو أسابيع عند ورثة تلك المخطوطات أو أصحابها، لتصوير ما لديهم بكاميرات فوتوغرافية وتخزينها ثم عرضها في مكتبة إلكترونية.

فريق مشروع المستودع الرقمي خلال تصوير مخطوطات أسرة مؤسسة معهد نور الهدى في محافظة تشيربون بغربي جزيرة جاوا 22
فريق مشروع المستودع الرقمي في أثناء تصوير مخطوطات أسرة مؤسسة معهد نور الهدى في محافظة تشيربون غربي جزيرة جاوا الإندونيسية (الجزيرة)

جاوا الغربية- تزخر منطقة جنوب شرق آسيا بالمخطوطات القديمة الموروثة منذ قرون طويلة التي تعكس تنوعا تاريخيا يشتمل على طيف واسع من الأديان والأعراق واللغات.

وبدأ في إندونيسيا، وامتد إلى دول مجاورة، العمل على مشروع "المستودع الرقمي للمخطوطات المهددة بالضياع والتلف في جنوب شرق آسيا" الذي يستهدف رقمنة ما يتوفر من مخطوطات لدى المواطنين ومختلف الهيئات الدينية والثقافية، بهدف عرضها في مكتبة إلكترونية على شبكة الإنترنت يمكن للجميع الاطلاع عليها ودراستها.

ويعتمد المشروع -الأول من نوعه في منطقة رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة اختصارا باسم "آسيان"- على عدد كبير من باحثي المخطوطات وفقه اللغة، وفي مقدمتهم أعضاء الجمعية الإندونيسية للمخطوطات، بالتعاون مع جامعة الشريف هداية الله الحكومية في جاكرتا، وجامعة هامبورغ الألمانية، ومؤسسة أركاديا البريطانية، ومكتبة مخطوطات ومتحف هيل في جامعة سانت جون الأميركية، ولا يقتصر المشروع على إندونيسيا فحسب، بل يشمل أيضا دولا أخرى مجاورة، منها لاوس والفلبين وتايلند وغيرها.

وفي حواره مع الجزيرة، قال مشرف التحقيق في المستودع الرقمي لمخطوطات جنوب شرق آسيا، الدكتور عُمان فتح الرحمن، إن هناك تقصيرا من جانب الجهات البحثية والمؤسسات العلمية وحتى الأسر التي ورثت مخطوطات عن الآباء والأجداد في المنطقة في تقديم مشروعات رقمنة المخطوطات لدى الهيئات المهتمة بالتراث الإنساني المكتوب، معربا عن أمله بأن يصبح هذا المشروع محورا ومرتكزا لجهود حفظ المخطوطات في دول آسيان.

ويقول فتح الرحمن إن المكتبة الوطنية في إندونيسيا بدأت منذ الثمانينيات مشروع رقمنة المخطوطات، بنسبة أعلى من بعض الدول الأخرى، لكن ذلك لم يصل لمستوى مشروع منظم على المدى الطويل وعلى نطاق واسع يشمل دول 11 دولة في المنطقة، وأشار إلى أن مشروعه قد بدأ أعمال نسخ ورقمنة المخطوطات في إندونيسيا وتايلند ولاوس، وبدأت جهات التواصل معه في سراواك بماليزيا الشرقية وكذلك في سلطنة بروناي، وهي وريثة تاريخ سلطاني وتقاليد إسلامية عريقة.

تنوع التراث في مجتمعات وتاريخ المنطقة

وتتميز المخطوطات في منطقة جنوب شرق آسيا بتنوع وثراء يختلف عن مناطق كثيرة في العالم، وقد كشف المشروع عن ذلك، إذ يعكس تنوعا ثقافيا ودينيا وعرقيا وإثنيا وتاريخيا، حسبما يقول فتح الرحمن، مشيرا إلى أنه رغم أن الأغلبية في ماليزيا وإندونيسيا مسلمة، فإنه قبل القرن الـ14 الميلادي كان للهندوسية والبوذية ولغات وحروف تلك الحقبة حضور بارز في المنطقة، ثم جاء الإسلام والحرف العربي وما يمثله من ثراء مخطوط أو مكتوب فأغنى وأثرى مكتبة المخطوطات في المنطقة، خاصة لدى سكان الجزر الإندونيسية مقارنة بالشعوب الأخرى في الدول المجاورة، مما جعل مخطوطات سكان الأرخبيل الإندونيسي الأكثر تنوعا وتعقيدا مقارنة بشعوب كثيرة أخرى.

فمنذ القرن الـ15 الميلادي ومع انتشار الإسلام وظهور سلطناته في المنطقة، بدأ يتسع استخدام الحروف العربية في كتابة لغات محلية كالجاوية والسنداوية والمادورية والملايوية، وتسمى حروف بيغون والحرف الجاوي وهي الحروف العربية مع إضافة حروف أخرى إليها وبخط مختلف، مع بقاء خطوط أخرى قديمة الاستخدام في المنطقة وتنحدر من التراث الهندي، كالخطين السنداوي والجاوي اللذين يمثلان أكبر قوميتين عددا في البلاد.

ولهذا ركز المشروع على التنوع في المخطوطات المنسوخة والمعروضة في مكتبة المستودع، حتى لا تكون المخطوطات في الغالب من التراث الإسلامي أو الملايوي أو الجاوي فحسب، بل يسعى القائمون على المشروع إلى أن يوزعوا جهد فرقهم البحثية الميدانية بين المناطق المختلفة بهدف تنويع التراث المخطوط الذي يقومون بجمعه ورقمنته بين المخطوطات المكتوبة بالحرف العربي أو الملايوي أو اللاوسي أو غيره.

ربع مليون صفحة مخطوطة حتى الآن

وقد أنجز المشروع في عامه الرابع حتى الآن نسخ أو تصوير أكثر من 240 ألف صفحة مخطوط، من بينها تم ترتيب وعرض أكثر من 50 ألف صفحة مخطوط منها في مكتبة المستودع الإلكترونية، وحسب تقديرات فتح الرحمن فإن هدف المشروع قد يتجاوز العمل لأكثر من 5 سنوات، ويتجاوز الهدف الأولي بجمع ورقمنة 300 ألف صفحة مخطوط فقط، وذلك بسبب تزايد وعي المواطنين بأهمية إنقاذ ورقمنة المخطوطات التي ورثوها عن أسلافهم وظلوا يحتفظون بها في منازلهم من دون أن يستفيدوا كثيرا منها.

ليس مشروعا تجاريا

كما أن كثيرين بدأوا يدركون أن جهد فريق باحثي المشروع ليس لأغراض تجارية، بل ليستفيد الباحثون حول العالم من هذه التراث المكتوب عند عرضه، ففرق البحث من الطلبة والباحثين العاملين في المشروع تذهب لتقضي أياما أو أسابيع عند ورثة تلك المخطوطات أو أصحابها لتصوير ما لديهم بكاميرات فوتوغرافية وتخزينها ثم عرضها في مكتبة إلكترونية، فليس هناك شراء لأي مخطوط، وما يصور يعرض في مكتبة على شبكة الإنترنت ولا يمكن بيعه، وتعاد المخطوطات لأصحابها بعد تصويرها بعد تغليفها بشكل مناسب.

إنقاذ تراث إنساني

ويقول القائمون على المشروع إن مبتغاهم هو إنقاذ التراث الإنساني في منطقة جنوب شرق آسيا وعرضها للباحثين حول العالم، لا سيما أن كثيرين لا يحتفظون بالمخطوطات بطرق علمية متبعة في مكتبات عالمية معروفة، بل لطالما وضعت في المنازل في أرفف ومكتبات خشبية بسيطة؛ ولهذا فهي معرضة للتلف إضافة إلى العوامل البيئية والكوارث الطبيعية من فيضانات وأعاصير وأمطار غزيرة، لطالما غمرت مناطق كثيرة من حين لآخر يفقد عندها المواطنون كل ما يملكون من وثائق مهمة.

ويأمل عمان فتح الرحمن -في حديثه للجزيرة- أن يفتح عرض هذه المخطوطات على الإنترنت مجالات واسعة للتحقيق ولتكون مادة دسمة لأطروحات الدراسات العليا في مختلف جامعات العالم، مشيرا إلى أنه يوجه شخصيا 100 من طلابه في كل فصل دراسي في جامعة الشريف هداية الله الحكومية في جاكرتا إلى الدخول إلى مكتبة المستودع الرقمي لمخطوطات جنوب شرق آسيا ودراسة نماذج من تلك المخطوطات تحقيقا ونقدا واستقراء، وهو ما يمكن أن يقوم به جامعيون آخرون أيضا.

