محمود أمين العالم.. الذكرى الـ12 لرحيل المفكر والناقد والسياسي اليساري

يقول محمود أمين العالم، في مقال له بعنوان "النقد والعمل والتجدد"، إن "العمل المسؤول هو المدرسة الحقيقية للنقد المسؤول"، وهو ما كان تجسيدًا لأفكاره إلى حدّ الاتساق بين الفكر والموقف، كما تقول عنه الأكاديمية والكاتبة ماجدة رفاعة الطهطاوي.

المفكر والأكاديمي محمود أمين العالم ولد في فبراير/شباط 1922 وتوفي في العاشر من يناير/كانون الثاني 2009 (الصحافة المصرية)

القاهرة – "إلا محمود أمين العالم".. عبارة ثناء لفظها عميد الأدب العربي طه حسين، وهو يستثني المفكر والناقد والأديب محمود أمين العالم من "الكتّاب الجدد الذين يكتبون أكثر مما يقرؤون، وما يكتبون لا يدلّ على ثقافة واسعة ولا عميقة"، كما قال حسين واصفًا في لقاء تلفزيوني في السبعينيات عددا من الكتاب "الجدد" وقتئذ، وكان في الجلوس أمامه زمرة من أبرز الكتّاب والمبدعين والنقاد في ذلك الوقت.

ولم يكن هذا العمق الثقافي وحده الذي ميّز العالم حتى رحيله في مثل هذا اليوم من عام 2009، ذلك المفكر والسياسي والمثقف والأديب والناقد، وأحد أعضاء الحزب الشيوعي المصري منذ الأربعينيات، الذي عدّه بعض المتابعين الأب الروحي لليسار المصري، بل كان أبرز ما شهد له من امتدحوه ونقدوه معًا القدرة على التقبل والتسامح مع ألدّ خصومه، حد الذهاب إلى مساعدة جلّاده على التعلم عقب وصلة تعذيب كان يذيقه السجان إياها أثناء سجنه في الستينيات.

ومن مأثورات العالم قوله عن جلّاده "كنت أحبه وأشفق عليه وأشعر بالمسؤولية تجاهه، هو ضحيةُ التغييب والجهل، كما أنني كنت أتعلم منه بالنهار كيف أفتِّت الصخر، وأعلمه أنا بالليل كيف يفتِّت أسوار العتمة من حوله".

يقول محمود أمين العالم، في مقال له بعنوان "النقد والعمل والتجدد"، إن "العمل المسؤول هو المدرسة الحقيقية للنقد المسؤول"، وهو ما كان تجسيدًا لأفكاره إلى حد الاتساق بين الفكر والموقف، كما تقول عنه الأكاديمية والكاتبة ماجدة رفاعة الطهطاوي، والكاتبة بمجلة قضايا فكرية التي أصدرها العالم، و"هذا ما جعل لمحمود العالم مصداقية حتى بين من اختلف معهم فكريا"، بتعبيرها.

وتابعت في حديثها للجزيرة نت أن العالم كان مهموما بتجديد الفكر العربي، في تجلياته النظرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأنشأ دورية قضايا فكرية من هذا المنظور ليكوّن قراءة نقدية للفكر العربي بتجلياته المختلفة، وحرص على أن يضم كل عدد أفضل العقول العربية.

وأوضحت أن مشروع العالم وإن كان يرتكز على الفكر الماركسي، لكن فهمه للفكر الماركسي كان بعيدا عن الجمود.

أثري محمود أمين العالم المكتبة العربية بمؤلفات عديدة شملت الكتب والدراسات والمقالات (الجزيرة)

استثناء من التحولات

امتاز رموز اليسار المصري طوال تاريخه بالتحولات، انقلب كثير منهم على أفكارهم، إلا محمود أمين العالم كان استثناء من التحول والانعطاف عما اعتقده حقًّا، كما كان استثناء من المثقفين الذين ذكرهم طه حسين.

العالم الذي وُلد منذ قرن تقريبًا، تحديدًا في 18 فبراير/شباط عام 1922، دفع أثمانا باهظة نتاج مواقفه تلك، فحركة يوليو/تموز 1952 التي أيّدها في البداية، لأنها "تعبير عن أشواق المصريين للتغيير"، نفذت محاولات متعددة لاستيعاب العالم، وترويضه، ثم فُصل من عمله بالجامعة مدرّسا مساعدا للفلسفة عام 1954، وبعد ذلك سُجن.

ظل العالم يناضل من داخل مؤسسات الدولة (1954-1970) محاولًا دفعها باتجاه الديمقراطية، فكان يكتب بهذا المعنى افتتاحيات مجلة روز اليوسف. حاولت السلطة إبعاده بطريقة ناعمة، بإسناد مسؤوليات تحرير مجلة جديدة صادرة عن دار التحرير الحكومية الوليدة، لم تصدر، فأخذ يكتب بأسماء مستعارة في عدد من الإصدارات، حتى انفتح أمامه باب النقد الأدبي على اتساع الكتابة.

وحينما أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا ابتهج بها، ودعا لصيانتها من الفشل بمراعاة خصوصية واختلاف الحالة السورية عن المصرية، مضطرا إلى كتابة بيان بهذا المعنى باسم مستعار هو "فريد".

وظلت التجاذبات بين العالم والنظام الناصري بين محاولات الاستيعاب والتطويع ثم السجن، ثم حالة من الرضا على اليساريين المصريين عموما حينما احتاج النظام إلى تأييد المثقفين اليساريين، فرفض حل الحزب الشيوعي المصري، مطالبًا بأن يكون ضمن مظلة كبيرة جامعة لأهداف الاشتراكية، ثم التحق بالتنظيم الطليعي، وعُيّن في مناصب عدة بمؤسسات صحفية وثقافية وفنية.

ومن المفارقات الطريفة التي رواها العالم عن سجنه أنه حينما جُمِع الشيوعيون المصريون في المعتقل صلّوا وراء المفكر الراحل محمد عمارة، وكان لا يزال شيوعيا، فأُطلق على مكان تجمعهم للصلاة "مسجد الشيوعيين".

وبدأ نظام الرئيس الراحل أنور السادات الصدام مع اليسار، وكان السادات هو المسؤول بالعهد الناصري الذي حاول تطويع العالم وفشلت كل محاولاته.

شملته الاعتقالات التي سميت حينئذ بقضية مراكز القوى مطلع السبعينيات، ومثل العالم أمام المحقق متهمًا، فإذا به يتهم السادات شخصيا باتهامات شتى، ثم استعد لمواجهة حبل المشنقة، إلا أنه فوجئ بباب السجن ينفتح ليخرج منه مستقلًّا سيارة أجرة إلى بيته.

لم ينكفئ على ذاته شاكرا نعمة الحرية التي حُرم منها رفاقه في القضية نفسها، بل مَثل شاهدًا لمصلحتهم، ثم ذهب إلى عمله في اليوم التالي ليجد نفسه محالا إلى التحقيق بتهمة التغيب عن العمل، ثم مفصولا بأمر سيادي.

بدأ العالم حينئذ مرحلة جديدة من النضال ضد السادات من خارج البلاد، معارضا اتفاقية كامب ديفيد، بالتوازي مع عمله الأكاديمي بأوروبا، ثم عاد من بعد ذلك بإصدار مجلة غير دورية هي "قضايا فكرية"، وحصل على جائزة الدولة التقديرية عام 1998.

صاحب مشروع

ويرى الكاتب الصحفي كارم يحيى أن محمود أمين العالم كان علامة مهمة في الفكر اليساري المصري والعربي، وله كتابات مهمة في النقد والأدب والفكر، رغم ما يشاع عنه باعتباره ناقدا اشتراكيا تقليديا.

ورفض يحيى في حديثه للجزيرة نت اعتبار العالم أبا روحيا لليسار المصري، نافيا فكرة وجود مقعد شاغر لـ"أب" روحي واحد لليسار المصري أو العربي يحتاج إلى من يملؤه بعد رحيل العالم، إذن فالعالم "رمز مهم على مستوى الفكر، وليس على مستوى التنظيم ولا على المستوى السياسي، فاليسار المصري والعربي متعدد الاتجاهات والمدارس والأجيال، وهناك أجيال انتقدت أخرى، وتعرض الجيل الذي نشأ بين الأربعينيات حتى منتصف الستينيات، الذي يمثله العالم، لنقد كبير"، على حد قوله.

وأعرب المتحدث عن اعتقاده بأن إسهامات العالم على مستوى الفكر والنقد الأدبي هي الأهم، ويجب أن تكون محل تقدير، إذ أصدر مجلة مهمة في هذا المجال، والأدب هو السر وراء عدم وجود انعطاف حاد في مشروع العالم، فالأدب، بخلاف السياسة، يحتمل المرونة في التعاطي، بخلاف حدة السياسة، التي تصل أحيانا إلى نفي الآخر.

وحسب معرفته به، أكد كارم يحيى -وهو مرشح سابق لموقع نقيب الصحفيين- أن العالم بطبيعة شخصيته لا تستثير الحدّة والعداء، ولم يكن يفضل الخوض في المعارك، كما أن حياته لم تشهد انقلابات تثير ضده معارك وملاحظات، بل ظل وفيا ومخلصا لأفكاره حتى مماته.

وفي لقاء على فضائية اقرأ الدينية، قال العالم "أنا ابن الشيخ أواصل طريق أبي بوسائل العصر"، ولم يكن يشير فقط إلى نشأة الطفولة وسط أسرة متدينة، بل إنه تلقى أول تعليمه في كتّاب الشيخ السعدني، ليحفظ القرآن، ويفخر بذلك في لقاءاته، مؤكدًا أنه لا تعارض مطلقًا بين الدين والاشتراكية، فالدين، من وجهة نظره، نظرة شاملة واسعة لكينونة الإنسان، أما الاشتراكية فهي أدوات الإنسان لتحقيق العدالة.

وللعالم مؤلفات عدة منها: فلسفة المصادفة، ألوان من القصة المصرية، الثقافة والثورة، معارك فكرية، تأملات في عالم نجيب محفوظ، الوجه والقناع في المسرح العربى المعاصر، الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر، الماركسيون العرب، الوحدة العربية، الإبداع والدلالة، ديوان أغنية الإنسان، الإنسان موقف، ثلاثية الرفض والهزيمة وهي دراسة نقدية.

المصدر : الجزيرة