الشاعر والمترجم آدم فتحي: لن نردم فجوة التفاوت الثقافي ما دمنا نتكلّم بلغة ونكتب بثانية ونقرأ ونفكر بثالثة

الشاعر آدم فتحي
آدم فتحي شاعر ومترجم تونسي عُرف بالشعر الملتزم في الثمانينيات وكتب الأغنيات العاطفية والوطنية (مواقع التواصل)

باريس- إذا كان الكاتب الروماني الفرنسي إميل سيوران (1911-1995) "من القلة الذين عثروا للشعر على طريق كي يفكر، وللفلسفة على طريقة كي تظل قراءتها ممكنة"، فإننا لا نبالغ إذا قلنا إن آدم فتحي هو أيضا من القلة الذين عثروا للشعر على طريق كي يتأمل ويتفلسف، وللزجل التونسي على نغمة كي يصبح عربيا وعالميا، وللثورة على وصفة كي تتجسد وتصبح واقعا ملموسا بعد أن كانت حلما بعيد المنال.

ويوصف فتحي بأنه ارتقى بالشعر السياسي المباشر وحوّله إلى سياسة شعرية ملتزمة عميقة جوهرية، وجنة من قوافي وحروف لا يدخلها إلا المبشرون بالخلق والجنون، وعثر للترجمة على طريقة كي تمتزج مع الإبداع وتتجاوزه في أغلب الأحيان. نبراسه في كل ذلك سيوران نفسه الذي قال "نحتاج إلى التفكير عند الترجمة أكثر مما نحتاج إليه عند الإبداع".

ومنذ أبصر النور في قرية "أم الصمعة" بمحافظة قبلي بالجنوب التونسي عام 1957، حمل فتحي صرة أفكاره وحلم الجنوبي على ظهره وتاه في دروب التخييل زاجلا وفصيحا ومترجما ومثقفا متوحدا مع ضمير شعبه والتزامه الأصيل، فكتب الشعر الغنائي وغنى الشيخ إمام من كلماته وشكل مع لطفي بوشناق ثنائيا ناجحا متفردا، فضلا عن كثير من الفرق الموسيقية الملتزمة التي نشطت وازدهرت في فترة الثمانينيات، مثل "فرقة البحث الموسيقي" و"الحمائم البيض".

وفي الشعر، أصدر آدم فتحي مجاميع عديدة نذكر منها "حكاية خضراء والأمير عدوان" و"أغنية النقابي الفصيح"، و"أناشيد لزهرة الغبار" و"المعلقة" و"نافخ الزجاج الأعمى أيامه وأعماله".

وأما في الترجمة، فنذكر ترجمات مثل "يوميات شارل بودلير" و"ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان" و"اللوح الأزرق" لجيلبير سينويه، و"فريدة" لنعيم قطان، وتخصص في السنوات الأخيرة في مرافقة مشروع الكاتب الروماني-الفرنسي إميل سيوران، فترجم له "مثالب الولادة" و"المياه كلها بلون الغرق"، و"تاريخ ويوتوبيا"، و"اعترافات ولعنات"، و"تمارين في الإعجاب"، و"رسالة في التحلل"، وصدر له من فترة قصيرة عن دار الجمل الكتاب السابع ضمن هذا المشروع، وهو "السقوط في الزمن". وفاز صاحب رائعة أغنية "سراييفو" بجائزة "سركون بولص للشعر وترجمته" التي تقدمها دار الجمل في دورتها الثانية عام 2019.

وفي السطور التالية حوار عن إصداره الأخير ومسيرته وتجربته المتفردة المغردة بأكثر من صوت والمحلقة بأكثر من جناح، وعن الثورة التونسية والعربية وهي تحيي ذكراها 11 وعدة قضايا أخرى.

  • صدرت لك من فترة قصيرة ترجمتك للكتاب السابع "السقوط في الزمن" للكاتب إميل سيوران، تحت أي لافتة يمكننا وضع هذا الكتاب؟

لا يتحمل سيوران التقسيم إلى "لافتات" أو "أغراض". قد يكون هذا الكتاب عودة أخرى إلى "التيمات السيورانية" الأثيرة؛ فهو لا ينفك يلح في كل كتاب على أن الإنسان ضحية أوهامه وما انفك يعمل على تعريته من كل وهم، إلا أنه يولي هذه النقطة أو تلك اهتماما أكبر في هذا الكتاب أو ذاك في ما يمكن أن نعده اختلاف "زوايا التركيز". إنه واحد في كل كتاب بل في كل شذرة. وهو يضع الإنسان موضع السؤال الدائم والريبية الضاحكة تعبيرا عن صعوبة الوجود إلى حد الاستحالة.

ويمثل "السقوط من الزمن" حلقة مركزية في "سلسلة" الأطروحة السيورانية التي تشير إلى أن الإنسان ارتكب أول خطاياه حين "رضي بأن يولد"، ثم دعم تلك الخطيئة بالعمل والوعي والمعتقدات والأضاليل الأيديولوجية والأكاذيب السياسية.

وهو يتعذب بسبب ذلك ويعاني من المرض والوحدة والأرق والشك والجحود والتمزق الدائم بين الهمجية والتمدن الزائف، موغلا في محنة اكتشاف الخير والشر وفقدان البراءة ومغادرة الفردوس. وخروجه من الفردوس يعني بالنسبة إليه السقوط من "أبدية العالم الأعلى" إلى الزمن. وقد يعني السقوط من الزمن إلى "حضيض" آخر أكثر ضحالة هو "أبدية العالم الأسفل". وهو يحاول مغالبة ذلك كله بضحكة شبيهة بالتكشيرة. ولعل هذا الكتاب واحدة أخرى من تلك التكشيرات.

أغلفة كتب الشاعر آدم فتحيآدم فتحي ترجم أعمالا عديدة للفيلسوف والكاتب الروماني الفرنسي إميل سيوران (الجزيرة)
  • لكن هذا الكتاب صدر أول مرة عام 1964، وليس من شك أنه مثّل إضافة إلى مدونة سيوران، فما اختلافاته عن كتبه السابقة التي ترجمتها؟ ولماذا ختمت به السلسلة؟

إذا كان لا بد من التركيز على فكرة محورية مميزة لهذا الكتاب فلنقل إنها تتمثل في "تفوق مشهد السقوط على مشهد الموت".

يقول سيوران إن من يريد أن يكون "أكثر مما هو" لن يلبث أن يكون "أقل". وهو يلح على أن المخلوقات كلها تموت، لكن "الإنسان وحده مدعو إلى أن يسقط". والحق أنني فكرت في ترجمة هذا الكتاب قبل الكتب الأخرى، وازددت رغبة في ترجمته حين قرأت حوارا للمؤلف في تسعينيات القرن العشرين يقول فيه إنه يرى هذا الكتاب -خاصة صفحاته الأخيرة- "أكثر ما كتب جدية".

وشعرت بأنني لم أكن مستعدا لترجمته في ذلك الوقت؛ كنت محتاجا إلى مزيد من التلبس بإحساسه وإيقاعه فضلا عن معجمه؛ لذلك قررت أن أبدأ بترجمة أول كتاب ألفه بالفرنسية "المياه كلها بلون الغرق" أو "قياسات المرارة". ثم تعاقبت الكتب الأخرى لسبب أو من دون سبب. ولعل ترجمتي "السقوط في الزمن" في هذا التاريخ تحديدا إشارة إلى بلوغي نقطة معينة في علاقتي الشخصية بلغة سيوران في سياق مواز لتطور علاقته هو نفسه بالفرنسية.

  • ترجمت كذلك كثيرا من الأعمال الأدبية لجيلبرت سينويه ونعيم قطان وإدغار ألان بو وبودلير… إلخ، فكيف تختار هذه الأعمال؟ وهل هو مزاجك الشخصي أو اقتراحات الناشر؟ وما قادحك الأول للترجمة؟

الترجمة كالكتابة الإبداعية علاقة جدلية بين عناصر عديدة؛ من بينها الذوق الخاص والنزوع التلقائي والرغبة الذاتية والحاجة الموضوعية، لكن قادحها الأول في ما يخصني هو صوت غامض أسميه "نداء الأعماق".

وأنا محظوظ في ذلك بناشر سعى منذ البداية إلى بناء الحرفية على أساس من المشروع الثقافي. وأريد التذكير هنا بأن الإبداع الفني بشكل عام جزء جوهري من "غذاء الإنسان". هذا هو المعنى الدنيوي الذي أسبغناه على العبارة الإنجيلية المعروفة "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان". نحن "نأكل" الأعمال الفنية والنصوص كي نستطيع أن نتماسك في هذا الكون الآيل إلى التهافت. وفي هذا السياق نحن نترجم النصوص لأننا نريد أن "نمضغها" بأسناننا لا بواسطة أطقم مستعارة.