مخطوطات موروثة منذ قرون

ومن نماذج الأسر التي ورثت تراثا مخطوطا أسرة عبيد الله رُملي التي أسست مؤسسة معهد نور الهدى في بلدية مونجول في محافظة تشيربون بجاوا الغربية، إذ ورث رملي عن أجداده عشرات من المخطوطات الدينية والتاريخية.

عندما سألناه -في حواره مع الجزيرة- عمن ورث تلك المخطوطات، قال إنه ورثها عن أبيه عن أجداده، وخلافا لكثير من الإندونيسيين الذين يصعب عليهم أن يذكروا شجرة عائلتهم فقد أكد عُبيد الله رُملي أنه ورثها عن أبيه شورى وهو ابن محمد هاشم بن حازم بن عاشقين بن شمس الدين بن عبد الله بن عبد الجبار بن أحمد بائس بن مرجان بن عبد الرحمن أو -الأمير أريا نداليكا كما يسمى في منطقة أوجونغ كولون في أقصى جنوب غرب جزيرة جاوا- ويصل نسب هؤلاء إلى السلطان مولانا يوسف، وهو السلطان الثاني لسلطنة بانتن (بين عامي 1570 و1580)، إحدى أقوى سلطنات المنطقة الغربية لجزيرة جاوا، ومولانا حسن جد هؤلاء ورث الملك عن أبيه السلطان الشهير مولانا حسن الدين، وكلاهما من أقوى سلاطين بانتن.

فعبيد الله من أحفاد الأسرة السلطانية في بانتن، وكثيرون هاجروا إلى ولاية تشيربون ومحافظة مانجالينكا خلال المواجهة مع الاستعمار وانهيار السلطنة، واليوم هو المتحدث باسم مؤسسة نور الهدى ومن الجيل السادس لهذا المعهد ولواحقه من مدارس ثانوية ومهنية يدرس فيها عدد كبير من سكان الريف في جاوا الغربية.

أمّنه والده على عدد من المخطوطات منذ عام 1986، وكان عمره 13 سنة، تلف بعضها بسبب عدم حفظها بطرق علمية مناسبة، وما تم إنقاذه دون 50 مخطوطة، وطلب منه أن يقرأها ويتعلم ما فيها ويهتم بها، والمخطوطات متنوعة المواضيع في النحو والتوحيد والحكم والفقه والتصوف والتاريخ وغير ذلك.

تراث مختلف لأسرة سلطانية

نموذج آخر لتلك المخطوطات من تراث محلي في إطار قومية أو إثنية معينة لدى أسرة "سلطانية" أخرى في جاوا الغربية، زرنا محل إقامة أسرة السيدة أميراتنا غوميلانغ دامي آسيه وهي وريثة خزانة الأمير مدرائيس علي باشا في جاوا الغربية، تقول أميراتنا بأن جدها المتوفى عام 1929 كان أحد شخصيات المقاومة في نهاية القرن الـ19 ضد الاستعمار الهولندي، وقد كان غزير الكتابة، ولهذا ترك مذكرات وكتابات متنوعة المواضيع، بعد ملاحقته منذ صغره وتخفيه وتعرض أحد منازل العائلة للحرق.

تراث الأمير مدرائيس علي شاه ليس إسلاميا، فهو وأبناؤه يعتقدون بمعتقدات السونداويين القدماء التي كانت سائدة قبل الإسلام، ومخطوطاته مكتوبة بلغة سنداوية محلية، مختلفة تصعب قراءتها، ولعل من القلائل الذين يستطيعون فك رموز حروفها المعقدة حفيدته أمريتنا دامي آسيه، وقد بدأت تعلم وقراءة تلك المخطوطات تدريجيا منذ عام 1997 لكنها لم تنشرها طوال الفترة الماضية، حتى جاء باحثو مشروع المستودع الرقمي ليطرحوا فكرة رقمنتها وعرضها في مكتبة إلكترونية، وبعد تردد وافقت أسرتها على ذلك.

وتحتاج خزانة جدها إلى نسخ وترجمة إلى اللغة الإندونيسية الحديثة، وتحمل خواطر وذكريات ومذكرات ذات طابع سياسي وقومي اجتماعي، بل وحتى بيئي، عن جاوا الغربية وإندونيسيا عموما، خلال فترة الكفاح ضد الاستعمار الهولندي، وتضم مكتبته عشرات الآلاف من الأوراق المخطوطة.

المصدر : الجزيرة