شاهد- هندسة معقدة.. مبنى "غلام" صرح عثماني يعيد نبض الحياة لبيروت

المبنى المشيد عام 1840 أنجز ترميمه بعد تضرره بانفجار مرفأ العاصمة اللبنانية العام الماضي.

وسط الجراح التي لا يزال يعانيها اللبنانيون جراء انفجار مرفأ بيروت العام الماضي، عاد نبض الحياة إلى العاصمة بعد ترميم أحد أبرز الأبنية السكنية التراثية المتضررة من الحادثة.

اسمه مبنى "غلام"، ويقع في شارع "مار مخايل" وسط بيروت، ومع ترميمه ستتمكن 5 عائلات من العودة إلى ديارها، مما يعيد الأمل في عودة الحياة إلى المنطقة الأكثر تضرراً جراء الانفجار الذي دمر أجزاء واسعة من المدينة.

ويعد "غلام" المشيد عام 1840 أحد الأبنية الكثيرة في لبنان التي أنشئت خلال الحقبة العثمانية (1516-1920)، وتشكل جزءا أساسيا من تاريخ هذا البلد العمراني وحاضره الثقافي والتراثي.

هندسة معقدة

يتألف المبنى من 4 طبقات تضمّ 5 منازل، وتزيّن واجهته قناطر ضخمة، وسقفه من القرميد الأحمر التقليدي، بينما تتميز الطبقات السفلى بأقبية الحجر الرملي ذات الهندسة المعقدة.

وفضلا عن قيمته الجمالية والتاريخية، يحظى المبنى بأهمية اجتماعية وثقافية، فهو يعكس ترابط النسيج الاجتماعي الذي كان سائدا في المدينة، وتعدّ السلالم المشتركة بين منازله الخمسة نموذجا لذلك.

ونظرا لموقعه القريب من مكان انفجار مرفأ بيروت، لحقت بالمبنى أضرار جسيمة في واجهته وجدرانه، فضلاً عن تضرر الأشغال الهندسية الداخلية والزخرفية وكذلك الأبواب والنوافذ.

ووقع الانفجار في مرفأ بيروت يوم 4 أغسطس/آب 2020، وأسفر عن مصرع 217 شخصا وإصابة نحو 7 آلاف آخرين، إلى جانب دمار مادي هائل في الأبنية السكنية والمؤسسات التجارية.

تبعات انفجار بيروت

و"غلام"، واحد من 968 مبنى تراثيا يرجع تاريخ إنشائها إلى أكثر من 100 عام، تضررت بشكل متفاوت من الانفجار.

من تلك الأبنية 360 تضررت بشكل كبير، 90 منها كانت مهددة بالانهيار، وقد تم ترميم وتأهيل حوالي ربع هذا العدد حتى اليوم، وفق آخر بيانات وزارة الثقافة اللبنانية التي حصلت عليها وكالة الأناضول.

كما تضرر نحو 102 من الأبنية التراثية بشكل جزئي أو فقدت سقف القرميد، وقد تم إنجاز ترميم أكثر من 60% من تلك المباني.

لكن ترميم مبنى "غلام" يكتسب أهمية كبيرة لكونه يشكل خطوة نموذجية يعوّل عليها القيّمون، لإعادة الحياة الاجتماعية إلى قلب العاصمة من جهة، والحفاظ على تاريخها وتراثها من جهة أخرى.

مبنى “غلام“.. صرح عثماني يعيد نبض الحياة إلى بيروتاستخدم لترميم المبنى التاريخي نفس المواد المستعملة في القرن 19 خلال إنشائه (الأناضول)

وفي تصريح للأناضول، قال محافظ مدينة بيروت مارون عبود إن انفجار المرفأ ضرب أجمل وأهم أحياء المدينة من الناحية العمرانية، مشيرا في الوقت عينه إلى الحزن الكبير على الضحايا والجرحى الذي سقطوا.

وأضاف عبود: "كنا نخشى أن تفقد العاصمة هويتها التاريخية وطابعها الأثري من جراء الأضرار الكبيرة التي لحقت بها".

وأشار إلى أن "الحقبة التركية (العثمانية) تمثل مرحلة أساسية من تاريخ لبنان، ونريد الحفاظ عليها لأنها تشكل جزءا من هوية بيروت".

وتوجّه المحافظ بالنداء "إلى جميع الشعوب الصديقة، ومنها الشعب التركي والدولة التركية، لتقديم برامج دعم لترميم الأبنية المماثلة".

وأكد أن "هوية بيروت التاريخية جزء أساسي من مستقبلها، لذلك نسعى لأن تبقى عاصمتنا عابقة برائحة التاريخ"، آملا أن "يكون ترميم مبنى غلام نموذجا يُعتمد في جميع الأبنية المماثلة التي تضررت".

ترميم

ونُفذت أعمال الترميم والتأهيل من قبل شركتين متخصصتين بترميم الأبنية التراثية وبمساندة جمعيات ومبادرات من المجتمع المدني ومتبرعين، وبالتعاون مع بلدية بيروت والمديرية العامة للآثار التابعة لوزارة الثقافة.

من جهتها، قالت المهندسة المعمارية منى حلاق -للأناضول- إن هذا المبنى يختصر تاريخ العمارة في بيروت لكونه أنشئ على مراحل بين عامي 1840 و1930.

وأضافت منى حلاق -وهي مديرة "مبادرة حسن الجوار" بالجامعة الأميركية في بيروت- أن أدراج المبنى مكونة من الحجر الفرني، وجدرانه من الحجر الرملي، وسقف خشبي تزينه القناطر، كل ذلك يعد مثالا لعمارة لبنان في القرن 19.

ولفتت إلى أن العمارة ليست شكلاً هندسياً جميلاً وحسب، إنما تعكس قصص الناس التي تقطن فيها، كهذا المبنى المرتبط بتاريخ المدينة وسكانها.

وأوضحت أن ترميم الأبنية التراثية -وتحديدا العثمانية منها- يعد عملية دقيقة تتطلب وقتا طويلا وكلفة عالية، مقارنة بالأبنية الحديثة الأخرى.

بدوره، قال المهندس محمد غطمة -للأناضول- إن كل حجر وزاوية في هذا المبنى يحكي قصة من الماضي، ويعكس مراحل متتالية من تطور العمارة.

وأضاف غطمة -وهو أحد المقاولين الذين أشرفوا ونفذوا أعمال ترميم المبنى- أنه جرى استخدام المواد نفسها المستعملة في القرن 19 خلال إنشاء هذا المبنى، أي بعيداً عن استخدام الإسمنت.

ولفت إلى أن "أبرز ما سعينا إليه هو الحفاظ على نفس الشكل الهندسي للمبنى، من الخارج والداخل".

المصدر : وكالة الأناضول

حول هذه القصة

مرفأ بيروت الموقع الرسمي لمرفأ بيروت، ألبوم صور تاريخية للمرفأ http://www.portdebeyrouth.com/index.php/en/history ف

يقع ميناء بيروت مواجها لمنطقة تضم أغلى العقارات في وسط بيروت، وكانت هذه المنطقة محددة لإعادة التطوير، وفي نهاية الحرب الأهلية كانت هدفا لواحدة من كبرى عمليات الاستثمار في تاريخ لبنان.

Published On 7/8/2020
كومبو مجموعة العيون التي غادرت سريعا و لعبة الملاك و دموع باردة

أثّرت الجائحة بشكل كبير في واقع الإبداع بالعالم العربي، ولكنّها لم تكن السبب الوحيد في هذا التأثير السلبي. في هذا الاستطلاع نستمزج آراء كاتبتين ومترجم في مجالات النشر والكتابة الإبداعية والترجمة.

Published On 28/12/2020
المزيد من ثقافة
الأكثر قراءة