من ناحية أخرى، أنت تترجم كتابا كما تكتب قصيدة لأسباب تعرفها بعد الكتابة أحيانا. قد تترجم ذاك الكتاب لأنك أردت أن تكتبه أو تمحوه أو تكتب بعضه أو تحاوره أو تعترض على بعضه؛ هكذا تتعاقب الكتب الموضوعة أو المترجمة في علاقة جدلية بين الحاجة الذاتية والحاجة الموضوعية.

  • وهل هي صدفة أن تترجم قبيل الثورة التونسية سنة 2010 كتاب سيوران "تاريخ ويوتوبيا" الذي يحاول شرح ذهنية الطغاة ويحتوي على فصل كامل موسوم بـ"مدرسة الطغاة"؟

ليس على الكتّاب أن يكونوا "منجمين" أو "قرّاء كف" كي "يتحاوروا" مع مستقبلهم، كل كتابة إبداعية (والترجمة في نظري كتابة إبداعية) تخاطب في جوهرها قارئا لا مكان له إلا في المستقبل، وما أن تكف عن ذلك حتى تتلاشى وتتبخر وتكف عن الوجود أصلا؛ ومن ثم كل كتابة إبداعية هي "استباقية" بقدر ما، وإلا سقطت بالتقادم وفقدت قدرتها على إبداع قارئها.

لذلك لم أترجم سيوران لأنه يقولني أو يقول مرحلتي العربية، فهو وإن اقترب مني في بعض النقاط ما انفك بعيدا عني في نقاط كثيرة. وترجمته لأنني أحسست بطاقته الإخصابية ككاتب. لقد شعرت بأن نقل تلك الطاقة إلى العربية -وأقصد عربيتي تحديدا- يمكن أن يرج "الماموث" الكامن فيها والجاثم عليها ويدفعها إلى تحريك الراكد وخلخلة الساكن فيّ. ومرحبا بالأمر إذا تجاوز الحالة الشخصية للمترجم الفرد.

  • ما دمنا بصدد "تاريخ ويوتوبيا"، من الذي يصنع الطغاة في رأيك؟ ومن الذي يغذيهم؟

الشعوب هي التي تصنع الطغاة، والشعوب هي التي تزيلهم. الشعوب هي التي تسمح لأشخاص أو عصابات بأن يقهروها ويتغولوا عليها، والشعوب هي التي تبني مؤسسات تحميها من تغول الأشخاص وقهرهم. الشعوب هي التي تمنح حكامها شرعيتهم، وهي التي ترفع عنهم غطاء الشرعية. الشعوب هي التي تسمح بتأبيد الحكم، وهي التي تطور آليات كفيلة بالتداول على الحكم وتحرص على التوازن بين الحق والواجب وبين الحرية والمسؤولية. الشعوب هي التي ترضخ فتطيل عمر الدكتاتورية، وهي التي تتمرد فتبني الديمقراطية، وهي لا تعتبر الديمقراطية فردوسا ولا تعتقد أنها مرحلة نهائية.

الديمقراطية صيرورة وسيرورة لا بد من تعهدها المستمر. قد تتعثر وقد تعيش أزمات وقد تنكص نحو الدكتاتورية جهارا أو من تحت أقنعة، لكنها تظل دائما مطمحا منشودا بالقياس إلى الدكتاتورية. الديمقراطية مهما كانت سلبياتها المعلومة أفضل من الدكتاتورية مهما كانت إيجابياتها المزعومة؛ تلك هي الحقيقة التي لا بد من إدراكها.

ولا فرق في هذا المجال "بين عربي وأعجمي" إلا بالوعي والتضحية، وإذا كان ثمة من "تميز عربي" في هذه المسألة فهو متعلق بتلك الأكذوبة التي يروجها الحكام ويستبطنها المحكومون والقائلة إننا "شعوب لا تصلح للديمقراطية".

ولا يهم إن كانت المسؤولية هنا ملقاة على عاتق النخب أم الجماهير؛ فالنخب أيضا من الشعب. لقد فهمت الثقافة العربية الإسلامية هذه المسألة منذ أن نسب إلى الرسول قوله "كما تكونوا يولى عليكم". لكن هذه الفكرة لم تتحول إلى ثقافة عميقة حتى الآن، ولن يتم ذلك ما دمنا نفضل "مديح الشعب" ومجاملته ونفاقه، وما دام الشعب يصفق لكل من يعرف كيف يتحايل عليه.

