مؤرخ فرنسي لصحيفة لوموند: الملعقة على بساطتها رمز جديد للوطنية الفلسطينية

مسيرة بالعاصمة الأرجنتينية حمل المتظاهرون فيها ملاعق محفور عليها العلم الفلسطيني لإظهار دعمهم للأسرى الفلسطينيين الستة (الأناضول)

تبنى الفلسطينيون -عبر تاريخهم الطويل- سلسلة طويلة من رموز الوطنية والتعبئة الجماعية. وقد بدأت بشجرة الزيتون الممتدة جذورها في أرض يسعى الاستيطان إلى طرد السكان منها، ثم جاءت كوفية الفلاح الفلسطيني التي رفعها الزعيم ياسر عرفات عام 1974 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أن أحدا لم يكن يتخيل أن "الملعقة" بكل بساطتها ستكون في قلب رموز الوطنية الفلسطينية.

لقد تحوّلت الملعقة إلى رمز للفرار من السجن ورمز للنضال، وألهمت رسامين وفنانين وشعراء وصحفيين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي.

في مقال للمؤرخ والأستاذ الجامعي المختص في العالم العربي البروفسور جان بيير فيليو على مدونته بصحيفة "لوموند" (Le Monde) الفرنسية، انطلق الكاتب من هذه المقدمة ليروي قصة "الملعقة" التي أصبح المتظاهرون الفلسطينيون الآن يستخدمونها بنضالهم، في إشارة إلى السجناء الستة الذين فروا مؤخرا من سجن إسرائيلي، قبل أن يتم أسرهم مرة أخرى.

هروب ملحمي

وقال المدون الفرنسي إن هذه القصة بدأت عندما استطاع 6 معتقلين فلسطينيين الفرار في السادس من سبتمبر/أيلول الجاري -بالتزامن مع مناسبة رأس العام اليهودي الجديد- من سجن جلبوع الشديد الحراسة في شمال إسرائيل، بعد أن حفروا بصبر وأناة نفقا يبلغ طوله حوالي 20 مترا بملعقة، ليصلوا إلى السطح الخارجي للسجن، قبل أن تشن إسرائيل عملية مطاردة واسعة النطاق لاستعادتهم.

ونبه الكاتب إلى أن الفارين الستة من مدينة جنين الفلسطينية في الضفة الغربية، وأن 5 منهم من حركة الجهاد الإسلامي، وسادسهم وأشهرهم هو زكريا الزبيدي من حركة فتح، حزب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وقد انتهت مسيرة الأخيرين منهم في 19 سبتمبر/أيلول الجاري باعتقالهما في جنين، أثناء مداهمة للجيش الإسرائيلي بالضفة الغربية المحتلة.

ولئن انتهت المطاردة وأعيد الفارون إلى السجن وسط استنكار النشطاء الحقوقيين للمعاملة التي تعرضوا لها وتضامنهم معهم، فإن الملعقة التي كانت أداة لمثل هذا الهروب المستحيل، وجدت لنفسها مكانة مرموقة لدى الفلسطينيين، وأصبحت بساطتها وهشاشتها رمزا لتوازن القوى الذي لم يعد يستبعد "مقاومة الضعيف" بالوسائل المتاحة، رغم قوة إسرائيل الساحقة.

وهكذا -يقول الكاتب- وضع رسام الكاريكاتير "محمد سبانة" الملعقة في قلب رسمه الكاريكاتيري "لنفق الحرية"، وعرض الفنان التشكيلي خالد جرار مؤخرا في رام الله "مجرفة الملعقة" كرمز للتحرر من جديد، علما أن كلا الرسامَين في الأصل من جنين، لكن رسامِين آخرين -في الأردن والكويت- استلهموا الملعقة التي بدأت تشتهر.

إعادة تشكيل

هذه الشعبية النضالية التي اكتسبتها الملعقة -كما يرى فيليو- شكلت امتدادا وتواصلا للموجة الوطنية الفلسطينية الجديدة التي تردد صداها في مايو/أيار الماضي بين العرب في الداخل والقدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وها هي الملعقة تُرفع اليوم أمام المسجد الأقصى، وبين المتظاهرين في رام الله ضد سلبية وفساد السلطة الفلسطينية، وكذلك بين شباب غزة عند السياج الإسرائيلي.

وختم الكاتب بأن الملعقة -على بساطتها- تعلمنا الكثير عن إعادة التشكيل المستمرة للمشهد الفلسطيني، كما أنها أيضا أصبحت أحد أعراض أزمة عميقة في التمثيل الفلسطيني، على خلفية انهيار سمعة القيادات السياسية المختلفة في رام الله وغزة.

ومع أن الملعقة ليست سوى رمز افتراضي للتعبئة القومية المحرومة من أي أفق، فإنها تلخص بوضوح التصميم على اغتنام أكثر الفرص تواضعا للتنديد بالظلم اليومي، ولكنها -كأداة للضعفاء- لا تعمل إلا على الحفر من أجل انتزاع بضع لحظات قصيرة من الحرية، قبل العودة إلى المكان الذي حدده الأقوى، بحسب تعبير الكاتب.

المصدر : لوموند

المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة