سيرته تشبه الأساطير الإغريقية.. رحيل الملحن والناشط ميكيس ثيودوراكيس

بعد الانقلاب العسكري في اليونان عام 1967 تحول ثيودوراكيس إلى الحياة السرية ووجه أول رسالة للمقاومة، فاعتقل على إثرها وسجن، ولكنه ظل يكتب الألحان ويرسلها إلى المغنية اليونانية ماريا فاراندوري والفنانة ميلينا ميركوري

FILE PHOTO: Greek composer Mikis Theodorakis participates in a rally against the use of the term "Macedonia" in any settlement to a dispute between Athens and Skopje over the former Yugoslav republic's name, in Athens, Greece, February 4, 2018. REUTERS/Costas Baltas/File Photo
الملحن اليوناني الراحل ميكيس ثيودوراكيس يشارك في مسيرة ضد استخدام مصطلح "مقدونيا" في أي تسوية لنزاع بين أثينا وسكوبيا حول اسم جمهورية يوغوسلافيا السابقة (رويترز)

عن عمر ناهز 96 عامًا، توفي قبل يومين ميكيس ثيودوراكيس، الموسيقي والملحن اليوناني المحبوب الذي حظيت موسيقاه المفعمة بالحيوية ونشاطه السياسي بإشادة دولية وألهمت الملايين في وطنه والعالم.

وأعلن التلفزيون الحكومي عن وفاته يوم الخميس في منزله بوسط العاصمة أثينا بعد سنوات من علاج أمراض القلب، لتنتهي حياة حافلة تداخلت فيها مسيرته الفنية مع النضال ضد النازيين والدكتاتورية العسكرية في وطنه، في حين كانت ألحانه تعرّف العالم بموسيقى بلده ورقصاته.

اشتهرت مسيرة ثيودوراكيس الغزيرة، التي بدأت في سن 17 عامًا، بمجموعة متنوعة بشكل كبير من الأعمال التي تراوحت من سيمفونيات حزينة ونشيد لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى أعمال الموسيقى الشعبية اليونانية وعشرات الأعمال السينمائية مثل فيلم سيربيكو عام 1973 وزوربا اليوناني عام 1964.

لكن الموسيقار الكبير صاحب الصوت الأجش والشعر المموج، يتذكره اليونانيون أيضًا بسبب معارضته الشديدة لأنظمة ما بعد الحرب التي اضطهدته وحظرت موسيقاه، وتم تنكيس العلم اليوناني إلى نصف ارتفاعه في الأكروبوليس مع إعلان الحداد الوطني لمدة 3 أيام في البلاد.

وقالت الرئيسة اليونانية كاترينا ساكيلاروبولو في بيان نعي "عاش بشغف، حياة مكرسة للموسيقى والفنون ولبلدنا وشعبه"، وتابعت "كتب موسيقى أصبحت متداخلة مع التطورات التاريخية والاجتماعية في اليونان في سنوات ما بعد الحرب، والموسيقى التي قدمت التحفيز، والمواساة، والاحتجاج، والدعم في الفترات الأكثر ظلمة من تاريخنا الحديث".

وعزّى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الخميس، بوفاة الموسيقار اليوناني المشارك في تلحين النشيد الوطني فلسطيني، عبر برقية أرسلها لعائلته وقال فيها "تلقينا بأسفٍ وحزنٍ عميقين نبأ وفاة الموسيقار والسياسي والصديق الكبير لشعبنا الفلسطيني السيد ميكيس ثيودوراكيس".

وأضاف "سنستذكره وشعبنا بكل إجلال وإكبار كصديق ومناصر لقضيتنا العادلة، وحاملاً للجنسية الفلسطينية الفخرية، ومتوشحًا بالكوفية الفلسطينية".

سيرة مؤلف موسيقي وناشط سياسي

تلك الموسيقى اليونانية التي تبدأ هادئة فاترة بطيئة بمرتكزات إيقاعية متباعدة، ثم لا تلبث أن تتصاعد لتحتدم وتضطرم معها حركة الجسد في انطلاقته وعنفوانه، ليست إلا تجنيحة من تجنيحات إبداع شخص اسمه ميكيس ثيودوراكيس، كانت حياته أقرب إلى الأساطير الإغريقية بدراميتها وطابع المواجهة الدائمة فيها.

وكان هوسه بالموسيقى جليا، بل فطريا، فقد وضع أول ألحانه وهو في الـ12 من عمره (1937). وبقدر ما كانت الرغبة في تعلّم أصول الأنغام وأحوالها وأوضاعها وأزمنتها جامحة لديه، كان مسار الأحداث التاريخية في اليونان يدفعه في اتجاه بعيد عن الموسيقى كل البعد، اتجاه النضال السياسي والاجتماعي، حتى أنه وجد نفسه في مواجهة كل أنواع الدكتاتوريات، بدءاً بالاستعمار الثلاثي الألماني الإيطالي البلغاري الذي تسلط على اليونان إبان الحرب العالمية الثانية (1941-1944)، انتهاء بدكتاتورية الجنرالات الانقلابيّين (1967-1974)، مرورا بمآسي الحرب الأهلية وفظاعاتها (1946-1949).

وُلد ثيودوراكيس في جزيرة خيوس بشرق بحر إيجه في 29 يوليو/تموز 1925، وتعرض للموسيقى والسياسة منذ صغره. بدأ كتابة الموسيقى والشعر في سن المراهقة، مع دخول اليونان الحرب العالمية الثانية. وخلال الحرب، تم اعتقاله من قبل المحتلين الإيطاليين والألمان لتورطه مع جماعات المقاومة اليسارية.

عارضت بعض هذه المجموعات نفسها بشدة الحكومة والنظام الملكي اللذين قادا اليونان مباشرة بعد الحرب، مما أدى إلى حرب أهلية بين عامي 1946-1949 خسر فيها المتمردون المدعومون من الشيوعية في النهاية.

سُجن ثيودوراكيس وأُرسل إلى جزر يونانية نائية، بما في ذلك معسكر "إعادة التعليم" سيئ السمعة في جزيرة ماكرونيسوس الصغيرة بالقرب من أثينا. نتيجة للضرب المبرح والتعذيب، عانى ثيودوراكيس من كسور في أطرافه ومشاكل في الجهاز التنفسي وإصابات أخرى أصابت صحته طيلة حياته. كان يعاني من مرض السل، ونُقل إلى مستشفى للأمراض النفسية.

في كل هذه المحطات وقف ميكيس ثيودوراكيس وجها لوجه أمام الموت، بل خاض تجربته بكثير من العناد والإصرار على الحياة. ففي سنة 1942 أوقف وعذّب بتهمة المشاركة في المقاومة الشعبية للاستعمار، ثم أطلق سراحه. وفي سنة 1946، وإثر مشاركته في مظاهرة ضد القوى اليمينية التي افتكت السلطة رغم إرادة الشعب تم تعنيفه بشدة إلى درجة ظن فيها الجميع أنه فارق الحياة فتم إيداعه غرفة الأموات في المستشفى، ولكنه أفاق في المشرحة.

رغم المصاعب، تمكن من إثبات نفسه كموسيقي محترم. تخرج في مدرسة أثينا للموسيقى عام 1950 واستكمل دراسته في باريس بمنحة دراسية عام 1954.

بعد الانقلاب العسكري في اليونان عام 1967، تحول إلى الحياة السرية ووجه أول رسالة للمقاومة، فاعتقل على إثرها وسجن، ولكنه ظل يكتب الألحان ويرسلها إلى المغنية اليونانية ماريا فاراندوري والفنانة ميلينا ميركوري.

ساءت حالته الصحية بشكل خطير فقامت حركة احتجاجات أوروبية، اضطرت الانقلابيين لإطلاق سراحه، فسافر عام 1970 إلى باريس حيث كثف نشاطاته الفنية ولقاءاته مع الشخصيات الأوروبية ضد الانقلاب، وأسس عام 1976 حركة "حضارة السلام".

وخلال الأعوام 1981-1986 و1989-1992 انتخب نائباً في البرلمان اليوناني، وعين وزير دولة خلال الأعوام 1990-1992، وأسس لجان صداقة بين اليونان وتركيا ظهرت للعلن عام 1986، كما أقام عدة حفلات موسيقية في تركيا لتمتين الصداقة بين البلدين، وعمل على نقل رسائل من قادة اليونان إلى القادة الأتراك.

بعد كارثة تشيرنوبل عام 1986 قام بجولات وحفلات في أوروبا ضد الطاقة النووية، كما قام بعدة مبادرات سلام بين دول أوروبا.

كان من الناشطين في مجال حقوق الإنسان، ولعب دورا في مساعدة الفلسطينيين خلال حصار بيروت عام 1982، حيث أدان الاحتلال الإسرائيلي، كما قام بأدوار وساطة بين إسرائيل والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وعزفت موسيقاه عند توقيع اتفاقية أوسلو عام 1994.

كان عضوًا في البرلمان عن الحزب الشيوعي اليوناني لمعظم الثمانينيات، لكنه خدم لاحقًا في مجلس وزراء الحكومة المحافظة. وتحدث في مسيرات مؤيدة لقيام دولة فلسطينية، وتحدث بقوة ضد الحرب في العراق ومؤخرا شارك في معارضة اتفاق لإنهاء نزاع على الاسم بين بلده اليونان ومقدونيا الشمالية.

Relatives and friends escort the coffin of Greek composer Mikis Theodorakis outside of his home in Athens, Greece, September 2, 2021. Michalis Karagiannis/Eurokinissi via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. NO RESALES. NO ARCHIVE. GREECE OUT. NO COMMERCIAL OR EDITORIAL SALES IN GREECE.أقارب وأصدقاء يرافقون نعش الملحن اليوناني ميكيس ثيودوراكيس خارج منزله في أثينا (رويترز)

الأعمال المبكرة

بدأت حياته الفنية كمؤلف موسيقي جاد، حيث عمل على مجموعة كبيرة من الأنواع من المقطوعات السينمائية وموسيقى الباليه إلى الأوبرا، بالإضافة إلى موسيقى الحجرة والتراجيديا اليونانية القديمة والأعمال الشعبية، مما فتح الباب أمام أعمال الشعراء البارزين للتحول إلى الموسيقى، بما في ذلك الشاعر والمسرحي الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا، والشاعر اليوناني الحائز على جائزة نوبل أوديسياس إليتيس.

وضمت السلسلة الموسيقية التي أنتجها عملا مبنيا على قصائد كتبها الناجي من معسكر الاعتقال النازي إياكوفوس كامبانيلس، قصيدة ثلاثية ماوتهاوزن، التي وصفت أهوال الحياة في المعسكرات والمحرقة.

لكن الفيلم الحائز على جائزة الأوسكار عن فيلم نيكوس كازانتزاكيس "زوربا اليوناني" في عام 1964، هو ما جعلت منه اسمًا مألوفًا، وحصل الفيلم من بطولة أنتوني كوين وآلان بيتس وإيرين باباس على 3 جوائز أوسكار.

اضطرابات بلاده

لم تكن السياسة على هامش حياة ميكيس ثيودوراكيس بل في صلبها تماما، ولم تكن الموسيقى بالنسبة إليه متعة أو ترفا أو إطرابا، بل روح شعب ورسالة حرية، وهذا ما أثبتته الأحداث بتراجيدية تذكرنا بأشهر مآسي الإغريق.

ففي مايو/أيار 1963 أفاقت اليونان على نبأ اغتيال أحد زعمائها الثوريين الطبيب غريغوريس لامبراكيس (1912-1963) في واقعة دوّنت في سجلات البوليس على أنها حادث سير عادي. وقد كانت هذه الحادثة سببا في عودة ميكيس ثيودوراكيس إلى السياسة مرّة أخرى من خلال تأسيسه حركة "الشبيبة الديمقراطية لامبراكيس" وهي حركة سرعان ما شهدت انخراط أكثر من 50 ألف شخص، ونجحت في تأسيس نحو 200 مركز ثقافي على امتداد أرجاء اليونان.

والأهم من هذا وذاك أن هذه الحركة كانت سببا في إنتاج شريط سينمائي مستوحى من الحادثة بتمويل جزائري فرنسي يحمل عنوان (Z)، أخرجه اليوناني كوستا غافراس وشارك في أداء أدوار البطولة فيه الممثل الفرنسي الشهير إيف مونتون واليونانية إيرين باباس، بحسب تقرير سابق للجزيرة نت.

ومن خلال هذا الشريط أثبت ميكيس ثيودوراكيس مرة أخرى أن الموسيقى التصويرية ليست زينة خارجية تضاف إلى الأشرطة السينمائية، بل هي روح الفيلم وجوهره الذي ينطق بما لا ينطق به الممثلون.

في تلك الفترة، أصبح ميكيس ثيودوراكيس مزعجا حقا، فتم اعتقاله ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ولكن موجة التضامن العالمي معه أجبرت السلطات اليونانية على نفيه خارج البلاد، وليتها لم تفعل، فقد كانت إقامة ثيودوراكيس في منفاه الباريسي مناسبة للتشهير بالنظام القائم في بلاده، وفرصة أتاحت له التعرف على رموز ثقافية وسياسية شهيرة ومؤثرة، مثل الشاعر بابلو نيرودا والثائر سلفادور أليندي والرئيس جمال عبد الناصر والماريشال تيتو والقائد ياسر عرفات. وهذا ما جعل منه رمزا من رموز الحرية في العالم، وصوتا لمن لا صوت لهم، حتى إنه لم يتردد في الوقوف على المسارح مرتديا الكوفية الفلسطينية ومناصرا القضايا العربية.

ومع نمو شهرة ثيودوراكيس، استمرت الاضطرابات السياسية في اليونان، وتم حظر مؤلفاته من قبل الدكتاتورية العسكرية التي حكمت البلاد بين عامي 1967 و1974، وحولت موسيقاه إلى موسيقى تصويرية للاحتفالات عند استعادة الديمقراطية وكذلك في مسيرات المقاومة الاحتجاجية التي استمرت لعقود.

يقول ألكسندروس زاكرياديس، مرشح الدكتوراه في العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، لقناة الجزيرة "بالحديث إلى أشخاص من جميع أنواع الحياة، من جميع الأعمار والخلفيات السياسية المختلفة، يبدو أننا فقدنا شخصية الأب". وأضاف "كما تعلم، مثل الأب الذي لا نحب حقًا جميع جوانبه، لكننا نقدره كنوع من الإرشاد".

وأوضح زكرياديس أن "ما فعله ثيودوراكيس هو إحداث ثورة في الموسيقى اليونانية، وفي الوقت نفسه إحداث ثورة في السياسة بطريقة ثقافية للغاية".

وأضاف "كانت حقيقة أنه اختار وضع موسيقى ذات صوت فولكلوري للغاية -صوت البوزوكي- على كلمات الشعراء ليس فقط من اليسار اليوناني، مثل جيانيس ريتسوس ومانوليس أناجنوستاكيس، ولكنه أيضًا وضع موسيقاه في كلمات وقصائد جورجيوس سيفريس أو أوديسياس إيليتيس، اللذين لم يأتيا من اليسار، مما جعل شعرهم عالميًا ومتاحًا للمواطنين اليونانيين العاديين.

وتابع زكرياديس "لقد أحدث ثورة في الموسيقى، لكني سأقول أيضًا إنه أحدث ثورة في السياسة بهذا النوع من الأسلوب".

المصدر : الجزيرة