"مشاعي" ذو أفق تراثي.. هادي العلوي في ذكرى رحيله الـ23

نهل المفكر العراقي الراحل هادي العلوي (1932-1998) من ثقافة جده فحفظ القرآن ونهج البلاغة ودواوين الشعر الكبرى، وآمن بالفكر الشيوعي واحتفظ مع ذلك بولعه بالحضارة الإسلامية التي أعتقد أن المستقبل لها وليس للغرب.

المفكر واللغوي والمترجم العراقي هادي العلوي (مواقع التواصل)

أسس جمعية "المشاعية" وقرأ الماركسية قراءة جديدة وسعى لثقافة شرقية جديدة بعيدا عن الهيمنة الأوروبية، ورحل قبل 23 عاما.

إنه المفكر والمعجمي والمترجم هادي العلوي الذي ولد سنة 1932 في كرادة مريم التي تقع بالمنطقة الخضراء اليوم في بغداد.

نهل العلوي من ثقافة جده فحفظ القرآن ونهج البلاغة ودواوين الشعر الكبرى، وانتمى للفكر الشيوعي واحتفظ مع ذلك بولعه بالحضارة الإسلامية التي أعتقد أن المستقبل لها وليس للغرب.

وأنهى اللغوي والمترجم العراقي دراسته الثانوية وتخرج في كلية التجارة والاقتصاد بتفوق، وفي الخمسينيات تعرف على جريدته المفضلة "الأهالي" لكامل الجادرجي، وبدأ نشر بحوثه ومؤلفاته.

اهتم بالتراث والفكر الإسلامي، وقرأه قراءة ماركسية، وتمثل في حياته بمقولته الشهيرة "أجوع مع الجائعين، فهو شرط المعرفة.. وألتحف في المنافي، فذلك هو شرط الحرية".

المثقف والخساسات الثلاث

اعتقد العلوي أن "أكثرية مثقفينا سلوكهم مأخوذ من الثقافة الزائفة".

ويفسر قائلا "تجدهم يتكالبون على الامتيازات، إنهم مأخوذون بالخساسات الثلاث -المال والجنس والجاه- وقلما تجد مثقفًا منهم يرضى بالكفاف أو يقتنع بامرأة واحدة كزوجة أو يتعالى على الشهرة والجاه".

ويردف "ضعفهم جعلهم غير محترمين من قبل الحكومات لمعرفتها بانتهازيتهم، وهمهم ترجمة كتبهم ليقرأها الغرب".

وساهم العلوي في الحركة الوطنية العراقية منذ خمسينيات القرن الماضي، وغادر العراق عام 1976 إلى الصين ثم سوريا حيث عاش منفيًا حتى وفاته.

وأهتم العلوي بالتجارب الشرقية وآمن بشيوعية الفقراء الصينية، واختلف مع ما أسماه "شيوعية الأفندية" وهاجمها كثيرا.

ولم يفلت منه الزعيم الصيني ماو تسي تونغ فنعته بالصبيانية أحيانا، واعتبر عصر النهضة العربية الأولى يبدأ بصدر الدين الشيرازي، وليس بالحملة الفرنسية على مصر، كما يؤرخ مؤرخون كثر.

وقدم العلوي مشروعه اللغوي -الذي لم يكمل منه إلا 3 أجزاء- بصيغة جديدة للغة العربية من خلال دمجه بين اللهجات المحكية والفصحى، وكان يهدف للتقريب بين عوام المتحدثين بالعربية وبين مستوى الكتابة الذي يكتب به المثقفون والكتاب.

أقلمة الماركسية

ويتلخص مشروع العلوي الفكري في المزاوجة بين الماركسية والتراث، ويسميه "أقلمة الماركسية"، معتبرا أن التجارب الشيوعية المعاصرة (العربية) فشلت بسبب أحاديتها المرجعية.

ويعتبر العلوي أن الماركسية وحدها لا تكفي، ويضيف "أهمل شيوعيونا مصدر التأصيل للفكر الشيوعي ونضاله".

وكتب العلوي مؤلفه "مدارات صوفية تراث الثورة المشاعية في الشرق"، محاولا تأصيل فكرته اليسارية بثقافة شرقية خارجة عن دائرة الهيمنة الأوروبية.

ودعا العلوي لإنشاء شيوعية محلية تبدأ من التراث المشاعي الإسلامي، معتبرا أن اليساري ينبغي أن يكون حرا في التعامل مع تراثه وماركسيته.

ويعتبر العلوي أن النجاح في ذلك المجال مرهون باختراق سدود الفكر المُترجم والتماهي مع وعي الجماهير وهُويتها الحضارية.