أغلفة كتب الشاعر آدم فتحيأعمال الشاعر آدم فتحي تراوحت بين الشعر والترجمة وكلمات الأغاني (الجزيرة)
  • تحيي تونس اليوم وكثير من الدول العربية ذكرى ثورة الكرامة والحرية، كيف توصف هذا الحدث اليوم بعد مرور 11 سنة على وقوعه؟

يطرح البعض هذا السؤال وفي البال الثورة الفرنسية سنة 1789، أو الثورة البلشفية لسنة 1917. والحق أن الثورات ليست ثوابت جامدة وليست وصفات جاهزة يقاس عليها للتأكد من تطابق المواصفات. والحق أنه حين كاد البعض يحول "نهاية التاريخ" إلى ديانة جديدة من مقوماتها أن الثورة أصبحت مستحيلة في عصر العولمة والحرب على الإرهاب وتخوين المقاومة إلخ؛ ظهر الحدث التونسي، فانتقل بالجميع من لحظة "الثورة المستحيلة" إلى لحظة "الثورة الممكنة".

والظن عندي أن ما حدث في تونس في مفتتح 2011 هو وضعية ثورية بحق، إلا أن على التونسيين أن يصنعوا من ثورتهم الممكنة ثورة متحققة عن طريق ما ينجزونه في مرحلة "اليوم التالي"، إلا أنه لا بد من الإقرار بأن "اليوم التالي" مستمر حتى الآن، وأن "الكتاب" لم يغلق بعد.

  • هل توافق الرأي القائل إن نجاح الثورة السياسية العربية رهين بقيام ثورة ثقافية مبنية على مشروع ثقافي عميق وحقيقي؟

ليس في ذلك شك؛ لا يكفي أن نثور كي نتغير، بل علينا أن نتغير كي نثور. والتغير ثقافي أو لا يكون. تلك أم المعضلات في جل بلداننا كي لا نقل في كلها. ولعل "وضعياتنا الثورية" لم تفلح حتى الآن في حسن إدارة "اليوم التالي"، كي تتحقق لأننا غافلون عن "جوهرية" البعد الثقافي. مهما كانت النوايا السياسية صادقة وشعاراتها نبيلة، فإنها تظل مجرد نوايا وشعارات ما لم تتحول إلى ثقافة وإبداع، وما لم يسهم في تحديدها وصياغتها المثقفون والمبدعون.

  • لا يمكن أن نختم هذا الحوار من دون التعريج على بعد مهم من أبعاد تجربتك، وأقصد إسهامك في كتابة "الزجل" إلى جانب الشعر الفصيح، فهل الزجل شعر من درجة ثانية؟

أعتقد أن هذا الموضوع لا يثار بهذه الكثافة إلا في البلاد الناطقة باللسان العربي؛ وذلك لأن الفجوة ما انفكت تتسع بين الشعب ونخبته، وبين الثقافة الشعبية والثقافة العالمة، والأصح أن نقول "المتعالمة"، ولن نردم هذه الفجوة ما دمنا نتكلم بلغة ونكتب بلغة ثانية ونقرأ ونفكر بلغة ثالثة. هذه الفجوة جزء من معضلاتنا المدمرة، ولعلها لن تُردم إلا عندما ندرس في جامعاتنا البرغوثي أو بلقاسم اليعقوبي التونسيين، أو فؤاد حداد وعبد الرحمن الأبنودي المصريين، والقائمة طبعا أطول من هذا بكثير، جنبا إلى جنب مع سائر المبدعين والمبدعات في مختلف البلاد العربية.

  • تقول في إحدى حواراتك "القصيدة جزء من معادلة الكتابة لكنها ليست كل المعادلة، وما نعثر عليه ونحن نكتب أهم مما نخطط له ونبحث عنه". كيف تعيش تفاصيل العملية الشعرية والإبداعية؟

أصبحت أجد صعوبة متزايدة في التعامل مع مثل هذه الأسئلة، ولو طرح علي هذا السؤال اليوم لما تجرأت على قول مثل هذا الكلام، فأنا لا أملك مثل ذلك "اليقين".

ولعلي لا أرى إجابة أفضل من هذا النص المقتطع من "كتاب الشهوة والنسيان" الذي أستعد لنشره قريبا: "تسألينني عن الشعر/يااااااه/ماذا أقول يا ابنتي؟/أجمل ما فيه /أنه يجيئني حين يمضي/ويتركني حيث يجيء/قربة مرمية لعابري السبيل/وأسراري إلى الخارج/مثل بطيخة فشخت باليد/أما القصائد فانظري/انظري إلى جسد أبيك/لن تفرزي بسهولة ما تحفره/أسنان الزمن وأسنان الشعر".

المصدر : الجزيرة