وكان العلوي يفتتح يومه بهذه الأبيات:

سلام عليكِ أيتها الروح السارية في وجودي

أيتها النار الأبدية التي تتوقد في صدري فتحميه من برد النسيان

سلام عليكِ أيتها الحروف العاليات

هأنذا أبدأ يومًا جديدًا من صراعي ضد الأغيار الأربعة

مستعيذًا بكِ من الخساسات الثلاث، ومستمدًا منكِ القدرة على الاقتحام

يا معيني على البلوى.. أعنِّي على التأويب في ديار الهم والغربة.

بأقلام معاصريه

ويستذكر الكاتب العراقي زيد الحلي تجربته مع العلوي قائلا إنه تعرف عليه عام 1972.

ويضيف الحلي للجزيرة نت "إنه صوت حار، شديد التوتر، عميق الأنين، فياض بنور المحبة على مرارة الخيبة وحُرقة الوجع، لباسه متواضع، وطعامه أكثر تواضعاً، في كتاباته قوي الروح، يهبّ في مواقفه هبوب العواصف".

ويشير الكاتب سعدون هليل إلى أن دراسة العلوي عن التراث مختلفة عما يسميه التيار السلفي والاستشراقي على حد سواء.

ويقول هليل -صاحب كتاب "علي الوردي في النفس والمجتمع"- في حديثه للجزيرة نت إن الاهتمام بالتراث عند العلوي له 3 مفاهيم ودوافع، أولها الرجوع للتراث بوصفه عقيدة، والثاني هو الرجوع للتراث لمحاربته باعتباره وهذا نمطا مرتبطا بالحملة الغربية القائمة على الإسلام، والدافع الثالث هو الرجوع للتراث لتأصيل الثقافة الوطنية.

المؤلف العراقي سعدون هليل ألف كتاب "علي الوردي في النفس والمجتمع" (الجزيرة)

جمعية بغداد المشاعية

أما شقيقه المفكر حسن العلوي فيقول عنه للجزيرة نت "كان يطلب مني كتابة تعاليم الزهد لدى عمر بن الخطاب، ويطبق على نفسه معتقداته الفكرية".

ويردف "إذا دون نصا في الزهد سارع للأخذ به في حياته البسيطة، وكان مناضلا بحق، يتطابق فكره مع سلوكه تماما".

ويعتبر شقيقه أن تأسيسه لجمعية بغداد المشاعية وإنفاقه عليها مثال على زهده، ويتابع أن المفكر الراحل كان لا يطلق رأيا إلا واستشار فيه الفقيه عبد الكريم الزنجاني.

أما الكاتب علاء اللامي فينوه بوصية العلوي التي قال فيها "لا تملك شيئا ولن يملككَ شيء أبدا.. تلك هي الحرية".

مات هادي العلوي في 27 سبتمبر/أيلول عام 1998 إثر نوبة شديدة من الربو، ودفن في مقبرة الغرباء في حي السيدة زينب بدمشق.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تصادف هذه الأيام ذكرى وفاة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وكان الراحل قد أحب بغداد على نحو جنوني، وكتب عنها وعن شعرائها أجمل قصائده. بدأت زياراته لبغداد عام 1971، عندما حضر إلى الجامعة المستنصرية.

8/8/2021

فقد سوق السراي أو سوق الوراقين البغدادي العريق الذي بيعت فيه أول رزمة كتب أواخر العصر العباسي بريقه جراء الانفجار الأخير الذي أدى إلى تدمير معظم المكتبات والمطابع وبقايا مباني الصحف العراقية التي عاصرت عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.

12/4/2007

ينسِب الكاتب وعالم النفس مصطفى صفوان لأدونيس قوله إنه يحب الكتابة بـ”لغة ميتة”!، ويستشهد الكاتب المصري بأدونيس ومؤلفه “الكتاب” في معرض كلامه عن الطلاق بين العربية الفصحى والعاميات، و”الدور الذي تؤديه الكتابة في تأبيد الاستبداد”، ولتبرير تركه الفصحى والكتابة بالعامية المصرية.

27/12/2012

يتنقل الروائي والمترجم السوري جان دوست في حدائق اللغات وفضاءاتها، يستقي من عبيرها لينقل عبقها إلى الآخر. لا تقتصر الترجمة عنده على “التبرع بدم الكتابة للآخرين” -كما يقول- لأنه يترجم لنفسه أحيانا، وهو الذي ألّف روايات عدة وترجم نصوصا كثيرة.

4/8/2013
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة